كيف نستثمر انهزامنا؟

يقع الكثير من الثائرين فريسة اليأس لدى تعرض ثورتهم لإحدى النكسات، فهل انتصرت كل الثورات السابقة أم تعرضت بعضها لهزائم وتحولت لدروس قاسية؟

عفاف جقمور-خاص الأيام

نقاط كثيرة استوقفتني لأكتب عما يمكن أن نستنتجه من تجاربنا إذ لا قيمة للتجربة وآلامها ما لم تُفِد منها شيئاً، أؤمن أن تدوين النتائج سيجعل التجربة تؤتي أُكُلها مرتين، الأولى حين تعود عليك بالفائدة لموقف آخر دون إعادة تجربته من جديد، والأخرى حين تعود بالفائدة لمن يقرأ عنها دون أن يحتمل عناءها.

حين استفحل الألم وعمق الهزيمة وقف أبو البقاء الرندي راثياً الأندلس وأهلها، ما كان باستطاعته سوى أن يلملم شتات أطلاله بقصيدته:

لكل شيء إذا ما تم نقصــــان — فلا يُغَرُّ بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دولٌ — من سرّه زمنٌ ساءته أزمان

نعيش اليوم واقعاً مشتتاً كالرندي على أطلال فكرة آمنا بها وثورة بدأناها فتفرقت فكان كل فريق كالطود العظيم!

توقفت الآمال في محاجر أمهات الشهداء فلا يدرين أذهب أبناؤهم إلى الفناء دون أن يحققوا ما رموا إليه؟

وتوقفت التوقعات في ذهن الثائر فلا يدري أذهبت أحلامه التي نحرها قرباناً لأفكاره أدراج الهوى؟

وتتردد الأحاديث عن ثورة موءودة لا سائل لها فيم وئدت؛ وانهزامٌ يلاحق نفوس مريديها أوقفتهم في منتصف المسافة بين رغبتهم في تحقيق أهدافها ورغبتهم في البقاء بعد أن تفشّى الموت.

  • أول النتائج التي لمعت في ذهني أن الدعاء “وحده” ليس بفعل حقيقي؛ كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يتوكلون على الله حتى يُعتقد أنهم لا يعلمون ويعملون حتى يُعتقد أنّهم لا يتوكّلون؛ محمد الفاتح حاول مراراً قبل فتح القسطنطينية أن يدخلها بحفر أنفاق تحت أسوارها وتحطيم الأسوار تلك بالمنجنيق إلى أن جاءته الفكرة المبدعة بتسيير السفن على التراب حتى استطاعوا الوصول إليها وفتحها فكان “نعم الأمير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش”.
  • النتائج أمرٌ ذو قيمة والأجدى بنا أن نحاول جهدنا ما استطعنا كي نحصل على ما أردنا وليس للتبريرات أية فائدة حين الفشل، أديسون حاول مئات المرات حتى نجح في اختراع المصباح وهو القائل أنأأن الإبداع 1% منه إلهام و99% منه عمل.
  • في هذه الحياة مرهونون بالأمل والعمل معاً؛ فالأمل دون عمل غمامة صيف ليس فيها مطر.
  • اللحظات الأخيرة التي توشك فيها على الانهيار ليس انهياراً

فيا ربما أخلى من السبق أولٌ  وبز الجياد السابقات أخير 

التفكير بطرق أكثر إبداعاً في تلك اللحظات أجدى من الهرب، الثبات في تلك اللحظات قد تقلب الموازين والتراجع قد يقلبها كذلك الأمر، اليابان حين استسلمت بعد قنبلتي هيروشيما كانت الولايات المتحدة لا تملك قنبلة ثالثة كي تواجهها بها لكن اليابان وقعت عقدا خانعاً آنذاك وتراجعت.

  • في الحروب لا تذهب إلى حيث أراد عدوك بل اذهب بهم إلى حيث تريد، ولا تعجَب إن كادوا لك الكمائن فذلك الوضع الطبيعي؛ الأمر غير الاعتيادي حقاً ألا تحاول أن تفهم أسلوب عدوك وتختار الطريقة الأنجح لمحاربته.
  • لا تفقد الأمل إن رأيت أكواماً من الركام فلربما كانت الحياة تحتها وأنت لا تدري، ولربما كانت بقايا الجمر تحت الرماد وتحتاج أن تبحث عنها.
  • الأمل الواهم مضرٌّ كما اليأس تماماً؛ الأمل دون فعل حقيقي يعاضده يزيد الخيبات تكراراً وألماً ونتائجه كارثيّة بحجم التوقّعات الخلّبيّة.
  • المجتمع مسؤوليّة أفراده؛ ولا نجاح لمجتمع أو مؤسسة دون نجاح لمكوناته ابتداء من الفرد، وأن الأخطاء الفردية لا تبرير لها سوى محاسبة المسؤولين عنها وإن كثُرت أعدادهم، وإن كثرة انتشار الخطأ لا يبرر فعله مهما بلغ عدد الواقعين به.
  • الخيار العسكري هو السكين الذي قد يجدي بتحقيق الهدف أو قد يؤذي صاحبه؛ فعلى الشعوب اختياره بحذر.
  • الظلم لا يدوم وإن طال
  • لا عقيدة بدون أخلاق
  • ولا نصر بدون عمل
  • ولا هزيمة بدون ثغرات
  • لا يكفي أن يكون لدينا هدف برّاق إنّما يجب أن يكون هناك خطوات أولية عمليّة لذلك الهدف، وأن الحالمين كُثُر لكنّ من يسعى لتحقيق هدفه منهم نادر.
  • وضع كل صاحب كفاءة في مكانه وعدم العودة لسجله الثوري أمرٌ ملازم للنجاح؛ فصاحب الكفاءة ينهض بمن حوله؛ أما قليل الخبرة وإن كان ذا تاريخٍ ثوريّ فبموقعه المهمّ سيقتل احتمالات النجاح وسيحبط من حوله، خالد بن الوليد رفع لواءه عليه الصلاة والسلام بمجرد إسلامه؛ بينما لم يحظَ أبو ذر الغفاري بقيادة أيٍّ من تلك المعارك وهو السّابق إلى الإسلام.
  • الفشل ليس نقيض النجاح إنما هو مرحلة طبيعية للوصول إليه؛ تكون حتميته حين نستسلم لتلك المرحلة.
  • كما الشجاعة صبر ساعة النصر أيضاً كذلك الأمر، النّصر هو صبر الساعات الأخيرة.
  • وكما العدل أساس الملك فالعقل أساس الملك أيضاً وبدونه يصبح المُلكُ دون عدلٍ حتماً، وفي هذا تفصيل واستطراد:

فلربما كانت النتيجة الأكثر صدقاً التي وصلتنا بعد سني الحرب السبع أنّ إقامة وإنشاء دولة أمراً ليس سهلاً على الإطلاق.

قد تكون تلك فكرة ساذجة تكلّم فيها فلاسفة ومفكرون كُثُر عن طرق تنظيم العقد الاجتماعي ومسؤولياته وحدود كل من الطرفين لكن الأمر على أرض الواقع يختلف كلياً اختلافَ وصفِ الشّيء عن كينونته.

لا أتحدّث هنا حسرة على نظامٍ اعتمد الظّلم والسجون وتكميم الافواه كأحد أهمّ قواعده، لكنّ تفاصيل كثيرة لن توليها اهتماماً ستجدها متربصة بك لدى قرارك بإنهاء ذاك الظلم وبناء مجتمع وتأسيس نظام جديد ورسم معالم دولته المرجوة.

ستواجهك عقبة تأمين احتياجات المأمون عليهم وتطوير قدراتهم وحمايتهم والرباط على حدودهم فضلاً عن إرضائهم الذي قد يكون ضرباً من الخيال.

توفير الماء والكهرباء وتعبيد طرقات وتأهيل مدارس وجامعات؛ إضافة إلى تطوير القدرات وابتعاث كوادر.

وبشكل مختصر أن تستطيع الإفادة من الموجود من مجمل الموارد بأدنى تكلفة وأعلى جودة.

يجانب هذا وذاك أن تجد نفسك مسؤولاً عن مئات البشر، فتجمع بين فتنة الملك وعذاب الناس؛ هل تولي أحد معارفك ومقربيك الذين تضمن ولاءهم لك والتزامهم بأهدافك دون أن يكون ذا خبرات سابقة؟ أم تولي صاحب الكفاءة الأعلى الذي قد يكون لديه رؤية مغايرة في العمل وربما أهداف أخرى؟

ما تلبث حينها أن توقن أنّ أول المستظلين بظله يوم لا ظلّ إلا ظلّه “إمام عادل”

وأخيراً؛ الهزيمة الحقيقيّة ليس بأن تفقد أماكن جغرافية فالحرب كرٌّ وفرّ

ولا أن تفقد أشخاص فالشهداء باقون

ولا أن تفقد أشياء وأموالاً فذلك ما يمكن تعويضه

لكن الهزيمة الحقيقة أن تفقد الأمل فلا تقوى على متابعة هدفك وحلمك الأول.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend