فدوى سليمان وطنٌ مات في باريس

الرثاء ممكنٌ إذا كان المرثي شخص، لكن كيف نستطيع رثاء وطن؟ إنَّ اللغة تضيق حين توضع مقابل أشخاص كانوا بسطاء كرغيف الخبز، و يحملون وطناً على أكتافهم كفدوى سليمان.

خاص بالأيام: أحمد عليّان

الخبر جاء كصاعقةٍ إلهية على السوريين ممن حملوا على أكتافهم تلك الثائرة، وجاء كالنسيم على السوريين ممن قمعوا الحنجرة بالبنادق والنار، إنّها “فدوى سليمان” الفنانة السورية الأكثر شهرةً و تألّقاً، رغم أنّها لم تأخذ دوراً صاخباً من أدوار الدراما السورية الحديثة، لكنّها أخذت دورها كإنسانٍ حقيقيٍ منذ منتصف آذار في العام 2011.

هكذا تقول الحكمة: الإنسان يُعرفُ في الشدائد.

لم تركب السيارات الفارهة ولم تصفف شعرها عند أهم كوافير في أرقى أحياء دمشق، ولم تصغّر الجمهور وتبدي امتعاضها من توقيعٍ أو صورةٍ يطلبها أحدُ الناس البسطاء، على العكس تماماً فدوى سليمان بعد أن رأت الشعب السوري يصدح بالحرية والكرامة، وترديه بنادق ميليشيات الأسد قتيلاً وجريحاً وأسير، تركت زملاءها ممن اتبعوا سياسة النأي بالنفس تارةً ، و فصل الفن عن الإنسان تارةً أخرى، ونزلت إلى حيث يعتبرُ الصوتُ الحرُّ جرماً أي إلى حيث الشعب.

حلقت شعرها و جاعت وعطشت وبُحَّ  صوتُها وهي تهتف للحرية على أكتاف السوريين في خالدية حمص وبابا عمرو و دمشق.

نظرياً كانت فدوى من الطائفة العلوية التي ينتمي لها بشار الأسد، أمّا واقعياً فكانت تنتمي لسورية الشعب، وتعتنق مذهب الإنسان حدَّ التطرّف، هكذا ردّت على سؤال طرحته قناة العربية وهكذا كانت.

إذاً لم يتمكن المذهب الديني من جعلها على الأقل تلتزم الصمت حيال جرائم الأسد وميليشياته، بل أصرّت على الحرية وكان مجرّد ظهورها وسط الأحياء الثائرة تنام وتعيش مع الثائرين بل وتقودهم، رسالةً للعالم بأنَّ ما يجري في سورية ليس حرباً أهلية ولا تطرفاً دينياً ولا طائفيةً كما يروّج النظام، إنّها ثورة وثورة وثورة، لكن العالم لا يفهم رسائل الشعوب، أو لا يحترمها بمعنى أدق.

صوتها كان أهم من كتيبةٍ مسلحة:

موت فدوى أعاد إلى ذهني موت غسان كنفاني، رغم أنّ الأخير كان موته اغتيالاً وفدوى ماتت بالسرطان، وثمّة فوارق أخرى كثيرة، غير أنَّ القاسم المشترك أكبر من كلّ شيء، إنّه الصوت والموقف والتموضع، و اعتناق الإنسان لا الأديان، وعدم المبالاة بالمخاطر رغم أنّ الموت أهونها.

قالت غولدا مائير رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق عقب اغتيال كنفاني : كان أخطر على إسرائيل من كتيبة فدائيين.

ونقول نحن :  إنّ فدوى سليمان كانت أخطر على الديكتاتور من ألف بندقية.

تموت في باريس كأنّها تلك القصيدة:

تموت في باريس وتوارى في تراب لم تطأه قدماها بتلك المحبة المخصّصة لتراب الوطن، أليس صعباً أن يموت الإنسان بعيداً عن أهله رغم أنّهم تبرّؤوا منه ذات ضغط من نظام الأسد، وبعيداً عن وطنه الذي أحب وضحى بكل شيء لأجله والجريمة حب الوطن؟

تموت فدوى شهيدةً في باريس كموت القصائد والكلمات العربية الأصيلة في معاجم اللغة، فأرض العرب لا ترحب بالخيول العربية الأصيلة، أو لا تتسع لها بمعنى أدق، ولغة العرب باتت تعتمد اليوم على تعريب الأعجمي و تهميش الأصيل، فيا لبؤس أرض العرب.

تموت في باريس وتشتهي دمشق الشآم ضمّ جثمان الشهيدة، والرثاء يعجز فمن باستطاعته رثاء وطنٍ يوارى الثرى في باريس؟

انتهت حياة فدوى هكذا أراد الله، وها هي في تصور كل إنسان حر محاطة بهالة من الحزن المضيء، وتعلو فوق هامات الأحياء الميتين منذ زمن.

يغصُّ آلاف السوريين بالبكاء وحزنهم حزنان، موت الشهيدة أولاً، و عدم القدرة على حضور جنازتها ثانياً، ليرى الإنسان كيف يكون وجه الشهيد المبعد عن وطنه، وكيف يكون جبينه عالياً كالكبرياء، بل ليرى الإنسان كيف تموت الجبال.

قائمة المناضلين المصطفين بين شعوبهم و المعتنقين لأوطانهم تطول، واللافت في الأمر أنّهم جميعاً من الشعوب، وأنَّ خلودهم لأنّهم لم يبيعوا ضمائرهم، وكرسوا حياتهم للقضايا التي باعتناقها يوقعون على وثيقة موتهم.

هنيئاً لباريس ففيها قبر الشهيدة، ولها المجد والخلود، ولها دموعنا ووعدٌ باتباع ما اعتنقت، فدوى سليمان نامي بحفظ الله أيتها المطمئنة.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend