اغتصاب وطن (3)

سوريا مابين استلام بشار الأسد السلطة والثورة السورية

الأيام السورية؛ داريا الحسين

بشار الأسد:

عندما توفي حافظ الأسد كان عمر ابنه بشار 34 عاماً وحينها فصل الدستور خلال ساعات ليناسب مقاسه، وعدلت فقرة من الدستور التي تخص العمر ليتمكن من الحكم، كان الحد الأدنى لعمر الرئيس 40 عاماً عدل إلى 34 عاماً، ورُفِّع إلى رتبة فريق بشكل سريع وذلك بموجب مرسوم تشريعي، ليتم تمكينه من قيادة الجيش والقوات المسلحة، ثم عينه الرئيس المؤقت عبد الحليم خدام قائداً للجيش والقوات المسلحة في اليوم التالي.

في 27 حزيران/يونيو 2000 انتخب أميناً قطرياً لحزب البعث بالقطر العربي السوري، حسب المصطلحات المستخدمة في المؤتمر القطري التاسع ل حزب البعث العربي الاشتراكي.

أجرى استفتاء كمرشح وحيد ليصبح رئيساً للجمهورية في 10/ تموز يوليو 2000.

بشار الأسد أمام مجلس الشعب بعد أدائه القسم رئيساً للجمهورية 17- 07 – 2000 (يوتيوب)

أطلق بشار الأسد وعود جميلة أول استلامه للحكم فتحدث عن أخطاء الماضي ونيته في التحديث والتطوير وأطلق الحريات السياسية، وتم لجم أجهزة الأمن لفترة وأعلنت عن المصالحة مع أطياف المجتمع مما سمي ربيع دمشق لكن مرحلة الانفتاح السياسي سرعان ما انتهت باعتقال أغلب رموز ربيع دمشق أو هربهم خارج البلاد.

في 2001 شهدت السويداء احتجاجات ضد النظام، وفي 2004 شهدت الحسكة والقامشلي تحركات شعبية قوامها الرئيسي أكراد سورية؛ وتولى الجيش قمع كلا التحركين، بالأسلحة الثقيلة.

خلال مؤتمر حزب البعث لعام 2005 تقرر رفع حالة الطوارئ وإقرار التعددية السياسية، غير أنّ أحداً من هذه البنود لم يتحقق، وبعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، قام معارضون سوريون بإطلاق «إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي»؛ شهدت الفترة ذاتها، غياب عدد من أركان النظام الفاعلين على مدى العقود السابقة عن الواجهة كعبد الحليم خدام، وغازي كنعان، ومصطفى طلاس.

الواقع السياسي:

استمر بشار الأسد طيلة فترة حكمه متبعاً لسياسة والده، وعمل على خطاه بقمع الحركات المعارضة، وتسلط العائلة الحاكمة وأقاربها على مفاصل حساسة، وحالة الطوارئ، واعتقال رموز المعارضة، وتسلط الأجهزة الأمنية، والرقابة المسبقة على الاتصالات، واحتكار الإعلام، وغياب معارضة سياسيّة على الأرض وفي المؤسسات، ومنع التظاهر، والقيود على إنشاء الأحزاب والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، فضلاً عن الاعتقال التعسفي، والمحاكمات العسكريّة، وملف المعتقلين السياسيين، وبشكل عام من ناحية حقوق الإنسان، صنفت “هيومن رايتس ووتش” سورية بأنها في المركز 154 عالمياً.

وفي عام 2011 قام نظام الأسد بإطلاق النار واعتقال متظاهرين خرجوا للمطالبة بالأفراج عن أطفال اعتقلوا وعذبوا في مبنى المخابرات في درعا، بعد أن كتبوا عبارات ضد النظام على جدران مدرستهم، فكان الفتيل الذي أشعل موجة الثورة في ذلك العام، ولتتدرج الثورة من المطالبة بالإصلاح إلى المطالبة بإسقاط النظام ومن السلمية إلى العمل المسلح، بعد أن قام نظام الأسد بقتل المتظاهرين بالرصاص الحي، ثم قام بقصف المدنيين بالطائرات والدبابات وتدمير كل شبر من الأراضي السورية.

الواقع الاقتصادي النفط والثروات:

منذ أيام حافظ الأسد جعل منافذ سورية الاقتصادية حكراً له ولأتباعه من النفط للفوسفات للشراكات الاقتصادية مع مهران خواندة والنحاس والشلاح، وكانت تروج نشاطات التهريب عبر الشبيحة وقوافلهم؛ بسبب النهج السياسي للأسد والذي فرض حصاراً ذاتياً على سورية بتطبيقه للنموذج الشيوعي وعداوة الغرب، لكن كان هناك حد أدنى لدخل المواطن ومعيشته فرضتها طروحات الاشتراكية المعلنة في البلد.

لكن نهج بشار الأسد للاتجاه نحو السياسة الرأسمالية بالتدريج كما سماها سياسة الاقتصاد الاجتماعي والرامية إلى خصخصة مؤسسات الدولة وجلب الاستثمارات الأجنبية لكن ما أنجز كان فقط تحول المافيات التابعة له لأسرته على مفاصل القطاع العام وزيادة احتكار قطاعات الدولة، كالاتصالات والأسواق الحرة عبر أسرة مخلوف زوج خالته وأبنائه، والمقاولات الهامة في سورية عبر شركات خاله ذو الهمة شاليش؛ مما سبب انتشار الفقر والفساد بنسب عالية جداً على مستوى العالم.

فتعمق الفساد الاقتصادي أكثر من أيام حافظ الأسد إذ توسعت الشراكات لتسيطر على كل مفاصل البلد ليشارك ماهر الأسر حمشو في شركاته وحميشو في صناعة واستيراد السيارات الإيرانية وغيرها. وهناك مخطط يوضح الشراكات الاقتصادية للأسد وكيف أنها شملت أهم مناحي سورية الاقتصادية.

عانى المجتمع أيضاً من فجوة اقتصادية كبيرة للغاية بين الطبقة الوسطى والطبقة الغنية، على سبيل المثال فإنه وبعد السماح للقطاع الخاص الاستثمار في مجال التعليم وتأسيس مدارس خاصة، فإن رسوم التسجيل في هذه المدارس بلغ 4600 دولاراً أي ما يعادل نصيب أربع  مواطنين من حصة الفرد في الناتج المحلي الإجمالي، الذي قدر و«بإحصائيات متفائلة» بحوالي 1200 دولارًا للفرد. وكانت الحكومة قد وضعت ضمن أهدافها في «الخطة الخمسية الحادية عشر» تخفيف حدة الفقر والفروقات بين طبقات المجتمع، غير أن ما أعاق أي عملية تنمية هو الفساد.

في العام الذي سبق الثورة أي 2010 كان ما كشف من حالات الفساد يكلف الدولة 100 مليون ليرة يومياً، وقد احتلت سورية سنتها المركز 127 عالمياً من حيث الشفافية وعدم انتشار الفساد.

يضاف إلى جميع ما سبق، غياب الشفافية، فبينما قالت حكومة عطري أن نسبة النمو بلغت 77% كشف لاحقاً أنها لم تتجاوز 3.5%.

يعزز ذلك غياب الرقابة تزاوج السلطة والمال، فضلاً عن المجهود الحربي الضخم، إذ إن حصة وزارة الدفاع تبلغ 300% من حجم موازنة الدولة السورية يضاف إليها 6% من الدخل القومي و6% من واردات الدولة.

ومما سبق نستنتج أن حافظ الأسد عمل فعلياً على ترسيخ بقاء حكمه حتى في “قبره” وصولاً إلى وريثه “بشار”، وأنّ سورية عاشت أكثر الفترات التاريخية ظلماً وغياباً لمفهوم “الدولة الديمقراطية”، بل تعطل العمل الديمقراطي، وعطل الدستور الذي بدا أنه “لعبة” بيد “عصابة، حتى الحرب التي أدخلت بها قوات الجيش انتهت إلى توقف وجمود وظلت الجولان رهينة لدى الصهاينة الذين دفعوا ثمنها بقاء الأسد كما تؤكد بعض الشهادات على ذلك.

من 8 آذار حتى 16 تشرين الثاني، إلى ما قبل 15 آذار بيوم حقبة تاريخية لا يمكن الوقوف عندها إلا بدهشة حيث أبرز سماتها غياب “العدل” وتدهور في وضع حزب البعث نفسه ليصل الحال إلى حكم “الفرد” وترسيخ مفهوم القائد الملهم.

سورية خارج التاريخ:

في عهد الأسدين هاجرت العقول المبدعة بكل المجالات العلمية والسياسية والفكرية والرأسماليين والصناعيين الحقيقيين؛ بسبب جو البطش والفساد والإرهاب الذي فرضه هؤلاء الانقلابيين على سورية التاريخ؛ فتحولت من منتجة للحضارة إلى مقبرة للحضارة مليئة بالفقر والفساد والخوف فكان المواطن يقضي بقية عمره إن نطق بكلمة أو نظر نظرة لا تعجب النظام.

حاول بعض الفنانون كياسر العظمة وهمام وحوت تصوير الحال السوري، حيت يعتقل المواطن لأنه حلم حلماً ما، وكيف يسيطر المسؤولون الأمنيون وغيرهم على المواطنين بشكل رمزي ضمن الهوامش المتاحة كصمام تنفيس للاحتقان الشعبي العارم السائد بين المواطنين.

وحدة حرية اشتراكية:

كان هذا شعار حزب البعث فماذا حقق منه:

الوحدة: لم تتم بين البلدين الذين حكمهما حزب البعث.

الحرية: فقد قتل مئات آلاف المواطنين في البلدين بسجون النظامين وآلات قتلهما، وصارت المطالبة بالحرية هي أبشع تهمة في عهد بشار الأسد

الاشتراكية: نتج عن هذا أن الاشتراكيين الجدد كما وصفهم باتريك سيل قد أصبحوا يرفلون بالمليارات ويعيشون وكأنهم ولدوا في لندن وباريس.

باختصار، سورية خرجت من التاريخ إن صحت العبارة، وكانت عملياً هي ذاتها “حافظ الأسد” بكل مفاهيمه وعقيدته التي فرضها على الشارع، فكانت “سورية الأسد” نتاج فوضوية من قام بانقلابٍ أول مرة، وترسخ بانقلاب البعث في 8 آذار 1963.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر هيومن رايتس ووتش مركز كارنيغي للشرق الأوسط ويكيبيديا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend