الدول البربرية العظمى تتسابق في القتل بدير الزور

د. أسامة الملوحي

تتشارك روسيا والولايات المتحدة الحرب وتتسابقان في دير الزور…

تتسابقان كما تسابقتا لنهش برلين في نهايات الحرب العالمية الثانية.

روسيا وأميركا تسرعان وتسارعان في محافظة دير الزور لامتلاك أكبر مساحة ممكنة… ومن دونهما مع كل منهما دول أخرى إقليمية و كبرى.

وفي غمرة السباق وسرعته يسقط آلاف وآلاف من السوريين الأبرياء هناك.

أهلنا في دير الزور يبادون وأهلنا في دير الزور لا بواكي لهم.

القصف لا يوفر منطقة ولا يوفر مدينة ولا يوفر عائلة أو عشيرة في كل مناطق سورية التي خرجت عن سيطرة نظام بشار الأسد.

انشغل الناس بضحاياهم ونقل مراسلون كثر الأخبار والصور عن المجازر المرتكبة في كل المناطق الغربية والشمالية والجنوبية وبكى الباكون على صور كثيرة مريعة وعلى روايات موثقة كثيرة وصل إليها الصحفيون والمتابعون…

وفي المناطق الشرقية غفل الغافلون والمتابعون إلى حد كبير عن حجم المأساة وحجم الجريمة التي ارتكبت وما زالت بحق المدنيين السوريين…

هناك لم تصل الكاميرات ولم يصل المراسلون ولم يُلق الضوء كاشفاً فاضحاً مبكياً.

وكانت التغطية الإعلامية الوحيدة في دير الزور والمناطق الشرقية هي لوكالة “أعماق” التابعة لتنظيم الدولة، وكل ما يصدر عن هذه الوكالة غير مصدق وغير مُثبت عند كل الوكالات وأجهزة الإعلام والدول. وكانت هناك ايحاءات كثيرة مقصودة أو غير مقصودة من كثيرين يحملون لؤماً قاتلاً أن المدنيين المستباحين إنما هم من حاضنة التنظيم وأنصاره.

كان كثيرون يرون شعار “أعماق” في زوايا الشاشات فيشيحوا بأبصارهم بعيداً غير آبهين أو مصدقين، ولم يكلفوا عقولهم ليتفكروا أو ألسنتهم ليتساءلوا:

هل هذه الأكداس البشرية الممزقة التي يرونها كانت تنتمي إلى داعش؟

أحدهم وهو يرى بنظرة خاطفة جثث الأطفال قال: “داعش تجند الأطفال والنساء”.

هذا كله يجري ويقال بيننا فكيف يكون الانطباع والكلام بين مواطني الدول الغربية والشرقية إذا…أقول إذا وصلتهم الصور والمقاطع…

الوكالات العالمية المشهورة حريصة كل الحرص على تجنب عرض الصور المفزعة المخيفة فما بالك إذا كانت الصور على أرضنا تفوق كل ما عرض في أفلام الرعب العالمية….

أشلاء وأعضاء متطايرة وقطع لحمية ملتصقة على الجدران، وجثث أطفال متفحمة … مشاهد ومقاطع تنتجها أجساد المدنيين السوريين كل يوم… أفلام رعب غير مسبوقة تُنتج في سورية كل يوم أو يومين.

الوكالات العالمية المشهورة تُشكك في صور ومقاطع “أعماق”، وتخشى على مشاعر مشاهديها ومتابعيها وتُغيب فصول أحلك وأبشع مأساة شهدها التاريخ المعاصر….

والناطقون باسم وزارات الخارجية والناطقون باسم الحكومات العابثة في سورية خرسوا كلهم أو كادوا وقد كانوا من قبل يتبادلون الاتهامات بإيقاع خسائر بين المدنيين أو بالإفراط في قصف مدينة أو قرية…. ولكنهم في الأشهر الأخيرة كفوا ألسنتهم على بعضهم البعض إلى حد كبير، ولعلهم تواصوا بذلك بشكل منظم مخطط له، ليكملوا استئصال داعش بقتل كل حي في مناطق داعش…. الدواعش أحياء…اقتل كل حي فيصل القتل إلى الدواعش…

ولكن الدواعش يتحصنون ويتحسبون ويحتاطون، والمدنيون يظنون واهمين أنهم غير مستهدفين فيخرجون جماعات ووحدانا مسارعين للهرب إلى مكان آمن فيطالهم القصف والقتل بالجملة عند الممرات الإجبارية في المعابر النهرية وغيرها.

الدعاية عند الدول العظمى هي أقوى ما تملك… خاصة أثناء الحروب وتنفيذ العمليات العسكرية …. دعاية ممنهجة مدروسة في كفاءة الجنود وفي القدرات العسكرية وكفاءة أنواع السلاح المختلفة في الجو والبر والبحر وقد سبقت الولايات المتحدة الجميع في ذلك وتحاول روسيا اللحاق بها ووجدت في الساحة السورية مجالاً واسعاً للدعاية والترويج.

ومن المصطلحات الدعائية الهامة التي حرص كل القاصفين الكبار من الجو على الترويج لها لإثبات القصف الدقيق الذي يتجنب المدنيين هو مصطلح “القصف الجراحي”: الذي يدّعي أصحابه أنهم يدمرون عين الهدف المقصود مئة بالمئة مع درجة صفر في التأثير على كل ما يجاوره من مبان وعربات وأشخاص.

ويشبهونه بالتداخل الجراحي المجهري في أي عضو من أعضاء جسم الإنسان حين يصل الجراح إلى المنطقة المستهدفة دون المساس أبداً بأي نسيج مما حولها، ويؤكدون في دعايتهم على القدرة الهائلة على رصد الهدف وتشخيصه ومعرفته بوسائلهم الجوية والفضائية وبمعلومات جواسيسهم على الأرض.

ولكن كيف تنسجم تلك الدعاية مع سقوط المدنيين مئات تلو مئات قتلى ومقطعين وما التفسير المنطقي لذلك والمشهد يتكرر باستمرار ودون توقف والفاعلون هم من دول عظمى؟

لا يمكن تفسير ذلك وتفسير تكرار ذلك مع وجود المعلومات الدقيقة التي تصل فعلاً إلى القاصفين الكبار إلا أنهم:

 

  • يعتبرون القصف الجراحي المطلوب هو استئصال لقسم كبير من المدنيين الذين لم يستطيعوا ترك مناطقهم وبيوتهم وبقوا تحت سيطرة داعش.
  • واتفقت الدول الكبرى المتشاركة ألا يدين أحدهم الآخر ليبقى المشهد بعيداً عن التفات المعنيين الانسانيين، والمعنيون الإنسانيون أصلاً أصبحوا قلة مخترقة….
  • وانسحب كل المراسلين العالميين المستقلين المغامرين الذين لم تخل حرب ضروس منهم على الإطلاق خلال مئة سنة إلا في شرق سورية اختفوا تماماً ليبقى كل ما يصل من أخبار من الشرق ممهوراً بعلامة “أعماق”، وليصبح مشهد القتل بالجملة مشهداً عادياً أمام أنظار قلة قد تشاهد صدفة جزءاً مما يجري.
  • وكلفة الأسلحة الجراحية الحقيقية الدقيقة عالية ولا ضير عند الدول العظمى التي تحرص على الكلفة القليلة المحسوبة باستئصال جراحي تقليدي واسع فما زالت نظرية “التوسع في الاستئصال لضمان زوال خلايا الورم” موجودة عند المحافظين القدامى.
  • إنها عمليات قتل كتلوي…عمليات بربرية تقوم بها دول بربرية عظمى.
  • والإعلام الثوري لم يستطع أن يخترق الحجب والأغلفة إلى شعوب تلك الدول لترى بربرية حكوماتها.
  • بل لم تستطع أغلب وسائل الإعلام الثوري أن تنقل الصورة المريرة على حقيقتها في المناطق الشرقية إلينا وبقيت دير الزور وما حولها لا بواكي لها…. أهلنا في دير الزور لا بواكي لهم.

 

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend