إدمان الملح.. الأسباب والعلاج

د. منى سلامة
الملح (كلوريد الصوديوم) هو جزء ضروري من نظامنا الغذائي، وشغف الملح هو رغبة ملحة على الإنسان لكي يستهلك الملح أو الأطعمة المالحة، بالأصل الملح هو طعم يسهل إدمانه، ولقد خلقنا بهذه الرغبة في أدمغتنا وأبداننا ربما لكي نبقى على قيد الحياة، وذلك لفائدة الملح لأجسادنا، إذ يرتبط على مر العصور بالقوة والصحة والخصوبة.

يبقى الملح عنصرا رئيسيا في نظامنا الغذائي الحديث، ونحن لا نتوق للمعادن الأخرى مثل المغنيسيوم واليود والبوتاسيوم كما نتوق لطعم الصوديوم.

ببساطة، يتطلب النمو الطبيعي استهلاك الملح في الغذاء، فمع نقص الصوديوم المزمن يتباطأ النمو وتقل الخصوبة ويقل تمعدن العظام ويتوقف النمو في جميع الأنسجة (باستثناء الدهون)، وحتى نقص الصوديوم على المدى القصير يسبب تشنجات العضلات الشديدة، وفقدان الشهية، والغثيان، والتعب وفقدان الوزن والكثير من الأضرار.

وبالنظر إلى هذه العواقب الصحية الخطيرة – ولا سيما العجز في النمو والإنجاب – تتمتع أجسامنا بآلية سلوكية تلقائية لتعزيز تناول الملح استجابة لنقص الصوديوم المطول.. وربما يجيب هذا على سؤال: “لماذا الملح جذاب جدا؟”

قد تتوق إلى الملح كعرض لحالة طبية تتطلب العلاج، لهذا السبب يجب أن لا تتجاهل أبدا هذا الشغف المفاجئ، وهناك نوعان رئيسيان للشغف بالملح:
– شهية الملح (Salt appetite)
هي الرغبة في الأطعمة الغنية بالصوديوم، بغض النظر عن الطعم؛ فرقائق الذرة والكرواسان وبعض أنواع الوافل تحتوي على الكثير من الملح ولكن لا يبرز بها الطعم المالح. الإنسان والحيوان لا يمكنهما تصنيع الصوديوم في الجسم، فإذا انخفض تركيزه يجب الحصول عليه من مصادر خارجية، وتناوله من أجل استعادة التوازن.

– تفضيل الملح (Salt preference)
هي الرغبة في الأطعمة ذات المذاق الملحي بغض النظر عن محتواها من الصوديوم.

يرتبط النوع الأول بالأمراض، بينما النوع الثانى يرتبط بالمزاج والعادات المكتسبة.
وفيما يلي بعض أسباب الشغف بالملح:

1-عادات الأسرة والنشأة
فالأسر التي تضع الملاحة على طاولة الطعام، وتضعه على الطعام قبل تذوقه، والأسر التي تكثر من الأطعمة المملحة مثل الشيبسي والمقرمشات والأسماك المملحة دائما ما يكتسب أبناؤها ذلك المسلك.

2- اختلال الأملاح المعدنية بالجسم
لا شك في أن أجسامنا تحتاج الكالسيوم والصوديوم والمغنيسيوم والزنك والمعادن المختلفة لاستكمال العمليات الكيميائية الحيوية بالجسم وبناء الدم والهرمونات، فإذا نقصت هذه المعادن أرسلت رسالة إلى الدماغ ليزيد من تناولها، وخاصة الملح حتى تلبي تلك الاحتياجات المعدنية.

يصاحب اختلال الأملاح المعدنية بعض الأعراض التى تلفت نظرنا إلى وجوب التدخل، مثل:
– الصداع والغثيان أو القيء.
– التعب والإرهاق حتى مع المجهود القليل.
– الارتباك وفقدان التركيز وتغير المزاج.
– قد يصل الأمر لنوبات من التشنج في الحالات الشديدة.

3- الجفاف
نحن نحتاج إلى الصوديوم للحفاظ على الماء في أجسامنا لترطيب خلايانا، فإذا تدنت النسب داخل الجسم لم تعمل الخلايا بشكل صحيح، ويتم تنظيم توازن السوائل في الجسم بدقة بواسطة أنظمة التحكم في الغدد الصماء والجهاز العصبي؛ فإذا حدث تغيير في حجم أو محتوى السائل خارج الخلية (ECF) الذي يتضمن بلازما الدم، فإن أنظمة التحكم هذه تحاول ضبط هذا الخلل، وذلك عن طريق إحداث توازن بين متغيرين رئيسيين؛ هما الماء والصوديوم من خلال شرب الماء وفرزه، وتناول الملح وفرزه خارج الجسم حتى يستعيد الجسم توازنه مرة أخرى.

إذا الشهية للملح هى إحدى طرق الجسم لتشجيعك على شرب الماء لمقاومة الجفاف، وهو مسألة خطيرة لا يجب الاستهانة بها.

هناك بعض الأعراض التى تشير إلى حدوث الجفاف منها:
– الدوخة والصداع مع الشعور بالعطش الشديد.
– برودة الجلد.
– تدنى إنتاج البول.
– تغير المزاج وسرعة ضربات القلب.
– تشنجات العضلات.

4- قصور الغدة الكظرية (Adrenal glands) أو مرض أديسون
يمكن أن تكون الرغبة الشديدة في الملح علامة على ضعف الغدد الكظرية (الجار كلوية)، وقد يصاحبها إنخفاض شديد فى ضغط الدم.

الغدد الكظرية هي المسؤولة عن إنتاج الهرمونات التي تعتبر أساسية لبقائنا على قيد الحياة. فهى تفرز الكورتيزول الذى يساعد على تنظيم ضغط الدم والاستجابة الجيدة للإجهاد والضغوط. مرض أديسون هو مرض نادر يمكن أن يقلل من كمية الهرمونات التي تنتجها الغدد الكظرية. يظهر هذا القصور فى صورة رغبة ملحة لتناول الملح مع عرض أو أكثر من الآتي:

– التعب والإرهاق الشديد.
– شحوب الجلد.
– ضغط دم منخفض.
– فقدان الشهية وفقدان الوزن غير المبرر.
– الإسهال المستمر.
– بقع داكنة في الجلد، أو تقرحات بالفم.

الحل: إذا كنت تعاني من الرغبة الشديدة في الملح جنبا إلى جنب مع انخفاض الطاقة والجهد وانتفاخات تحت عينيك مع إنخفاض شديد في ضغط الدم؛ فاستشر الطبيب لفحص الغدد وقياس مستويات الكورتيزول.

5- الحمل
يصاحب الحمل في كثير من الأحيان القىء والإسهال مما قد يؤدي (حال ازديادهما) إلى الجفاف. هذا الجفاف يعطى إشارة للجسم لتناول الملح كوسيلة مساعدة على تحقيق التوازن، ولكن يجب أخذ الحذر وعدم الانسياق وراء تلك الرغبة كثيرا حتى نتجنب ارتفاع ضغط الدم أو تورم الجسم مما قد يؤذي الجنين.

6- متلازمة ما قبل الحيض (PMS)
قبل عدة أيام من بدء الدورة الشهرية، قد توجد مجموعة واسعة من الأعراض، منها تقلبات المزاج، والأرق والرغبة الشديدة في الطعام سواء الحلو أو المالح، وهي ما تسمى بمتلازمة ما قبل الحيض، وهذه الأعراض وقتية تنتهي بحدوث الدورة الفعلية.

ولكن لا بد من أخذ الحيطة في حال وجود إرتفاع في ضغط الدم حيث يزيد الملح والأطعمة المالحة من هذا الارتفاع.

كيف نتعامل مع شغف الملح؟

1- أول علاج هو علاج الحالات المرضية خاصة الخطيرة منها مثل الجفاف وقصور الغدة الكظرية.

2- لا تضع الملاحة على الطاولة أبدا فبالرغم من أن كثيرا من الملح يأتى من الأطعمة المملحة، إلا أننا بقصد أو بدون قصد نضع المزيد من الملح إذا وجدنا الملاحة أمامنا.

3- ضع فى الملاحة أحد البهارات الآتية بدلاً عن الملح:
الفلفل الأسود، البابريكا(مسحوق الفلفل الأحمر)، الزنجبيل، الزعتر، مسحوق الثوم، الشطة، إكليل الجبل (روزمارى).. وحاول أن تصنع لنفسك خلطاتك الخاصة بك.

4- أثناء الطهي جرب استبدال الملح بالبهارات والأعشاب الآتية:
الريحان، ورق الغار، بذور الكراوية، مسحوق الخمس توابل الصينية، القرفة، القرنفل، الكزبرة، الكمون، مسحوق الكاري، مسحوق الشبت، المردقوش، مسحوق النعناع، مسحوق البصل، البقدونس، رقائق الفلفل الأحمر إلى جانب الليمون والخل.

5- التدرج في ترك الطعام المالح، فإذا كنت تعلم أنك تتناول يوميا خمسة أطعمة مملحة، أزل ثلاثة منها من جدولك اليومي فتكون قد تخلصت من 21 طعاما مملحا بنهاية الأسبوع، وهكذا حتى تتخلص منها جميعا.

6- انتبه لنقص المعادن الأخرى في غذائك مثل الزنك والمغنزيوم والكالسيوم، فإن هذا من شأنه أن يدفع جسمك لشغف الملح.

يكثر الزنك فى الأطعمة الآتية:
– المحار والأطعمة البحرية واللحوم.
– البذور مثل بذور اليقطين وبذور دوار الشمس.
– المكسرات مثل الكاجو والفول السوداني واللوز.
– الزنجبيل.
– الحبوب الكاملة مثل القمح والشعير والشوفان.
– اللفت والبازلاء.

أما المغنيسيوم فيكثر في الخضروات داكنة الخضرة والمكسرات (غير المملحة) والبذور والفاصوليا والحبوب الكاملة.

ويوجد الكالسيوم في منتجات الألبان والجبن والزبادي والتوفو وبذور السمسم والبروكلي.

7- الإرواء الجيد: ولا يكون بشرب الماء فقط، بل بتعويض الأملاح التي تفقد أيضاً، ويكون شرب الماء على فترات طوال اليوم وليس كمية واحدة مرة واحدة، فعندما نعطش نتوق للملح، وتذكر أن الإكثار من القهوة والشاي يمكن أن يسببا إدرار البول مما يساعد على حدوث الجفاف.

8- تجنب المشروبات الغازية والمشروبات الرياضية التي يمكن أن تكون عالية المحتوى من الصوديوم، كما أنها تسبب إدرار البول.

9- حاول أن تكون معظم مشترواتك طازجة، وإذا قررت شراء المنتجات المغلفة ابحث عن عبارة قليل الملح أو قليل الصوديوم، وانظر على الغلاف على النسبة من القيمة اليومية (% Daily Value DV) فإذا كانت 5% أو أقل فهي نسبة منخفضة، في حين أن 20% أو أكثر هي نسبة مرتفعة.

ودائما في عدم وجود علة مرضية فإن العزيمة والإرادة هما مفتاح النجاح وبوابة الصحة والعافية.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر صحتك

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend