جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

يوم الفتاة العالمي بعين سورية 

الأيام السورية| الاء محمد

الأحلام التي تركتُها خلفي، غاصت في قلبي وتجذَّرت في أعمقِ مكانٍ فيه تنتظر يومَ تخرج الى النور والحياة.

أملٌ وحلمٌ وأمنيةٌ وطموحٌ، ومستقبلٌ فيه ألوان بلدي الزاهية في الربيع وسواحله الصيفية ولا غنىً عن رائحة الكستناء المحمّصة تملأ المنزل في الشتاء، وخريف حارات دمشق القديمة يحتضن العشاق المراهقين.

لا أعرف لماذا خطر ببالي هذا المقال بعد أن قرأتُ بريد رئيسة التحرير صباحاً طالبةً منّا كتابة مقالٍ عن يوم الفتاة العالمي، كثير من الذكريات والأفكار كخيط لامع يسيل من ذاكرتي.

منذ خمس سنوات أعلنت الأمم المتحدة الاحتفال بالفتاة بـ 11 أكتوبر من كل عام، والهدف منه دعم الأولويات الأساسية من أجل حماية حقوق الفتيات والمزيد من الفرص لحياة أفضل، وزيادة الوعي من عدم المساواة التي تواجهها الفتيات في جميع أنحاء العالم على أساس جنسهن.

سأترك الحقوق جانباً لكيلا يأتي أحدهم ويقول:” ملينا من حقوق المرأة احكوا بسيرة ثانية”.

لذلك سأتحدث عن فرصٍ لحياة أفضل..

كفتاة سورية تعيش بلادُها مرحلة صعبة من حرب أكلت الأخضر واليابس، ونظام حكم ظلم وشرد وفرق بين شعبه وزرع بينهم الكره على أساس طائفي.

هذا اليوم يذكّرني بصديقاتي أيام الجامعة، كنا شلّة تجمَعُ أغلب الطوائف السورية ومع ذلك اشتهرت شلتنا بالتميز والإبداع، أينما جلسنا حلت الفرحة والسعادة، لم نكن نهتم بالأحاديث التي باتت تشغل الناس في هذه الأيام والأحكام المطلقة على الأشخاص تبعاً لطوائفهم ودرجة تدينهم الظاهري.

كفتاة أتمنى لهذه الحرب أن تنتهي وتطفئ معها حروب قلوبنا المشتعلة، وأن نصلي جميعاً ليكبرَ أطفالُنا بسلام، ولوطننا الذي نخاف أن نخسره.

فنحن الفتيات لسنا أنانيات نفكر بحقوقنا ومصالحنا فقط.

بل بيننا معتقلاتُ رأيٍ لأنهن رفضن الظلم وخرجن في وجهه بصوتٍ عالٍ، فكم من فتاة سورية غيّبتها سجون النظام وكم منهن قتلت تحت التعذيب ومن تعرضن للاغتصاب لأنهن نطقن عكس إرادة الحكام.

وكم من فتاة نذرت نفسها لتعيل أهلها بعد أن قتلت الحرب أخوتها، ومن فقدت كل من تحب من أجل أن تساهم في حياة أفضل لجيلها وللأجيال القادمة.

هل يغير يوم الفتاة العالمي واقعنا؟ هل يمنع الأهالي من تزويج الفتيات بأعمار صغيرة؟

في العام الأول للاحتفال بيوم الفتاة سنة 2012، اختارت الأمم المتحدة قضية مناهضة الزواج المبكر للفتيات لتكون قضية العام. وحسب إحصائياتها لنفس العام فقد كانت نسبة زواج الفتيات دون سن 18 في البلدان النامية 30% ودون سن 15 نسبة 15%.

والدتي موجهة تربوية في إحدى المدارس السورية في تركيا على الخط الحدودي، تقول إن فتاة بعمر 13 عاماً زوَّجَها والدها قبل افتتاح المدارس بأيام، وفي الصف الثامن يوجد 3 فتيات مخطوبات وزواجهن قريب، ورغم أن تركيا بلد يمنعُ قانونياً زواجَ الفتيات بهذا العمر إلا أن الأهالي يتجاهلون القوانين ويلقون ببناتهم دون تفكير.

في أحد المرات كنت أنتظر في كراج أضنة قدوم الباص المتوجه إلى عنتاب، جاءت فتاةٌ ترتدي عباءةً سوداءً وتحملُ طفلة بيدها، عرفتْ أنني سورية فجلست بجانبي تنتظر أيضاُ نفس الرحلة.

دار حديثٌ بيننا، وتبيّنَ خلاله أن عمرها 15 عاماً وتزوجت قبل سنة ونصف والآن طلقها زوجُها وهي ذاهبة إلى أهلها في عنتاب وعبرت عن خوفها من عدم تقبل أهلها حالها هذا.

أما في العام الثالث للاحتفال سنة 2014، ركّزت الأمم المتحدة على الاعتراف بأهمية الاستثمارِ في الفتيات وتمكينهنَّ في أثناء فترة المراهقة للحد من العنف الذي يتعرضن له.

وهناك قصص كثيرة وقد نشرت عدداً منها في تقارير ومقالات سابقة، من بينها قصة الفتاة العشرينية التي تلقت ضرباً من زوجها بأداة حادة، وبعد تركِها له لعدةِ أيامٍ عادت إليه لتعيش نفس تجربة التعنيف، والتبريرُ لا يوجد ملجأ غيره.

في الوقت نفسه الذي تتعرض فيه عدد من الفتيات والنساء للتعنيف في المجتمع السوري بشكل خاص دون أن يحركن ساكناً لإنقاذ أنفسهن من دوامة الاستغلال والقهر تلك.

نجد أن فتيات طموحات يحاولن تحقيق أحلامهن دون النظر للظروف الصعبة المحيطة بهن، من غربة وحرب وفقدان مستمر لأشخاص أعزاء.

أصالة فتاةٌ تعرفتُ عليها من خلال عمل تطوعي جمعنا مع عدة شبان وفتيات لمحاولة التأثير والتغيير في المجتمع نحو الأفضل، تحاول أصالة بعمر 18 عاماً تقديم مشروع تعليمي يساعد عدداً كبيراً من طلبة البكلوريا للدخول للجامعات التركية بسهولة وبفرص قبول أكثر، رغم صغر سنها إلا أنها تعمل بجدٍّ لتحقيق هدفها.

في يوم الفتاة العالمي لا يسعني أن أتجاهل الجانبين، المشرق والمظلم في حياة الفتاة السورية سواءً في الغربة أو في سوريا وأكتفي بالختام بالتحية

للمناضلات المكافحات من أجل حياة أفضل.

للمعتقلات في سجون الظلام رفضاً للظلم.

للذين يبحثون عن الأمل متجاهلين كل الانكسارات.

لفتيات بلدي وبلاد العالم أجمع

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر منظمة الصحة العالمية
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend