روسيا تغرق في الوحل السوري، والأطراف المستفيدة

الأيام السورية| فرات الشامي

تواجه “روسيا” على الساحة السورية أزماتٍ متعددة، تدفع للقول بأنها تكاد تغرق في الوحل السوري، ومن الطبيعي وجود أطراف مستفيدة، تتلاقى مصالحها وتتشابك، بالنتيجة، يبدو أن “المصيدة” نجحت لكن لخدمة من؟

الغرق الروسي يومياً في “الوحل السوري”، يصب بالنتيجة في مصلحة اللاعب الأهم في المنطقة “الأمريكان”.

بعيداً عن الكلام الدائر حول تبعية “القاعدة” لـ “سياسات وإملاءات خارجية”، وبغض النظر عن صحة تلك الادعاءات، فالواقع يثبت أنّ النظام السوري وضع في “النعش” ويتجه نحو حتفه الأخير، مقابل صراع شرس على تقاسم التركة والنفوذ، في منطقة جغرافية استراتيجية، تعتبر سياسياً وعسكرياً، بل واقتصادياً، مفتاحاً لامتلاك القوة في المنطقة. مع كونها خزان للثروات.

التطورات الميدانية والسياسية كانت تسير باتجاه تحويل الصراع إلى بعدٍ آخر، استفاد منه “الجهاديون”، الذين استطاعوا حشد لحشد “الطاقات الشبابية والمالية” بغية دعم “عملهم العسكري”، ضد “الأمريكان والروس”، والحليف الموجود على الأرض “إيران”. فكان أول الأطراف الرابحة من دخول الاحتلال الروسي، تلك المجموعات التي قدمت نفسها على أنها “مجاهدة” تريد إعادة بناء “الدولة الإسلامية”، مستفيدةً من ظروف أخرى هيئتها الوقائع التاريخية والسياسية.

بالمقابل، بقي المد الثوري يسير كما يقال –خطوة للأمام، خطوة للوراء-والزخم السابق لم يتغير، ويمكن الحديث بفتوره، الذي حركه مجدداً “الروس” والشعور لدى النخبة من الوطنيين أننا أمام حالة “احتلال” واضحة، ينبغي التحرك الفوري ضدها على المستوى السياسي والعسكري، وهذا يتفق مع توجهات “الجهاديين” في هذا الباب، ويلتقي معه بعيداً عن الإيديولوجيا التي يحملها الطرفان.

روسيا بالمفهوم العسكري تواجه حرب استنزاف أو حرب المستضعفين –كما يحلو لمنظري القاعدة تسميتها-بالمحصلة، موسكو داخلياً تواجه مأزق اقتصادي، أخلاقي، كما بدا أنها تحاول تفادي مزيد من الخسائر البشرية على الأرض السورية.

الغرق الروسي يومياً في “الوحل السوري”، يصب بالنتيجة في مصلحة اللاعب الأهم في المنطقة “الأمريكان”.

عموماً حرب العصابات زادت وتيرتها ومعها ارتفعت نسبة الخسائر في صفوف جيش “الاحتلال الروسي” وتزايدت خلال الأسابيع القليلة الماضية عمليات نوعية أدت لوقوع قتلى “روس”، معظمها سقط على أيدي مقاتلي تنظيم الدولة “داعش”، و”هيئة تحرير الشام”.

ما بعد “دير الزور” كان يفترض نهاية “تنظيم الدولة”، غير أنّ الواقع ينفي نهائياً تلك الفرضية، خاصةً بعد أن امتص “داعش” الصدمة التي أفقدته مساحاتٍ واسعة من الأراضي التي كانت تعتبر امتداداً لـ”نفوذه ودولته”.

تحول “داعش” من الدفاع إلى الهجوم سريعاً، ومباغتة “الروس” بعملية نوعية استهدفت “غرفة العمليات الروسية في دير الزور”، أدت لمقتل ضابط برتبة جنرال، كما ساهمت في عرقلة المخطط الروسي في المنطقة الشرقية، ومن جهةٍ أخرى قطعت صلاتهم مع ضباط النظام السوري في المنطقة، مما خلف هزة واختلال في صفوف قوات الجانبين، عمل تنظيم الدولة على الاستفادة منه، وسارع بتصعيد عملياته مستهدفاً “باصات ميلشيات الأسد العائدة من دير الزور باتجاه حمص”، بلغت خسائرها بحسب تقرير نشره المرصد السوري 58 قتيلاً على الأقل، من جنسيات سورية وغير سورية، إضافة لإصابة العشرات، نتيجة سلسلة من الهجمات الأخرى. التقرير ذاته تحدث عن وجود 7 قتلى من الروس في هجماتٍ مماثلة.

روسيا، باتت الضحية، تحت وقع ضربات “هيئة تحرير الشام” التي دخلت على “الخط الساخن” أيضاً، بعد فتح “جبهة حماة”، التي تأجلت وبقيت نتائجها غامضة على الأقل بالنسبة للغالبية. مع تسريبات في الشمال تحدثت عن اقتراب “مقاتلي الهيئة” من “غرفة عمليات روسيا” في ريف حماة، إلا أنها لم تنجح في ضربها.

لا يمكن الجزم بوجود علاقة بين تحرك التنظيم والهيئة باتجاه التصعيد، لكن الحديث عن “مزيد من استنزاف الروس” يتصاعد، بالموازاة مع النزيف المالي المتزايد. في وقتٍ يتم الحديث فيه أن “تكلفة العمليات العسكرية الروسية” قاربت الـ 33 مليار روبل، ((حوالي 478 مليون دولار))، بحسب تصريحات الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في بدايات العام 2016، في حين تشير دراسات أن التكلفة زادت على ذلك أضعافاً، ما يعني أن الموازنة الروسية تقترب من حافة الإرهاق، ولعل مثل هكذا تقارير تنعش الإرادة لدى مقاتلي “الهيئة” و”التنظيم” على حدٍّ سواء. “واشنطن” المتفرجة على “لحظات الغرق” تخفي سعادتها، ولا يخرج من مسؤوليها تصريحات بهذا الشأن.

دولياً، الرسالة واضحة -بغض الطرف عن مرسلها-فالحرب ما تزال مستمرة، لعل الجانب “الأمريكي” يستفيد منها، في كسر الإرادة الروسية، وإن بصورة تدريجية. لصالح خدمة أجندته في بسط نفوذه على المنطقة. ومع إحساس “موسكو” بالهزيمة أمام “واشنطن”؛ وجدت “الإدارة الروسية” نفسها مرغمة على سياسة “خفض التصعيد”، ليتبين مستقبلاً فشل تلك الاستراتيجية.

“موسكو” ما تزال تعوم في المستنقع، ولعلها لم تدرك بعد أنّ تورط جنودها وحضورها المباشر، يعني وضعها شعبياً في خانة “المحتل”، وهي ضمن ذلك القالب عملياً، الأمر ذاته يعتبر مقدمة لإنعاش الروح الثورية الوطنية، من الطبيعي أن يحول المعركة إلى مرحلة “حرب تحرير” بقيادة شعبية، قوامها “حرب العصابات” أو تبني فكرة “حرب المستضعفين” لاستنزاف “الاحتلال الروسي” وحلفائه.

الولايات المتحدة” اليوم تتلاقى مصالحها مع “الثورة، والجهاديين”، في توريط “الروس”، وهذه الأخيرة تدرك ذلك تماماً بدليل التلميحات الروسية التي اتهمت “أمريكا” بقتل “قائد غرفة عمليات دير الزور”، وهو برتبة جنرال. وإن كانت “موسكو” عادت لتنفي تورط “واشنطن”، إلا أن الواقع يشهد بالتباين بين الاستراتيجيتين الأمريكية والروسية بخصوص الملف السوري، وهذا بحد ذاته يعطي الفرصة للمستفيدين من تلك الخلافات في حال “القدرة على إدارة ذاك الخلاف”، ووضعه في خدمته.

“موسكو” ما تزال تعوم في المستنقع، ولعلها لم تدرك بعد أنّ تورط جنودها وحضورها المباشر، يعني وضعها شعبياً في خانة “المحتل”

التلاقي السابق في “إرادة إغراق الروس”، وإنهاكهم اقتصادياً وعسكرياً، يدفع للقول باستفادة “هيئة تحرير الشام”، وهي الفرصة التي اغتنمتها “الهيئة” لمواصلة عملياتها على الأرض.

وقعت “موسكو” ضحية “المصيدة” التي نصبت لها، يبقى أن نسأل إلى متى يقاوم الدب محاولاً الهرب، وهل من سبيلٍ له للنجاة…؟!

المصادر:

وكالة أنباء الحدث: مقتل قائد اللواء 61 التابع للبحرية الروسية متأثراً بإصابته بقصف تنظيم الدولة في دير الزور

المرصد السوري لحقوق الإنسان: أكثر من 58 قتيل من قوات النظام والمسلحين الموالين لها خلال سلسلة هجمات لتنظيم “الدولة الإسلامية” امتدت من غرب دير الزور إلى السخنة

rt عربية: الرئيس بوتين يكشف عن تكلفة العملية العسكرية في سوريا

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend