جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

لغة الحوار: شفاهٌ تجرح، لا تداوي

حلبة صراع، أداتها “اللسان”، والأصل فيها -للأسف-أننا نمتلك شفاهاً تجرح، لا شفاهاً تداوي… خلفية المشكلة، لا تختلف عن أسباب من يحمل فكر التكفير للآخر، هل هو فقرٌ في المعرفة؟!

الأيام السورية؛ فرات الشامي

كتب “محمد الماغوط”: «أليس من العار بعد كل هذا التطور الحضاري والعلمي الذي حققته البشرية، وبعد مئات الجمعيات وآلاف المدارس التربوية والفنية والأدبية والمسرحية والفندقية التي تغطي أرض الوطن العربي أن تظل لغة الحوار الوحيدة بين السلطة والمواطن هي الرفس واللبط وشد الشعر؟».  سأخون وطني.

تساؤلٌ في مكانه، أيها الجدّ فقد رأيت مكمن الجرح، يبقى اليوم أن نعرف من بدأ بذاك “الرفس واللبط وشد الشعر”…؟! أعتقد أننا خرجنا مولعين بالوطن، نحمل أكفاً عاريةً تصفق على وقع أنشودة الحرية، قابلتنا أكف “الأمن” بزخ الرصاص، فكان البادئ أظلم.

للثورةٍ معانٍ ساميةٍ في الأذهان… لكننا من طينة “البشر”… ورؤيةٌ خاطئة أن تعتقد ثائراً بأنه “مَلكٌ كريم” أو “رسولٌ من الله مرسل”، وبناءً على تلك القاعدة يمكن فهم “حقيقة تصرفات الجريح”.

على المسرح السوري، وتحديداً في “وادي بردى” العام 2012، كتبنا “إنها ثورة وليست ثروة”، اليوم نقول: “كانت الثورة في صفاءها”…!! إذاً: من دنس ذاك النقاء؟!

أعتقد أنه “الفقر”… وشفاهٌ تجرحُ، لا تداوي.

ورد في الحديث الضعيف: ((كاد الفقر أن يكون كفراً))، كما أمر الله تعالى في كتابه الكريم: ((وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)) البقرة: 83.

المحصلة أن الإعلام الثوري له طابعه الخاص، يحمل ميثاق الشرف، لكنه بالمقابل وكأي وسيلةٍ إعلامية يحاول استفزاز القارئ وجذبه إلى حيث يشاء، تختلف الأساليب، يبقى الدور على “وعي الجمهور” في فهم الرسالة. لا ينفك واجب الصحفي عن حمل لواء وطنه وثورته، مع ثابتٍ هام أنه “إنسان”.

الرابط العميق بين ما سبق وبين “الفقر” و”القول الحسن”، أن الأول سببٌ في غياب الثاني، وضياع الثاني سببه “الأول”… ؟!

قضيةٌ فلسفية، تحليلها بسيط:

مازلنا فقراء… الخزائن المليئة بالمال… الشهادات المعلقة على الجدران… القائمة الطويلة من الكنز الذي نحتفي به ليل نهار من أحلامنا… جميعها تتكسر على صخرة “الانتماء للوطن”، ومعها… قبلها وبعدها “طريقة الحوار”… التي أردناها “هتافاً” توجه إليها “الطيش بالرصاص”. يسبقهم في كل ذاك “أننا لا نتكلف عناء القراءة”… قراءة صحيفة… قراءة كتاب… والأهم: قراءة التاريخ، نكتفي بالعنوان أو ما يقال، ونلقي الأحكام، والحكم على الشيء فرعٌ من تصوره. يقول الله تعالى: ((وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا)) الكهف:68. قال السعدي وهو يُعِدُّ الفوائد في قصة الخضر مع موسى عليهما السلام: “ومنها: الأمر بالتأنِّي والتثبُّت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يعرفَ ما يُراد منه، وما هو المقصود”. لكن يشاء الفقر -المعرفي-لدى طرفي المعادلة “المؤيدين والمعارضين” لنظام الأسد، إلا أن يتحول صراعهم “السياسي” إلى “شتيمة”، و”حرب”… مع أهمية النظر فيمن بدء تلك الحرب وسبق إليها.

الحديث عن الفقر في الأمة العربية غالباً ما يراعي الجانب الاقتصادي، مكثراً البحث فيه، والتأصيل العلمي، ورفد الحكومات العربية بوسائل الحلول الناجعة، لكن يغيب عمداً أو دون قصد “الفقر بالإحساس الوطني”، حتى عند “الوطنيين” أنفسهم… والأهم دون شك “الفقر الأخلاقي” و”المعرفي” الذي أدى إلى “الشحناء والبغضاء”.

نختلف على “عنوان كتابٍ” أو “مقال”… نؤلف الكتب في الرد، ونحشد الشعوب، والأمم، وربما نصل إلى درجة الاقتتال من أجل “كلمة”… !!

أهمية الكلمة لدى الشارع كبيرة، مع تناقضٍ عجيب أننا لا نقرأ…!!

نكتفي فقط بالعنوان على مبدأ “المكتوب مبين من عنوانو”…!!

لا نحاول الغوص في العمق… لأن السباحة في البحر تغرق الهواة.

ولأنها مسألةٌ ليست فلسفية بقدر ما هي نتائج “الفعل” و”رد الفعل”، نسأل: لو دخل لصٌّ ليسرق منزلك أمام عينك، ما هي اللغة التي تحاوره بها؟!”. ولو أنّ رجلاً شتم أبيك، كيف يأتيه الرد؟”. تلك عقلية الثائر فاعذروه، وإن عبنا عليه فعله الثاني في حال لم يقل كما أمر الله تعالى: ((وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)) الفرقان:63، من المستحيل أن نعيب على لغة الأول وقد اغتصب الوطن.

محاولات الزج بالشتيمة ليست إلا نتاج اقحام الرصاصة في صدر حملة أغصان الزيتون، لكن هل يبرر ذلك مقابلة “الجريمة” بمثلها، أو نحوها؟!

قد نختلف في التعاطي مع الموضوع، فالمكلوم “وطن” بات تحت جبروت “الاحتلال”، والأصل أن ردة الفعل دائماً لا نمتلكها، وهذا وإن كان ضعفاً، لكن ثمة ما يبرره، وإلا فإن حمل السلاح لمواجهة “عصابات الأسد” كان “جريمة” توازي “إجرام شبيحته”؛ بالتالي فإن من يؤيد “الجيش الوطني الحر”، هم “مجرمون”، كما أن من يشتم “بذيء”، شتان.

دعوة الوطنية والديمقراطية، تبقى مجرد ادعاء لدى الكثير اليوم –ولا أبرء نفسي-لكن ماذا لو فتحنا باب الحوار الفكري دون الإساءة من الطرفين؟! الحديث هنا: عن حوارٍ بين “الشعب والشعب، وليس الشعب والسلطة المعتدية”.

قد يكون الدم فاصلاً وحاجزاً يمنع، وقد يكون ممراً وجسراً للعبور، فقط في حال أتقنا فن الحب، بشرطٍ واحد –لا تنازل عنه-لا حوار مع القاتل. كثابتٍ من ثوابت ثورتنا لا نحيد عنه، احتراماً للوطن والدماء البريئة التي أزهقت.

بشار الأسد، دمر البلاد، بيعت سورية بعهد أبيه، وتباع اليوم للروس والإيرانيين، لأمريكا وغيرها جهاراً نهاراً… دماء الشباب والأطفال… طبعاً لا يعني ذلك “بذاءة اللسان”… بالمقابل، أعان الله الجريح المأسور.

ماذا لو قلتُ بعد كل هذا “شكراً سيادة الرئيس المفدى”…؟! سيل الشتائم لن تتوقف… لكن الأسد يستحق التقدير، فقد فتح الأعين المغلقة على عجزنا، وكذب ادعاءات البعض “الوطنية”.

إنها مسألةُ فقرٍ أدت إلى شفاهٍ تجرح من حولها تحولت إلى مخلبٍ أو ناب، تحتاج إلى سنواتٍ من الصبر حتى يصير التغيير جوهراً في حياتنا، ليس السياسية فحسب، بل الفكرية والثقافية، وقل إن شئت “الإنسانية”، ثم بعدها استمرارية وتحقيق التغيير قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) الرعد: 11

المعارضة هي المدعوة للتداوي، وليس الموالين للأسد، ونحن أولى الناس بالعلاج، لأننا من بدء مطلب التغيير، مع حرصنا على الثابت في المعادلة الثورية: العقل والقوة ضمن إطارٍ حضاري قوامه “الحوار” مع من يستحق الجلوس إليه.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend