جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

رأيتُ الشمس (1)

الأيام السورية| هاني المحمد

أحس بنسمة هواء تداعب خده، ولكن هذا مستحيل! فلا يمكن للهواء أن يصل إليه حيث كان، حتى أشعة الشمس التي اعتادت على التسلل إلى أضيق الأماكن ما كانت لتستطيع الوصول إليه.

كان يقبع في زاوية من زوايا غرفة التوقيف هناك حيث اعتاد على رؤية أشباح زملاء السجن.. ورائحة الأجساد التي تعفنت من قبل أن تموت.

هي نقطة عرق سالت على خده، مر بها زفير أحد الزملاء فبدت كنسمة هواء أخرجته من تلك الغرفة لبعض الوقت، لكن لم يلبث أن عاد إليها مع أنين الوافد الجديد.

حتى هو نفسه كان يعتبر وافداً جديداً.

لم يكن قد مضى عليه سوى ثلاثة أيامٍ على ما يعتقد.. لكنه أصبح خبيراً مثل أولئك الذين مضت عليهم شهورٌ في هذه الغرفة.

شهور؟!.. قالها بدهشة حين دخل في اليوم الأول بعد أن مرَّ بغرفة التحقيق، لم يكن يتصور أن أحداً قد يبقى على قيد الحياة لمدة طويلة في هذه الغرفة.

طافت به الذكريات قليلاً إلى البيت.. إلى مكان العمل الذي طالما كان يمقته لكنه يراه الآن جنة.

حتى الذكريات والأفكار أسيرةٌ هنا.. لم يكن باستطاعته المضي قدماً بالذكريات أكثر من ثوانٍ معدودةٍ لأن ضيق صدره كان يعيده دائما إلى الغرفة.

ضيق الصدر الممزوج بالخوف، ربما هذا ما يميز زملاءه القدامى عنه، أنهم اعتادوا الخوف أيضاً.

لكنه هو لم يعتده بعد، خصوصاً بعد تلك الرحلة السريعة في غرفة التحقيق والتي كانت كحادث سيارة مرّ بلمح البصر لكنه خلّف ندبات لا تمحى.

كان دائم الخوف من العودة إلى التحقيق من جديد، رغم أن بعض زملائه المحيطين به قد أخبروه بأنه لن يعود فقد أصبح الآن مجرد رقمٍ منسي.

كانوا يتواصلون همساً فالكلام ممنوع.

ابتسم سراً فاليوم قد حقق إنجازاً رائعاً.. استطاع التأقلم مع مقدار العرق الممزوج بالغبار الذي قد غطى جسده، ومع ثيابه التي قد أصبحت واسعةً عليه. نعم نوعية قماش سترته سيئة وقد تكون تمددت خصوصاً بعد أن استخدمها عناصر الأمن حتى غطت رأسه على الأغلب فقد الكثير من الوزن.

أبعد عن ذهنه هذه التساؤلات بجواب واحد “فليحصل ما يحصل.. غداً حين أخرج سأعود كما كنت”.

يتبع….

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend