جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

في اليوم العالمي للصحة النفسية.. كيف شوّهت الحرب الطفل نفسياً؟

كان يتجوّل في ساحة مسجد الفاتح بمدينة إسطنبول التركية، طفل في السابعة من عمره، ممسكاً بين يديه مناديل يبيعها للجالسين على المقاعد، قبل أن تناديه فتاتان تركيتان وينهالا عليه بالأسئلة. أما هي، فكانت تجلس ترقبهم وتستمع إليهم لتعلم إلى أين سيصل هذا الحوار.

الفلسطينية روان حيدر، قالت: “حين جاء إليَّ ليبيعني من المناديل، بدا لي متوسط الحال، وحَسن الهيئة، ولكني اعتذرت له، ليجيب بعدها نداء الفتاتين التركيتين”.

حيدر، وصفت الموقف لـ”الخليج أونلاين”، وأوضحت أن “الطفل كان يتقن اللغة التركية بشكل ممتاز، وأجاب الفتاتين عن مدينته وكيف جاء إلى تركيا ومن يسكن معه من عائلته، وماذا يعمل، وكيف تعلَّم لغتهم، ولكنَّ ما أثار حفيظتي هو الأثر النفسي السيئ الذي خلّفته الحرب في داخله”.

عانى الطفل خلال لجوئه من مدينة حلب السورية إلى تركيا الأمرَّين، وأصبح هو وعائلته بلا مأوى، وفي خيام اللاجئين اجتمع مع الكثير من الأطفال الذين شرّدتهم الحرب، وفق حيدر.

وقال الطفل، الذي لم يكشف عن اسمه خلال حديثه مع الفتاتين (ربما خوفاً): “مررنا بظروف صعبة، هربنا جميعاً، أخاف من صوت الطائرات، أخاف من الأصوات العالية، لا أنسى كيف قُتل أخي أمامي، لقد مات!”.

وأضافت حيدر لـ”الخليج أونلاين”: “بعدها.. الطفل توقف عن الكلام، بكى بصمت وذهب”.

لحقت الكثير من الأضرار النفسية بالعديد من الأطفال في المنطقة العربية إثر الحروب، سواء كانت بالعراق أو اليمن أو سوريا، ما أنشأ أجيالاً شُوِّهت نفسياً وفكرياً.

وفي الطب النفسي، هناك مصطلح يُطلق عليه “ما بعد الصدمة”، أي النتائج السلبية، وما يتأثر به الشخص جراء الصدمات النفسية الناجمة عن الحروب وتتمثل بانتشار الأمراض النفسية والمشكلات الاجتماعية التي قد تؤثر في قدرة الفرد على إقامة علاقة صحية مع غيره من الأفراد.

– يوم الصحة النفسية العالمي

منظمة أطباء العالم أكدت بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف 10 أكتوبر من كل عام، ضرورة أن تكون الصحة النفسية أولوية في حالات الأزمات.

وقالت المنظمة في بيان لها، الاثنين 9 أكتوبر 2017: “إن الصراع السوري المستمرّ يسفر عن عواقب نفسية هائلة على ملايين المدنيين، وليس ذلك فحسب، إنما من الأرجح أن تنتشر هذه العواقب على مرور الأجيال”.

وهذا ما يمكن قياسه على جميع الصراعات في الدول العربية والعالم.

والمنظمة التي تُعرف اختصاراً بـ”MDM” إنسانية دولية تقدم الرعاية للفئات الأكثر ضعفاً والمتضررين من الحرب والكوارث الطبيعية.

وطرحت المنظمة في بيانها الأزمة السورية مثالاً، لتذكر الأضرار التي كبّدتها لدى الأطفال، وقالت: “بعد ست سنوات من الحرب والتعرض المستمر للصدمات النفسية، تعاني سوريا أزمة لا يمكن إهمالها فيما يتعلق بالصحة النفسية. أدى الصراع الدائر إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان وتزايد الاحتياجات الإنسانية”.

وتقدّر الأمم المتحدة أن 6.3 ملايين شخص نازحون داخلياً في البلد، وأن ما مجموعه 13.6 مليون شخص بحاجة لمساعدات إنسانية داخل سوريا، وفق البيان.

المنظمة أكدت أن “اختبار المعارك البرية الجارية، والغارات والقصف المستمر، يسبب -بلا شك- مستويات عالية من الضيق النفسي بين السكان السوريين، وإن عدم ملاحظة ذلك وعدم علاجه قد يفسحان في المجال مع الأسف لمستويات أعلى من المشاكل على صعيد الصحة النفسية داخل المجتمع”.

السورية إسراء خليلي، وهي ناشطة في المجال الإنساني والإغاثي، وعملت مع منظمة “لأنك إنسان”، و”فريق ملهم التطوعي”، (موجودان في إسطنبول التركية، والأردن وسوريا ولبنان)، أكدت ما يعانيه الأطفال إثر الحرب.

وقالت الناشطة خليلي لـ”الخليج أونلاين”: “لا تحمل الحروب في أحشائها سوى الموت والمعاناة للأنفس البريئة، وما نشاهده من صور مؤلمة للمصابين والقتلى والدمار، قد يكون مرورُ الزمان كفيلاً بتجاوزها ونسيانها، لكن ما لا يمحوه الزمن إلا بعد جهد، هو الأثر النفسي الذي ستتركه داخل كل من عاصرها وعاش الرعب والقلق فيها، وكل من فقد عزيزاً أو قريباً أو منزللَ يستظل بظله ليجد نفسه في العراء”.

وأضافت خليلي لـ”الخليج أونلاين”، أن “السلاح ومفرزاته من صور ومشاهد قاسية، هي الأشد تأثيراً في النفس، وعلى وجه الخصوص بالنسبة للأطفال الذين تبدو عليهم معالم الخوف والقلق من الموت أو الانفصال أو حتى الخسارة”.

وخلال تجربتها مع الأطفال، أكدت أن “الرسم يعبر بقوة عما يجري داخل ساحات عقول الأطفال”.

وأظهرت الصور التي رسمها الأطفال السوريون حجم تأثير الحرب عليهم؛ إذ بيَّنت دباباتٍ وجنوداً، وغيرها من مظاهر الأسى الذي لم ينسوه.

ولا بد هنا من علاج نفسي للصدمات إزاء تلك الظروف القاسية، وهناك العديد من الطرق التي يسلكها أفراد ومؤسسات في علاج الحالات النفسية؛ ومنها: العلاج باللعب، والرسم، أو برواية الحكايات.

ومن طرق علاج الأطفال وفق ما أفادت به الكثير من المنظمات الإنسانية والاجتماعية المختصة بعلاج أطفال الحرب: التركيز على الأطفال، وإعطاؤهم مساحةً أكبر من الوقت للتحدث معهم، وجعلهم يشعرون بالقرب منهم والحب.

ومن المهم تقبُّل ردود فعل الأطفال وجعلهم يعبرون عن مشاعرهم والاستماع إلى ما يعرفونه عن الحرب، مع لفت انتباههم إلى قدرتهم على التأقلم والرجوع للحياة الطبيعية من جديد، ويدعم ذلك توفير البيئة الصحية والحماية الكافية لهم، وإعادة دمجهم في المدارس وإنشاء النوادي التعليمية.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر الخليج اونلاين
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend