ائتلاف غير مؤتلف

علي العبدالله
لإدراك طبيعة المأزق الذي يواجهه الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة والدور الذي يمكن ان تلعبه عملية التوسعة مستقبلا لابد من العودة إلى البدايات إلى الكيفية التي شكل بها الائتلاف العتيد والتعرف على خلفيات وأدوار الأطراف المحلية والعربية والدولية في العملية. فقد بدأت عملية التشكيل بعد مؤتمر المعارضة في القاهرة (2-3/7/2012) عبر مطالبة السفير الأمريكي روبرت فورد بتشكيل لجنة متابعة واتصال من القوى التي حضرت المؤتمر بدعوى تسويق الاتفاق والوثائق التي نجمت عنه. رفض المجلس الوطني الفكرة في ضوء قراءته لها: تشكيل بديل له على خلفية عدم نجاحه في كسب مباركة السفير الأمريكي الذي ناصبه العداء منذ لحظة تشكيله، كان السفير يؤيد الحوار مع النظام على حل وسط، وتملص من أي التزام إزاءها.
تكررت المحاولة في ندوة عقدها معهد بروكينغز فرع الدوحة في القاهرة يوم (1/8/2012) تحت عنوان “المرحلة الانتقالية” حيث طرحت فكرة تشكيل لجنة المتابعة والاتصال مجدداً. حاول وفد المجلس الوطني التملص ثانية إلا أن ضغوط السفراء الأجانب، وخاصة الأمريكي، كسرت وحدة الموقف داخل وفد “المجلس” وأوقعت خلافاً بين أعضائه حيث أيد الفكرة عضو من أعضائه هو الأستاذ انس العبدة الذي كلف بوضع تصورً للجنة فوضعها على أن تكون حصة المجلس فيها (3 من 21 عضواً). غير أن المكتب التنفيذي للمجلس رفض الاتفاق، ورفض، رغم ضغوط السفير الأمريكي، تسمية أعضائه إلى اللجنة.
أخذت فكرة تشكيل بديل للمجلس الوطني شكلاً آخر، تشكيل هيئة مصغرة من 35 عضواً تحت عنوان “الممثل الشرعي الوحيد” تشكل “حكومة مؤقتة”، حمل لواء الدعوة إليها بدفع فرنسي أمريكي السيد رياض سيف، ولجنة حكماء من 15 شخصية معارضة تتفق فيما بينها على مرشح لرئاسة الحكومة حمل لواء الدعوة إلى تشكيلها بدفع قطري الدكتور برهان غليون. اشتبك الطرفان لفترة وجرت حملات تشهير بينهما قبل أن تطرح قطر حلاً وسطا يرضي الجميع: تشكيل هيئة مصغرة تشكل بدورها حكومة مؤقتة، وتشكل بالتوازي لجنة حكماء من خارجهما مهمتها فض الاشتباك بينهما فيما لو اختلفا، قبل أن ترجح كفة السيد رياض سيف وداعميه فتسقط لجنة الحكماء وتبقى صيغة المجلس الوطني المصغر والحكومة المؤقتة، وتأخذ اسماً جديداً هو: “هيئة المبادرة الوطنية السورية”. سعى السيد رياض سيف إلى تسويق الصيغة داخل المجلس الوطني لكن محاولاته باءت بالفشل فقد جاء التصويت عليها بالرفض في اجتماعَي الامانة العامة للمجلس الوطني السوري في اسطنبول والدوحة.
مع توجه المجلس الوطني إلى عقد مؤتمر الهيئة العامة لتنفيذ برنامج إعادة الهيكلة بضم مكونات جديدة وإجراء انتخابات، عرضت قطر استضافة المؤتمر وتحمل نفقاته، وبعد الاتفاق طرحت على المجلس فكرة المشاركة في لقاء لإقرار صيغة “هيئة المبادرة الوطنية السورية”، فلم يستطع المجلس التملص وقبل لكن على أن يُعتبر اللقاء تشاورياً. عقد الوفد الأمريكي إلى اللقاء، المكون من السفير فورد ونائبة وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط السيدة جونز ومسؤول قسم المساعدات الإنسانية فيها السيد تايلر، اجتماعاً مطولاً مع المكتب التنفيذي للمجلس الوطني، وضغط عليه بشدة للقبول بالصيغة والمشاركة فيها، ترافق الاجتماع مع تحرك موازٍ بالضغط على أعضاء المكتب التنفيذي بشكل فردي من جهة وطرح السيد رياض سيف الموضوع وبإلحاح على مؤتمر الهيئة العامة للمجلس الوطني لمناقشته والتصويت عليه من جهة ثانية(عُقدت جلسة خاصة لمناقشة الفكرة حضرها بحدود نصف عدد أعضاء الهيئة، نحو من مئتي عضو، وكانت النتيجة رفض الفكرة بعد نقاش حاد تعرض فيه السيد رياض سيف لانتقادات حادة وظهرت حججه ضعيفة ومتهافتة)، رفض المكتب التنفيذي طلب الوفد الأمريكي وأصر على الطابع التشاوري للقاء.
تعرض أعضاء المكتب التنفيذي للمجلس إلى ضغوط شديدة من وزراء الخارجية الذين حضروا اللقاء، شارك في اللقاء أكثر من خمسة وزراء خارجية وعشرة سفراء، ومن الدولة المضيفة(قطر)، وقاطع عدد من أعضائه مؤتمر الهيئة العامة، وامتنع آخرون عن الترشيح في انتخاباتها كنوع من الضغط.
أحدثت الضغوط مفعولها فشارك المجلس في العملية مُكرها لكن بعد ان حصن موقفه باشتراط تبني “الهيئة” الوليدة رؤية سياسية محددة ترتبط بمطالب الثوار: إسقاط النظام، رفض الحوار معه، ربط تشكيل حكومة مؤقتة باعتراف دولي بالهيئة قبل أن يتم استبدال اسم”الائتلاف” بـ”الهيئة”.
قادت الولادة القسرية للائتلاف إلى قيام كيان هجين مكون من قوى ليست متوافقة وليس بينها تناغم أو تفاعل ما أدى إلى التكتل والتخندق والمناكفة، والى انعدام التنسيق بين المكونات وحجب المعلومات والاستقواء على بعضها بدول داعمة ورهن موقفها للخارج، وهذا مع الفردية والشللية وغياب التخطيط والارتجال واعتماد سياسة رد الفعل شكل مجازفة بمصير الثورة والشعب السوريين.
ما الذي يمكن استنتاجه من هذه المناورات والتكتيكات، وهل كانت تركيبة المجلس الوطني السوري وضعف أدائه وراء إنشاء الائتلاف أم أن لذلك أسبابا أخرى أعمق، خاصة وأن تركيبة الائتلاف تكاد تكون صورة عن المجلس مع تغيير في الوجوه، أما أداؤه فأكثر سوءاً. يمكن اعتبار الصراع بين الدول على الهيمنة على المعارضة أساس السعي لضرب “المجلس”، فالدفع باتجاه استقطابه سبق السعي لإقامة بديل له، فرنسا سعت عبر الدكتور برهان غليون والدكتورة بسمة قضماني لنقل مقره إلى باريس، قطر سعت إلى ذلك عبر الدكتور برهان غليون بعد أن نقل ولاءه إليها في ضوء هبوط أسهمه في فرنسا، السعودية لم تنفتح عليه لوجوده في تركيا وللدور الذي يلعبه الإخوان المسلمون فيه. أما أمريكا، وخاصة سفيرها فورد، فكان موقفها سياسياً أكثر منه صراعاً على النفوذ فيه، إنها ضد مشروع المجلس الوطني السياسي وخاصة قضية إسقاط النظام لاعتبارات إسرائيلية أساساً. وهنا لابد أن نشير إلى أن المجلس أعطى خصومه أسلحة لضربه عبر الأداء البائس، خاصة في فترة رئاسة الدكتور برهان غليون له والتي امتدت لسبعة أشهر مفصلية اتسمت بالفردية العالية والتجريبية والتخبط( هناك حديث متداول عن ترشيحه لرئاسة الائتلاف يبدو ان الذين يقفون وراء الترشيح لم يسمعوا بالمثل الشعبي القائل: إلي يجرب لمجرب عقل مخرب)، زادها سوءاً ارتياح الإخوان المسلمين لذلك لأنه سمح لهم بالسيطرة على مكتب الإغاثة والتصرف بأموال التبرعات والدعم لخدمة مشروعهم الخاص في شراء ولاء قوى سياسية وعسكرية في الثورة.
على هذه الخلفية عقد الائتلاف اجتماع هيئته العامة الأخيرة في اسطنبول، في ظل تعمق الخلافات بين مكوناته، كي يجدد قيادته وهو تحت ضغوط خارجية، سعودية بشكل خاص، لإجراء توسعة يتم بموجبها إضافة 25 عضواً من الديمقراطيين والعلمانيين والنساء(كتلة الجربا كيلو)، والمحزن في الأمر أن الدعوة إلى التوسعة تمت تحت شعار موازنة الصوت “الإخواني” في الائتلاف، أي إن الهدف ليس تعزيز الائتلاف وتمتين وحدته الداخلية وتقويته كي يتحسن أداؤه وينجح في مهمته الصعبة بل خوض صراع سياسي داخله لحسابات عقائدية ومصالح دول ليست أهدافها متفقة بالضرورة مع أهداف الثورة، بمرشحين ليس من بينهم شخصيات فاعلة أو وازنة في الثورة، وتكليف رئيس جديد للحكومة المؤقتة يخلف هيتو المرفوض سعوديا باعتباره صنيعة قطر، ويحدد موقفه من الدعوة الأمريكية الروسية لعقد مؤتمر جنيف2.
لقد ادخل الائتلاف المتابعين لصراع الأفيال في حالة ضياع نتيجة للأخبار المتضاربة وصيغ الاتفاقات والتراجع عنها بسرعة لاتجارى، والمواطنين في حالة غضب وحنق كبيرين نتيجة لغياب الإحساس بالمسؤولية والاستهتار بالدم المسفوك ودمار حياة المواطنين على أيدي النظام وحلفائه الروس والإيرانيين وأتباعهم( حزب الله وعصائب أهل الحق والحوثيين …الخ)، وللدوافع الشخصية وراء المواقف والمقايضات. صحيح أن اتفاقا تم على توسعة الهيئة العامة لكنها لم تنه الإشكال لأنها لم تنل رضا قوى سياسية وشخصيات مستقلة من جهة، ولأنها كرست سياسة الابتزاز والتوافق تحت الضغط من جهة ثانية. المهم أن ملف التوسعة قد أغلق، وان دون اتضاح مدى نجاح العملية ومترتباتها، وبقي أمام الائتلاف قضايا أكثر تعقيدا( انتخاب قيادة جديدة في ضوء التوازن الداخلي الذي ترتب على عملية التوسعة) وأخرى أكثر أهمية وخطورة( الموقف من الدعوة الى المشاركة في مؤتمر جنيف2) والخشية أن تعيد معالجتها إثارة الصراعات والخلافات لأنه ليس هناك اتفاق بين المكونات القديمة والجديدة على حل من جهة ولان مكونات الائتلاف لم ترتق في علاقاتها البينية وفي أساليب معالجتها للقضايا إلى مستوى اللحظة السياسية ومستدعياتها من جهة ثانية.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend