جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

الثورة مستمرة ..  

بعد سبع سنوات ونيّف وأكثر من ألفِ ألف شهيد ما تزال الثورة مستمرة، هل تعمل النخب الثوريّة على إيجاد مشاريع بديلة عن نظام الظلم؛ الذي ثار الشعب عليه؟

الأيام السورية| عفاف جقمور

على أحد الحواجز العسكريّة صعد ضابطٌ مرتدياً قميصاً مدنياً وبنطالاً عسكرياً، تغوص في وجهه عينين ضيقتين، تلا علينا داخل الحافلة التي تقلنا خطبةً فحواها: أنّهم يدافعون عن البلد، وليس عن الأسد بدليل أنّ هناك في صفوف الجيش من لا يحبه على الإطلاق؛ مؤكداً أنّ لا مشكلة في الحديث عن الأسد بسوءٍ داخل أيّ قطعة عسكريّة، إذ أنّ ذلك يُعتبر رأياً شخصياً فحسب!

بغضّ النظر عن مصداقية هذا الكلام، لكن طرح هذه الأفكار من حاجز عسكري أدهشني؛ إذ رأيت به تنازلاً واضحاً لاريب، رمقني حينها بنظرةٍ عابسةٍ، وسألني فيما إن كان حديثه لم يعجبني؟ مؤكداً سؤاله أكثر من مرة!  لكن ذهولي أوقفني عن الإجابة للحظات، أجبته: أنّ الميكرو باص ضيّق والدخان المنبعث من سجائر البعض تثير الغثيان!

أدهشني حدسه أيضاً!

أدركت حينها أنّ الثورة لم تفشل في إسقاط الأسد ونظامه الظالم، وإنّ تمسَّكَ بسلطةٍ مزعومةٍ، لم تفشل في إسقاط شرعيته وهيبته حتّى من مناطق نفوذه، الكلمات التي اختنقت في حناجرنا قبل سنين الحرب، أصبحت متاحةً الآن حتّى في أفرع الأمن والحواجز العسكريّة، لكنّ الفشل كان حليف النخب الثورية في دورها القيادي.

مظاهرة لحرائر عند ساحة الساعة _الأيام تصوير عفاف جقمور

نجح الثوار في مهمتهم وفشلت النخب في المهام الملقاة على عاتقهم والتأثير في مناخ التغيير الذي هُيء لهم، كان فشلهم في إيجاد بدائل أفضل، ومشاريع أكثر فائدة، وأقلّ إقصاء، وأكثر استيعاباً، ومؤسساتٍ أقلّ محسوبية، ونظاماً أقلّ ظلماً وفكراً أكثر انفتاحاً، كانت أحد مشاكلنا: إيجاد سجون تأهيلٍ وتأديب لا سجون قتل وتعذيب مماثلة لنظام الظلم الذي ثرنا عليه!

 

فشلت معظم النخب الثوريّة أيضاً في اختبار الشجاعة، والوقوف مع الثوار في خندقٍ واحد، فشلت في انجرارها وراء مصالحها على حساب الصالح العام، ومراكمة شهاداتها الأكاديمية على حائط الخذلان بدلاً من وضع خبراتها التي أنتجتها في ميدان العمل الغاية المفترضة!

 

محمد عليه الصلاة والسلام ثبت أثناء تراجع جيشه حين أعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم شيئاً، لم يتراجع حتى في أحلك ساعات الهزيمة، ذكرهم آنذاك برسوخ المبدأ الذي يقاتلون في سبيله؛ صارخاً على صهوة جواده: “أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب”، عبد المطلب جده صاحب الكلمة النافذة في قريش، رفض حفيده عليه الصلاة والسلام استلام إرثه في قيادة القبيلة وتوجيهها سياسياً بمواربة، وفضّل المضي بدعوته ورسالته.

صورة بانورامية لمعركة بدر _ اموقع mpc “مسلسل عمر”

 

ما بال مثقفينا يخشون نَفاقهم متعللين بالمبادئ التي حملوها، ألا يحتاج المبدأ إلى تضحيةٍ وسقايةٍ بماء العمر؟ بل ما بالهم يخشون من بذل أيّ شيء؛ أية شهادة أيّ فرصة؛ وهل جبلت الحياة على الكسب؟ وهل من كسب دون أن يعطي مقابله؟ وهل كانت الحرية والعدالة إلا نتاج دماء من آمن بها وعمل عليها؟!

 

ليس النخب الفكريّة فقط، العسكرية أيضاً الذين تركوا أماكنهم فارغةً مقدّمة الصف في المعركة، والنخب الدينيٍة التي تركت المحاكم للعابثين بشرائعها، من لا يعرف منهم سوى مبادئ سطحية عنها، النخب الطبيّة الذين تركوا المشارط والمباضع بأيدي من لا يعرف ما يوجد تحت طبقة الجلد الأولى، تراجع هؤلاء، وفقد الشباب بوصلتهم تائهين في صحاري الثورة.

 

في أربيعنيات وخمسينيات القرن الماضي قامت ثورات كثُر، انهزمت النخب الانهزام ذاته، وبقي المتسلّقون -فراعنة اليوم-يتشبثون بمقاعد السلطة دون مؤهلات إلا التفوق في بطشهم وقوتهم على من سواهم؛ ما أبقاهم على رأس السلطة تدعمهم قوى خارجية بأفكارها وأجنداتها، حمل المثقفون آنذاك هزائمهم وذكرياتهم وبعض القصائد المغناة في الصمود والثورة؛ حملوها معهم كلٌّ إلى مهجره الذي أوى إليه.

 

صورة تضم مجموعة أدباء التقطت عام 1978 في بيروت_ موقع “التاريخ السوري”

 

 

وماذا بقي من ثورتهم؟  أفكارٌ تلقمناها صغاراً، وثأر حملناه، والكثير من الألم وكلمات أبو ريشة وطوقان وشوقي في الحريّة والحلم الضائع، وتساؤلٌ مبهم النهاية:

هل أراك؟

في علاك؟

تبلغ السماك ..

موطني .. موطني ..

فكرٌ دون شجاعة يعني المزيد من الدم، وشجاعة دون فكر يعني سيطرة الأقوى ونظام الغابة، فكرٌ وشجاعة وتضحية معاً وثبات على الموقف تعني ثورة حقيقة لا يغني أحدهم عن الآخر شيئاً.

ولأننا ما زلنا نحتاج تلك المكوّنات معاً فالثورة مستمرة.

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend