جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

خَدَرُ النَّازِفين

في الوقت الذي أغلق فيه الأقصى كانت كبرى الفصائل في سوريا تخوض الاقتتال الأعنف؛ الذي انحسرت من بعده حركة “أحرار الشام” على يد “هيئة تحرير الشام” وشهدت الساحة تغييراً جذرياً.
لم نجد بواكٍ للأقصى حينها، فهل كان ذلك خَدَراً أم خذلاناً؟

عفاف جقمور خاص الايام

أُغلقت بوّابات الأقصى مكرِّرةً فاجعةَ الأمّة حين تمّ حرقه قبل خمسين سنة ..

رابطَ أصحاب الحق ..

ضُيّق عليهم ..

سقط شُهداء ..

فُتحت البوّابات ..

تراجع الأعداء ..

أحداثٌ متسارعة مؤلمة ..

لكنّني لم أتألم ..

لم أكتب ..

لم أشعر ..

ما آلمني حقاً حيال تلك الأحداث: عدم شعوري بالنّازل الذي حلّ بنا ..

وجومٌ كما الموت .. وصمتٌ مطبقٌ كالليل في اشتداد ظلمته ..

لا شعور ولا ذهول كذاك الذي داهمنا أطفالاً مع كلّ صورةٍ تربَّعت القبَّة الذهبيَّة في منتصفِها تحرُسُها أضلاعٌ ثمانية ..

صورة علوية لمنطقة الأقصى داخلها مسجدي قبة الصخرة والقبلي المصدر: موقع الجزيرة نت

تلوح في ذاكرتي الطفوليّة: صورة مطويّة بعناية أرفقت بمجلّةٍ بعد أحداثٍ كهذه؛ وضعناها في إطارٍ ارتكزت منتصف الجدار حيناً من الزمن، كنت أعتقد أنّ ذلك البناء هو القدس، وأنّ القدس هي الأقصى، لم أعلم الرابط بينهما آنذاك سوى أن تلك القبّة جمعت بين هذين الاسمين.

ازددت ذهولاً حين علمتُ أنّ القدس مدينة؛ وأنّ الأقصى منطقة داخلها محاطةٌ بسور يتوسّطة المسجد ذو القبة الذهبية، يتوارى خلفه مسجد آخر “القبليّ” الشهير ذو القبّة الرّصاصية والجدران المتعبة.

ما آلمني اليوم حقاً مزاعمي بحبِّهما وتغنّيَّ بأهازيجهما طفلةً فلا أدري أحفظتُها أم حفظَتْني حينها!

أغنية للأطفال عن القدس نشرت عام 2002 الموقع يوتيوب “قناة سنا”

قالت ليلى في همسِ

انطلقي نحو القدسِ

ولقريتنا لا تنسي

أن تحكي عن أسراري

أفكارٌ متناحرةٌ انجلت مع كلّ حدثٍ أثخن في القدس قبلةَ الأمة الأولى؛ وكلُّ حجرٍ أعمى عيون المستوطنين كان يزيد من بصيرتي، كنتُ أعتقد أن أهواءً مختلفةً سحرت أعينَ الناس، ووحدّها القدس تلقفُ ما يأفِكون.

نشأت واضعةً أحلامي رهن “الأمّة” مرددة أهازيج الماضي، والقلب والفكر يستقي من معانيها، اقتُحِم ذلك الحرز المقدس واقعاً ومعنىً وهدفاً، ولا أدري ما الذي حلّ بي حينها أهو وجوم الموت أم ضجيجه؟

ثمّة جرحٌ غائرٌ منعني من التّفكير .

ثمّة نزفٌ خارت به قواي ..

ثمّة خناجرٌ في الخاصرة منعتني من رؤية ما حولي ..

ثمّة ألمٌ آخر وهمٌّ آخر ..

ثمّة حلمٌ .. وظلمٌ يداهمه ..

ثمّة تردّدٌ جاثم على شفاهي يراجعُني بجوازِ التأوُّه وحرمانيّة الآه المفجوعة!

ثمّة توقيتٌ يتواطأ مع الألم بقصدٍ أو دونه؛ جعلت العدوّ يقتحم أبرز المقدّسات في الوقت الذي كانت كبرى الفصائل المسلّحة المعارضة لنظام الظلم تخوض الاقتتال الأعنف والأكثر دمويّةً فيما بينها في المناطق المحرّرة من سوريا؛ وإن كان لفظ “الاقتتال” يوازي بين الباغي والمَبغي عليه!

مقاتلي الفصائل في إدلب بعد إحدى المعارك مصدر الصورة: المرصد السوري لحقوق الإنسان

كانت أيادٍ سوداء تدقّ أسافينها في نعش ثورتنا؛ ذلك الجنين الذي حملناه وهناً على وهن في سبعٍ عجاف، وما يزال فرعون يحاصره في قلوبنا، ويأمر بقتله قبل مولده لحلمٍ رآه ينزع منه سلطانه فيه.

لم نشعر بآلامك كما الجسد الواحد، أعملَ الظّالمون خناجرهم فينا وتركونا ننزف؛ كان ذلك خَدَرُنا وخِذلانك .

أما وقد امتلأَت أرض الشام بالجراح، وسُقِي زيتُونها بالدّماء،

أتلتمس أيقونة الطّفولة لي العُذر بعد أن خذلتُها ألماً؟

أم يلتمس حلميَ الثوريّ العُذر بعد أن خذلتُه في الوصول إليه؟

وهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ضعفنا ووهننا؟

وهل لجراحنا أملٌ فنُشفى سويّةً أم سنهلَكُ دونها؟

(ويقولون متى قُل عسى أن يكون قريباً)

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend