جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

قصص من وحي الحرب (6)… انشقاق الارواح

الأيام السورية؛ سلوى عاصم

إنّه الهزيع الأوسط من الليل؛ موعد القلق وعدم قدرتي على غمض الجفون، الخوف من القادم المجهول.

تعب من حياة لا تبدو كالحياة، إنّها المرة الثالثة التي أصحو فيها وهو ينفث سيجارته ولم ينم بعد. يفكر بمصيرنا المرهون بلحظة انشقاقه.

ماذا سيحلّ بنا؟

حياتنا صعبة وقاسية، مرة كالعلقم! أنا وزوجي محمد وطفلاي زيد وعمر مع عمي البالغ من العمر قرابة السبعين عاماً وزوجته الثانية التي تزوجها بعد وفاة زوجته الأولى.

زوجي أكبر أخوته السبعة ولديه أختين في بيت صغير، ملأ الفقر كلّ زاوية من غرف المنزل الضيقة، يزيد وجود الخالة-زوجة الأب-فلا حنان ولا سلوى تنسينا ماحلّ بنا؛ بل على العكس تماماً شكّلت مع قصف طيران النظام الثنائي ما يوحي بعدم الاستقرار، ويزيد ذلك عدم تقبّلها لوجودنا في هذا البيت الذي بنته والدة زوجي (أم محمد). رحلت وتركت ذكرى حسنة في نفوس كل من عرفها، كانت أم الكرم والجود كما يطلق عليها بين جيرانها وأم الحنان والعطف بين أطفالها… رحلت ورحل معها كل شيء، مما جعل الحياة قاسية علينا أنا وعائلتي.

وما كان من زوجة الأب إلا أن طلبت مني بطريقة أو بأخرى؛ أن أذهب إلى دمشق وأحضر أثاث منزلي علّها تتخلص منا، ونجد بيتاً آخر بعيداً عنهم، كان الطلب أصعب من أن ينفذ؛ حيث أننا لا نملك ثمن لقمة العيش، أما زوجي ما زال عاطل عن العمل؛ لأنه مقيّد ضمن قريته الصغيرة الواقعة في وسط منطقة مازالت تحت سيطرة حواجز النظام الأسدي؛ صغيرة لا وجود للعمل فيها.

أطلّ الصبح بعد انهزام الليل على عجل، فأورقت في حنايا الروح أنشودة العمر بلا وجل، أخفي شحوب وجهي بأنامل مرتجفة؛ حزينة كدروب قريتي الثكلى.

قررت أن أحدّث زوجي بقرار ذهابي إلى دمشق، لأحضر أثاث منزلي وأوراقي المهمة؛ صرخ قائلا: “هذا مستحيل”.

قلت: وماذا عن خالتك وطلبها؟ قال: ولكن يا أم زيد أنك زوجة منشق. وإذا اكتشف النظام أمرك ستخسرين حياتك.

قلت: لا عليك يا زوجي؛ لعلّ الله يساعدني! لأنه أدرى بحالنا.

طأطأ رأسه وقال: إذاً لنبحث عمّن يرافقك علّي لا أخاف عليك كثيراً (رجل كبير أو امرأة).

كانت خطوة خطيرة وجريئة، ولكنّها ليست بأصعب من البقاء مع الخالة وعيشة الذل، رحت أطلب المرافقة من عمي (والد زوجي) كونه رجلاً مسناً، واحتمال الشك به على أنّه إرهابي حسب وصف النظام أقل من غيره بكثير، فلم يقبل مرافقتي، ورأيت الخوف بأطراف حديثه.

فما كان مني إلا أن ذهبت أرجو جارتنا أم أحمد البالغة من العمر قرابة الخمسين عاماً، وهي من منطقه تسمى قلعة المضيق التي تملؤها حواجز النظام.

إنّ لأم أحمد ولدين لا يزالان في خدمة النظام، وهذا مشجع آخر ليكون الطريق آمن، اتفقنا على أن تدّعي أنني زوجة ابنها في حال تمّ الاستجواب من الحواجز التي فاق عددها العشرات.

كانت أم أحمد رغم كلّ هذا مترددة وخائفة لأن بطش النظام لا يعرف مؤيداً أو معارضاً، لكنّ وفائها لصديقتها وجارتها أم زوجي -رحمها الله -دفعها لتردّ شيئاً من محبتها لها بتقديم المساعدة لنا.

اتصلت بسائق السيارة “أبو محمود” من القرية المجاورة (كفر سجنة) الذي كان شرطياً فيما مضى، وقد أصيب بحادث جعله يخرج عن الخدمة إلى التقاعد، وبحوزته ورقة من وزير الداخلية “بسام عبد المجيد” تقرّ بأنه قد ضحّى من أجله يوماً ما. لتكون تلك الورقة بمثابة وسيلة مساعدة للمرور على حواجز النظام.

وفي 1/7/2012اتصلت به أخبره بمكان منزلي المتواجد في دمشق -السيدة زينب -حجيرة -جامع السيدة فاطمة؛ فأجابني بدهشة كبيرة: ورفض رفضاً قاطعاً دخول تلك المنطقة حتى لو دفعت له ثمن سيارة بأكملها، رجوته كثيراً أن يسأل العناصر التي يتواصل معها عن تلك المنطقة، أبدى موافقته ولكن بشرط أن أعطيه ثلاثة أضعاف المبلغ الذي يأخذه في كل مرة.

فكرت كثيراً وقليلاً، من أين سأحضر هذا المبلغ؛ ونحن لا نملك إلا قوت يومنا؟ لم يكن بحوزتي يومها إلا قطعة صغيرة من الذهب؛ كانت قد أهدتني إياها أمي عندما تفوقت في الثانوية العامة، دفعت أغلى ما أملك -هدية بحجم وطن-ولكن لا خيار آخر، فهويتي ودفتر العائلة وشهادتي وكل ما يثبت وجودي ووجود زوجي وأولادي لازالت في الشام، بالإضافة إلى أثاث منزلٍ كاملٍ.

تواصلت مع السائق، وحدد موعد الانطلاق في صباح يوم السبت من شهر تموز عام 2012، وبدأت دقات قلبي بالتسارع خوفا من المكتوب، إلا أنني ارتديت عباءتي ورحت أودّع زوجي وفلذة كبدي زيد؛ والدموع تتساقط من قلبي قبل عيناي.

على الموعد التقينا في قرية السائق –كفرسجنة-المجاورة لقرية حيش المليئة بحواجز النظام، وفي الساعة الثامنة إلا ربع كان انطلاقنا على طريق الأوتوستراد باتجاه دمشق.

شعور لا أقدر على وصفه على الإطلاق … خوف من الحواجز والنظام، واحتمال الاعتقال والموت والتعذيب، إضافة لقصف الطائرات وصوت القذائف، ولا أنسى زوجي وولدي، ومن تركتهم خلفي، كل ذلك جعل قلبي كجمرة نار، وأنا تائهة حائرة لا أعرف ماذا يحل بي؟ فأندم على قراري لحظة، وأصبر قلبي تارة ولا مجال للتراجع.

وصلنا إلى خان شيخون، واقتربنا من الحواجز. دقات قلبي كادت أن تسمع وعلامات الخوف والشحوب بدت على وجهي، فما كان من أم أحمد إلا أن تقول توكلي على الله يا بنتي ولا تخافي، فإن بقيت على هذه الحال سيكتشف أمرنا.

وصلنا إلى الحاجز الأول، وتم إيقاف السيارة، واقترب الضابط المسؤول بملامحه المجرمة ورائحته الكريهة حاملاً في يده زجاجة من العرق! وأشار في إصبعه؛ أنت انزلي من السيارة……..يتبع.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend