جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

الحاجز

وحده ضوء السراج كان يرسم ظلال الأخيلة في ليلة سأذكرها طويلاً.

سلام زيدان -الأيام

صحوت على صوت الطائرة تلقي بجحيم نيرانها الملتهبة على الأحياء المجاورة، وكأنها ذاك المنبه اليومي. أرسلت أناملي أتلمسه وأنا لازلت مغمضة العينين عبثاً لم أجده! مكانه كان بارداً للتو!

اقتفيت أثره، كان في الغرفة المجاورة يلاحق بعينيه عقرب الثواني في تلك الساعة البائسة على الجدار، لا يشيح النظر عن جواله يترقب وصول رسالة أو مكالمة هاتفية مهمة من صديقه أحمد؛ الذي قرر الانشقاق من الحاجز المجاور للحي علّه يجد طريقاً للهروب بمساعدة زوجي وصديقه أبو المجد الذي ساعد الكثيرين على الانشقاق.

همّ الرجل بالرحيل دون أن يخبرني ماذا يفعل؟ ومتى سيعود؟ سوى أنه طلب مني: أن أدعو الله له بالتوفيق.

أمسكت بيده ونظرت إليه وأنا أحبس دموعي” قلبي مقبوض أرجوك انتبه لنفسك” ساد الصمت قليلاً.. حاول أن يجيبني لكن العبرات حبست الحروف في حلقه، وحدها عيناه كانت الشيء الجميل في زحمة الخوف وتشتت الأفكار.

غادر في جنح الليل والظلام يخيم على كل شيء حوله، بينما رحت أمسح دموعي بأناملٍ مرتجفة.

كانت ليلةً حالكة السواد إلّا أنّ ضوء انفجارات البراميل والقذائف كان يشعّ بين الحين والآخر؛ ينير عتمة الليل الطويل، كان الخروج من الحي إلى الحي المجاور قضية موت أو حياة.

في الحاجز المتواجد في آخر الحي لا يسمح لأحد من السكان بالخروج أو الدخول إلا بعد تحقيق مطول معه، وفي وقت متأخر من الليل يكون الأمر أشبه بالمستحيل.

لكن وفاءه لصديقه ولثورة الحرية والكرامة جعله غير آبه لأي نتيجة.  

صديقه أحمد كان أحد عناصر الحاجز المتواجد في بلدتنا؛ وهو صديق الدراسة الجامعية كان قد طلب من زوجي المساعدة على الخروج من البلدة كونه من أبنائها. أمّا أحمد فكان من بلد آخر ويصعب عليه التنقل بسهولة في البلدة.

اتفق أبو المجد مع زوجي أن ينتظرا أحمد في البيت المتهدم المحاذي للجامع ويتمّ تخبئة أحمد بعد هروبه من الحاجز في بئر ذلك المنزل خوفاً من مداهمة الأمن للمنازل واكتشاف أمره، وبعدها يتمّ التواصل مع عناصر من الجيش الحر لإيصاله إلى أهله.

وفي الطريق وعند أحد البيوت التي هدمتها القذائف شاهد مالم يكن متوقعاً.. صديقه أبو المجد!

لم تصدق عيناه ما رأى ماذا يفعل هو ومن معه في هذا المكان؟ حاول أن يعرف من معه إلا أنّ عتمة الظلام حجبت عنه الرؤيا؛ عندما همّ بالاقتراب منهم.

غادروا فتبعهم دون أن يشعروا، توقّع أن يدخل صديقة إلى المنزل الذي اتفقا أن يلتقيا فيه، إلا أنه تابع المسير باتجاه الحاجز يتحدث على هاتفه الجوال ويلتفت يمنة ويسرة.

وصل الحاجز ووقف مع أحد العناصر ودخل من كان معه إلى غرفة الضابط، ولكن زوجي لم يعد يجرؤ على الاقتراب أكثر، غلى الدم في عروقه، يريد أن يعرف ماذا يفعل أبو المجد عند الحاجز على غير العادة، ما أثار استغرابه وقلقه أكثر، لم يستطيع الاقتراب منهم فعناصر الحاجز تكاد تراه وهذا الأمر قد يسبب اعتقاله إذ لا مبرر لاقترابه من الحاجز في ذلك الوقت المتأخر من الليل.

قطع خياله صوت رنين رسالة على جواله… فتح الرسالة وإذ بها من صديقه أبي المجد “إذا رأيت أحداً معي لا تقرب منا قد استجد أمر سأحدثك به لاحقاً”.

أخذ يفكر قليلاً وكثيراً بفحوى الرسالة التي لم يفهم منها شيئاً، ولا يكاد ينسى المشهد الذي رآه قبل قليل.

بدأ الصبح يهزم أواخر الليل على عجلٍ فعاد ملتمساً جدران الحي المهدمة من القذائف؛ خشية رؤية أحد له، متسللاً نحو البيت الذي وعد صديقه أن يلتقيا فيه.

وعند الباب صعق لما رأى! كان باب البيت مفتوحاً واستطاع بما تيسر من انبلاج الصبح أن يرى قطرات دماء على الأرض عند الباب، تردد بداية في اتباع الأثر لكن موعده مع صديقه يحتمّ عليه الدخول إلى المنزل، بل وتأكده أن لا أحد يسكن المنزل من قبل أثار شكوكه.

اقترب من باب المنزل أكثر فوجد الدماء تزداد، انتابه خوف شديد وراح يتساءل ما الذي يجري؟ وفجأة يسمع صوت من داخل أحد غرف المنزل اقترب قليلا يا إلهي! إنها أخت صديقه أبو المجد طالبة الحقوق! ماذا تفعل هنا؟ ومعها عنصرين من الحاجز.

حاول الاستماع لحديثهما لكن صوتهما كان أقرب للهمس، تسارعت دقات قلبه، اقترب أكثر وإذ بأحدهم يقول لها “عم تنسقوا مع أحمد يا خائنة لنشاهد ما سيفعل أحمد وكيف سينفعك أنت وأبو المجد” وهي تبكي وتنحب بلا صوت “والله لا أعلم أي شيء يا سيدي” ومع كل لكمة ينهال عليها ضرباً؛ علّها تعترف من الشخص الثالث الذي ينتظروه هنا؟
أدرك زوجي أنه اكتشف أمر انشقاق أحمد، ولكن ما علاقة أخته؟

وفجأة يقطع خياله رنين الهاتف بأن الشحن سينفذ، فتح الهاتف وصلته عدة رسائل آخرها كان من رقم لا يعرفه “أخي أبو أحمد أنا زوجته لأبي المجد جاءت دورية واعتقلت أبو المجد وأخته أرجوك ساعدني”.

تسمّر مكانه، تعرّق، لا يعرف أين يتجه؟  وراح زفيره يرسم مسارات الحسرة على أديم الجدار المهدّم الذي التصق به، ها هم أصدقاؤه أحمد وأبو المجد وأخت أبو المجد وقعوا فريسة الحاجز، بخطأ اقترفه أحمد عند مكالمته لأبو المجد دون أن يشعر أن هناك من يراقبه.

راح يرتجف قهراً، ربما خوفًا، ودموعه تحرق قلبه قبل عينيه، كانت صرخات أخت أبو المجد تزلزل المكان وكذلك صوت شتائمهم القذرة كقذارتهم، وحدها دمعات القهر كانت تبلل مكان سقوطها.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend