جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

سبتمبر 2001: هل نجحت القاعدة أم انتصرت واشنطن؟

بعد ستة عشر عاماً من إعلان أمريكا الحرب على الإرهاب، هل انتصرت الترسانة العسكرية الأمريكية وحلفائها، أم أمسى الإرهاب أكثر وحشية وشراسة وازداد عدداً وعدة وجماعات؟

الأيام السورية؛ فرات الشامي

في مراجعة للمرحلة التاريخية التي سبقت تلك الأحداث على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي للكثير من الدول المعنية بالهجوم على “المواقع الأمريكية”، يمكن قراءة مقدمات برزت واستدعت حدوث تلك “العاصفة”، وأرخت لصدام جديد من الطراز العسكري بين المعسكر الغربي القوي حضارياً، والمعسكر المسلم الضعيف والمتعطش للعودة إلى مكانته السيادية، والذي شعر شارعه بالغبن والتآمر من الأطراف الدولية التي حاولت “ترسيخ حالة الضعف تلك”.

بدايةً يمكن مشاهدة حالة من الصراع بين الثقافة الحضارية الإسلامية والغربية كان ساحة النزال فيها الأرض الفكرية والثقافية، وهي حالة صحية، يمكن تلاقي الشعوب داخلها وخلق حالة من الحراك والتنافس لإنتاج نقطة انطلاق إنسانية تجمع الحضارات.

بالمقابل واجهت تلك الحالة «المركزية الغربية»، التي ادّعى أصحابها أنّ “الحضارة الغربية أسمى من كل الحضارات وأنها مصدر الأحكام المتعلقة بتأخر الشعوب أو تقدمها”. ليدخل الصراع طوراً من المبالغات العنصرية، رافقها حملة استعمارية على بعض الشعوب الإسلامية، والعربية تحديداً.

ولادة نظرة متشنجة -طبيعية-أمام الرغبات الغربية تلك، ولّد أرضاً خصبة للاحتقان في الشارع الإسلامي اتجاه “الغرب” عموماً، وخلق ما يسمى اليوم “الإرهاب الإسلامي”، الذي بدوره استند إلى شرعية استمدها من القرآن الكريم بدلالة الآية:

}وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ{ الأنفال:60، ليشهد العالم انقساماً جديداً بين مركزيتين هما «المركزية الغربية» يقابلها في الطرف الآخر «المركزية الإسلامية».

نظرياً يمكن ملاحقة عناصر التاريخ المكوّنة لولادة ذاك الانفجار العالمي، وإثارة تساؤلات عن شكل وبنية المجتمع الدولي بدايةً من العام 1990، حيث تشير الدراسات السياسية على توصيفها بأنها مرحلة «انفلات العالم»، واتجاه معاكس يرمي إلى «ضبط إيقاع الانفلات».

المرحلة التي تلت أحداث 11 سبتمبر 2001، تفرض علينا قراءة الخطاب السياسي الأمريكي، المعني الأول بالهجمة على سيادته، ليلفتنا إلى مضمون متشنج وشعارات أساسية بقيت حتى الوقت الراهن محل سير العمل الدبلوماسي الأمريكي في استقطاب وابتزاز العالم، من تلك المقولات «من ليس معنا فهو ضدنا»، ما يسمح لأمريكا بضرب “المحايد” بذريعة “حماية الإرهاب”، بعد تصريحات البيت الأبيض حينها بحق الولايات المتحدة المطلق في ضرب الدول التي تأوي الإرهابيين. بمعنى تقسيم العالم إلى معسكر موالي أو معادي لـ”واشنطن”، وبكلمة أخرى برزت “أمريكا” كإمبراطورية انتقلت من حالة هيمنة “القطب الأكبر” إلى “الهيمنة الشاملة”.

أمريكا ذهبت بعيداً في خطابها السياسي المائل إلى الاتجاه “العسكري” حين ادّعت أن حربها على الإرهاب سوف يستمر إلى زمنٍ بعيد. دون تحديد من هو المعني بتلك الحرب، وترك باب التوصيف مفتوحاً على مصراعيه، ليفهم أن المرحلة القادمة تعني زج المناوئين للسياسة الأمريكية تحت قالب “الإرهاب”.

الخطاب الأمريكي الجديد خلق حالة من عدم الاستقرار في النظام الدولي، تعداه إلى ضرب التوازن الاستراتيجي بين أطراف بعينها: (الهند –باكستان)، (روسيا -الولايات المتحدة)، (الصين -أمريكا). (العرب-أمريكا).

الصدام “الإسلامي-المسيحي” بدا أكثر وضوحاً مع تبني “جورج دبليو بوش” خطاباً سياسياً أعاد حالة العداء ضمن اللاشعور التاريخي بين “الإسلام والغرب”، عبر إطلاقه عبارة: ” Crusade/الحملة الصليبية” في معرض كلامه لوصف حربه على الإرهاب، والتي عاد ليتراجع عنها معتذراً.

العبارة السابقة أتت في غير مكانها، لكن تصريحات “بيرلسكوني” التي ادعى فيها «الحضارة الغربية أسمى من الحضارة الإسلامية «، حملت دلالات جديدة حول طبيعة الصراع، وتم تجيير الخطابين لصالح “فكر تنظيم القاعدة”، الذي بدوره حمل خطاباً معادياً بذات القوة بحيث استطاع تجييش الشباب لصالح الانخراط في حربه تلك.

يمكن التسليم هنا بأن العالم حقيقةً دخل فيما سمي بنظرية «صراع الحضارات» التي ابتدعها «هنتنجتون» في كتابه الشهير بنفس العنوان، والتي أشار إليها أحد كبار منظري تنظيم القاعدة “أبو مصعب السوري” في خطابه لمناصريه، والتي يمكن أن يبنى على كلامه حالة الاستقطاب لمؤيدي فكر “القاعدة”، بناءً على عملية قراءة من منظور “التنظيم” لتلك التصريحات والنظريات.

الطائرة تضرب برج التجارة العالمي (مصدر الصورة: قناة نينوى الغد الفضائية)

تداعيات الحرب الأمريكية على الإرهاب:

  1. تشير الدراسات أن تكلفة الحرب التي تقودها “الولايات المتحدة الأمريكية” تقدر وفقاً لأدنى التقديرات بنحو 6 تريليونات من الدولارات؛ بينما تقدرها مبادرة National Periorities المرشحة لجائزة نوبل للسلام إلى رقم قد يناهز 8 تريليونات دولار مع نهاية عام 2014.
  2. الرقم السابق تضاعف ما بين 30 -60 مرة عن تقديرات مدير المجلس الاقتصادي القومي في عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الذي قدر إجمالي تكلفة الحرب في حديث له لصحيفة وول ستريت جورنال قبل أسابيع من بدء الحرب بـ 100-200 مليار دولار على أقصى تقدير.
  3. فاقت حصيلة الحرب في أفغانستان الـ 20 ألف قتيلٍ مدني؛ بسبب الاشتباكات بين القوات الأفغانية وقوات التحالف من جهة، وهجمات الطائرات بدون طيار من جهة أخرى، بحسب تقارير الأمم المتحدة.
  4. إدارة البيت الأبيض ومنذ 11 أيلول/سبتمبر استثمرت خوف الأمريكيين وغضبهم، عبر بث خطاب إعلامي تحريضي، يعيد إلى أذهان الشارع هناك الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربر الأميركية عام 1941، واللعب على وتر “فقدان الإحساس بالأمان”. بالتزامن مع ذلك عمد الإعلام الأمريكي لاستحضار رسائل أخرى موازية لتلميع حربه ضد “الإرهاب” تعزف لحن الديمقراطية والحرية للشعوب والمجتمعات.
  5. بدا واضحاً بعد العام 2001 حدوث تحول في السياسة الأمريكية، أدى إلى إسقاط نظام حكم “طالبان” في أفغانستان باعتباره حركة “إرهابية” احتضنت تنظيم القاعدة، كذلك الحرب التي أسقطت نظام “صدام حسين” في العراق، لتبرز مشكلة معقدة ما تزال تلقي تبعاتها على العالم، متمثلةً بصعود “تنظيم الدولة الإسلامية”، أو ما بت يعرف اليوم باسم “داعش”.
  6. أمريكا وبعد إسقاط “حركة طالبان” لم تتمكن من إنهاء حالة “الإرهاب”، أو إنهاء الحركة بشكل نهائي، بل إن التقارير الصحفية الواردة من “أفغانستان” تشير إلى عدم حدوث الاستقرار المنشود في تلك المنطقة. بل يلاحظ ازدياد شوكة “القاعدة” مع الزمن، إضافةً لبروز “داعش” كمنافس للسيطرة على المنطقة أيضاً.
  7. معظم التحليلات والمعطيات تشير أن “الولايات المتحدة الأمريكية”، استغلت سياسياً هجمات 11 سبتمبر لتمرير مخططاتها في “الشرق الأوسط”، بالمقابل وجدت تهافتاً لاسترضائها من الزعامات العربية، التي انتهزت الفرصة لتثبيت “عروشها” عبر تقديم الولاء للأمريكان.
  8. الإدارة السيئة للحرب على الإرهاب من طرف “الأمريكان” الذي لاقى صمتاً دولياً؛ أبقى مفهوم “الإرهاب” يحمل معنىً “هلامياً”، كما أوجد “فزاعة” أقل ما يقال عنها أنها “وهمية”، إن كذبنا فرضية أن الإرهاب المتمثل اليوم بالحركات المتطرفة كـ”داعش” هي صنيعة أقبية المخابرات. هذه الحقيقة المرّة تعطي انطباعاً أن العالم يواجه حقبة جديدة، وحزمة من المتغيرات في الواقع الدولي.

بالمقابل يمكن القول بأن الهيبة الأمريكية انكسرت، إن سلمنا بنظرية “واشنطن” حول “الإرهاب” والتطرف “الإسلامي”. إذ كيف يمكن التصديق أن “عصابة” مؤلفة من بضعة أشخاص، تخترق أقوى تحصينات أمنية في العالم، بل كيف استطاعت تلك “العصابة” الصمود والاستمرار في حرب طويلة الأمد، أمام ترسانة عسكرية بحجم “أمريكا” والتحالف الدولي معها؟!!

مصدر الصورة: موجز نيوز

من المنتصر بعد أيلول/سبتمبر 2001؟

سؤال يستشرف المستقبل، لكن على المدى القريب، يمكن تحديد المنتصر من خلال فهم “تكتيك ونظرية تنظيم القاعدة” في حرب العصابات التي تبنته، من خلال قراءة في خطابات منظريها، من بينهم “أبو مصعب السوري”، الذي يرى بأن المرحلة كانت ناجحة في كشف اللثام عن عنجهية “واشنطن”، بل وفضح الوجه “الشيطاني” لتلك القوة المعادية، من وجهة نظره.

معظم منظري القاعدة بما فيهم “رأس الهرم” أسامة بن لادن، يعتقدون أنهم وبعد “غزوتهم تلك” تمكنوا من جر “الولايات المتحدة” إلى حرب وصدام مباشر على أرضٍ يمتلكون فيها القوة، بدل استخدام “الأمريكان” جنوداً بالوكالة للقتال ضمن إطار مصالحه.

الصدام المباشر أبرز قوة أمريكا وترسانتها العسكرية، لكنه بالمقابل خرج خائباً، فمن ولادة ما يسمونه “إرهاب القاعدة” إلى الخروج من “رحم القاعدة” بولادة مشوهة تحت مسمى “تنظيم الدولة داعش”، دون القضاء على الإرهاب وتجفيف منابعه إن جازت التسمية.

عموماً، أمريكا أخفت خيبتها الأمنية وراء خلق “حرب مجهولة النهاية، مجهولة الأطراف”، وهذا ما يشير إليه تقرير فرنسي نشر على موقع «بي فولتر» للكاتب الصحفي كريستوف سيرفان الفرنسي جاء فيه: ((يبدو أن أميركا أخفت حقائق كثيرة عن الأميركيين وعن العالم. أكثر من هجوم في وقت واحد، غياب أمني شبه كلي، عدم صد أي من الهجمات ونجاح في إصابة كل الأهداف في أقوى دولة في العالم، والمتهمين عدد قليل من العرب)). التقرير نوه أيضاً أن: ((ملايين من الأميركيين لا يؤمنون برواية الحكومة الأميركية)).

ووفقاً لآخر استطلاع لصحيفة «نيويورك تايمز» و «سي بي إس نيوز» أجري في أكتوبر 2006، فإن 16% فقط من الأميركيين يعتقدون أن الإدارة الأميركية في عهد بوش الابن قالت الحقيقة حول هجمات 11 سبتمبر، و53% يعتقدون أن الحكومة تخفي شيئاً، و29 % ممن استطلع رأيهم عموما يعتقدون ان الرواية الرسمية هي خرافة.

معظم ما ذكر سابقاً من أرقام يفند انتصار السياسة الأمريكية، لكنه بالمقابل لا يعني بشكلٍ من الأشكال نجاح “تنظيم القاعدة” بالمطلق، إنها لعبة ومغامرة غير محمودة الجانب، أدت بالنهاية إلى بروز عداء أكثر وضوحاً اتجاه المسلمين والعرب خصوصاً.

ظلت عبارة “إرهاب” شماعة تعلق عليها دول الغرب خيباتها، بعد أن تحولت من حالة الصراع الفكري-الثقافي إلى الصدام العسكري، الذي لا يمكن التكهن بتاريخ نهايته، «فما تحمله العقول لا يمكن أن تزيله حروب الشوارع».

 المصادر:

كتاب دعوة المقاومة الإسلامية العالية: أبو مصعب السوري
ساسة بوست: 10 حقائق حول الحرب على أفغانستان لا يريدك أوباما أن تعرفها
الجزيرة: الحرب على “الإرهاب” وصناعته بعد 11 سبتمبر

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر صحيفة الاتحاد: 11 سبتمبر وبنية النظام العالمي الرأي: 11 سبتمبر... هل أخفى بوش الحقيقة؟ النظريات الست للشيخ أبو مصعب السوري
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend