جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

غيابك يا أبي جعلني أودّع طفولتي

أطفال سوريا هم المتضرر الأول من حرب دامية، أزهقت أرواحهم بلا ذنب أو مبرر، فألقت أوزارها على نفوسهم الغضة، ودفعتهم لسوق العمل لإعالة أهلهم.

الأيام السورية؛ بيان بيطار

كبر “تيم” فجأة.. إنّها المسؤولية لا العمر. تحوّل صغير العائلة إلى معيلها، بعد أن خسر والده تحت ركام محله التجاري، إثر سقوط صاروخ فراغي وسط السوق الشعبي في مدينة إدلب، مرارة الألم والحرمان بدأت لديه؛ لتبدأ رحلة أيام سوداء لا يمتاز نهارها من ليلها إلا بالاسم.

حلمه كان بسيطاً، إكمال دراسته كغيره من الأطفال، لكن العمر الطويل للثورة المستمرة؛ جعله أكثر قوة وصموداً، كل ذلك اضطرَّه للعمل تارة مع تاجرٍ للمواد الغذائية وتارة صانعٌ ضمن محلّ للحلويات، عداك عن طهي عرانيس الذرة الشهية، لينادي عليها بشوارع المدينة مستقطباً أطفال الحي والمارّة.

تنتشر ظاهرة عمالة الأطفال بشكل كبير في ريف محافظتي إدلب وحماة، بسبب الفقر وصعوبة الحياة المعيشية، حيث أتت الحرب على أرزاق الناس.

وعن كثرة هذه الظاهرة يحدثنا “أبو عبد لله” وهو يعمل في إحدى المنظمات في مجال الدعم النفسي: ” فوجئت مؤخراً بنسبة الأطفال العاملين، وشدّني ذلك لألقي نظرةً لسوق مدينة إدلب.

ما شاهدته كان متوقعاً، فاللحام صانعه طفل، وبائع الخبز صانعه طفل، وتاجر المواد المنزلية صانعه أيضاً طفل، ووووو”.

“تيم” الطفل، صاحب الابتسامة الرائعة التي لا تفارق محياه، بات يفتقد تلك الابتسامة اليوم نتيجة الحرب الدائرة وما خلفته من آثارٍ سلبيةٍ على وضعه ووضع عائلته، ولم تعد عيناه العسليتان تبحثان عن زبون يفضّل شراء “عرانيس الذرة” الذهبية من إنائه القديم، لا من غيرة.

يعبّر عن مشاعره الحزينة تجاه أمه الحائرة في تأمين رغيف الخبز له ولأخوته في زمن اشتعل من غلاء الأسعار، وارتفاع نسبة الفقر والبطالة، ليجد حيرة من قلب صغير في وسيلة تساهم في مساعدة أمه الحنون بعد أن انتهت العطلة الصيفية وأجبر من قبلها للعودة للمدرسة، هي لا تتوقف عن وضع مصروفه اليومي في جيب سترته المدرسية، على الرغم من زهد المبلغ إلا أنه يعني للطفل سامر الشيء الكثير.

مرّت أيام الأسبوع والطفل الصغير يصارع نفسه البريئة ليعتاد على عدم صرف المال.. يأتي يوم العطلة وتستيقظ الأم قبل أطفالها كعادتها، ورغم انشغالها بالترتيبات وإعداد الفطور، غير أنّ ما لاحظته من تصرف ابنها الصغير جعلها تذرف دموع فرح من عينيها اللتين لطالما ذرفت دموع الحزن كالمعتاد.

أمسكت بيدها الورقة التي تركها “تيم” وقد كتب فيها: “سامحيني.. هذا ما استطعت أن أوفره يا أمي” وبالأخرى القطع النقدية المرتبة قربها، ونادت طفلها “تيم!” فترتسم على وجنتيه الصغيرتين احمرار التفاح، ويزداد هذا الاحمرار بعد قبلة المحبة وضمة العطف اللتين حصل عليهما من أمه، ومع كبر الألم واتساعه وعمقه، نشعر أن “تيم” كبر واتسع فكره وتعمقت معالم رجولته المبكرة، وفضل الاستغناء عن مصروفة اليومي مضحياً بمتطلباته الطفولية لقطع الحلوى وأكياس الشيبس، مقابل أن يساهم مع أمه في تلبية الحاجيات أولاً مودعاً طفولته بعد غياب أبيه.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend