مواقع التواصل الاجتماعي… أزمة تواصل إنساني

نماذج كثيرة في حياتنا، وحكاياتٌ اجتماعية توحي بتفكك الروابط بين أفراد الأسرة ثم المجتمع، وتحوّل الصداقات إلى “نزوةٍ عابرة”. بين مواقع التواصل الاجتماعي وعلاقتها بأزمة التواصل الإنساني قصصٌ تدمي الفؤاد، لماذا الغياب؟

الأيام السورية؛ فرات الشامي

خلف الطاولة يدور الحوار، وحده الصمت وبعض ابتساماتٍ تنشأ بعد نظرةٍ خاطفة لا تكاد تطول، لم يرغب إلا بها، ولم يعنيها إلا عناق صدره في عتمة ليل، أما العناق فكان رغبة ما قبل الزواج… تبدد تدريجياً، أو ربما تلاشت تلك الحالة…!!

الجميع جلوسٌ على تلك الأريكة الفخمة، يلفّهم هدوءٌ قاتل… كأنما تشهد مراسم عزاء… لا شيء يكسر صمتهم إلا صوت كؤوس الشاي التي توضع على الطاولة، ثم بعض الكلمات كأنها همساتٌ بين اثنين، فعودةٌ إلى ذات المشهد.

أرهقهم التعب، يومٌ حافلٌ داخل أروقة الدوائر الحكومية، لا يوقف الإرهاق ذاك إلا استلقاءٌ إلى سريرٍ في غرفةٍ بلا ضوءٍ ولا ضوضاء… يدخلان معاً… تمسك به… وتدير وجهها إليه.

في المقهى، يجلسان في مواجهة النافذة المطلة على الطريق، يحركهما ألفاظٌ روتينية، حتى صوت النرد وأحجار رقعة الشطرنج لم تعد تتحرك… النرجيلة بلا دخان…!! حديثٌ بلا كلمات… مجرد “مسجات” يملأ المكان “صوتها”، فلا تعلم له مصدراً.

انشغالٌ واضح… علاقاتٌ شبه غامضة… في البيت، في العمل، بين الأقارب، كذلك الأصدقاء، الشيء الوحيد الذي ينطق بمشاعرهم بعض التغريدات أو البوستات، وبعض اللايكات/الإعجابات؛ التي توضع على الصفحات تقول: “مرّ فلانٌ وزار صفحتك”.

جميع العلاقات باتت محكومةً بتلك الصورة… جزرٌ منعزلة، ومشاعر مخفية، لمساتٌ فوضوية، دوافع غامضة، مع صورةٍ تشي بأنّ الصمت والبوح يحدّهما حدودٌ غريبة.

قديماً أسرتنا شاشة التلفاز، والفيديو، لكنها لم تخطف كامل الحضور الاجتماعي، في حين باتت “مواقع التواصل الاجتماعي”، رمزاً للقطيعة الإنسانية والشحناء، والتجاذبات، فالكل حاضرٌ غائب.

تعبُ ربِّ الأسرة لم يعد يزيله الجلوس إلى الأبناء، بل تستمر الحياة على منوال “خلينا نشوف شو في جديد ع الفيس بوك”…!!

حياةٌ بلا نكهة، بلا “تواصل” على عكس ما أراده “مارك”… إن أحسنا الظن به.

معانٍ كثيرة مغيّبة، للأسف كانت التكنولوجيا وظهور الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي الدور الأبرز في غيابها، وفي حالاتٍ صارت “مشاعرنا” مباحةً للأشخاص الافتراضيين، مكتومةً عن المقربين منّا، حتى وإن كانوا أولى بمعرفة تلك الأحاسيس.

الكل ينشط على “الفيس بوك” و”التويتر”، حاضرٌ في عالمه الافتراضي بأسماء وهمية أو حقيقية، لكن حضوره في المجتمع شبه معدوم…!!

حبيبتي… أمي… أبي… شريكي… يا قلبي… يا روحي… يا حياتي، معظمها عباراتٌ تقال على صفحات التواصل الاجتماعي لغرباء، وبين الغياب والغربة حكايةٌ عربية، تروي فصول تغريبةٍ جديدة عن “قيم مجتمعاتنا” التي نادت فيها الديانات “الإسلامية-المسيحية” بالتقارب والمحبة والتواصل.

استسلمنا لقيم “غربية”، ليست سيئة في مجتمعهم، أهدافها نبيلة، لكنها اعتقلت أفكارنا وقيّدت مشاعرنا وذهبت بنا بعيداً عن أحبتنا، للأسف!

سوء استخدام… ليس إلا.

بتنا “جثثاً تحرّكها الحاجة”… نأكل… نشرب… ننام، وبين ذلك كلّه “نبوح بما نريد، لكن على صفحات التواصل الاجتماعي”، كلامنا شكوى، وفرحتنا نكتةٌ عابرة… والفضفضة في غير مكانها… يهمنا كم حصلنا في اليوم الواحد على “اللايكات”.

قديماً أخذتنا مشاغل الحياة من بيوتنا، واليوم يسلبنا التقدم أعزّ ما نملك “التواصل الحقيقي وجهاً لوجه”، بل يسلبنا حتى “الخصومة وجهاً لوجه”…!!

خرسٌ زوجي، صمتٌ أسري، قطيعة في الزيارات الميدانية بين “الأصحاب”، بالمحصلة “جزرٌ منعزلة، تفصلها مسافاتٌ، وروابط اجتماعية تثارُ حولها التساؤلات…!!”.

الموبايل، اللاب توب، الإنترنت، بديلاً عن القمر في عتمة ليل أبوح له بمشاعري، خصومةٌ رومنسية مع الحياة.

سياسياً، وبغض النظر عن الكلام السابق، يحسب لوسائل التواصل الاجتماعي أنها كانت سبباً أساسياً أسهم بالربيع العربي، وأسقط معادلاتٍ ورموز، ولعل “الإنسان” اليوم قادر مجدداً على التدخل في وقف نزف القطيعة الإنسانية وضبطها، إن كانت دوافعنا تسير باتجاه تعميق “روابط التواصل بين أفراد المجتمع”.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend