جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

إدلب وسيناريوهات المشهد الأخير

الرهان على “هيئة تحرير الشام” في قلب المعادلة، والتعامل مع الأطراف الدولية بطريقة تحييد الخصوم، واستقطاب المؤيدين عبر الرسائل والمغازلة، هل يجنب إدلب مصير الموصل؟

الأيام السورية؛ فرات الشامي

مرحلة ما بعد الاقتتال بين إخوة الخندق في إدلب:

أثبتت “هيئة تحرير الشام” أنها الفصيل الأقوى على الأرض في الشمال السوري، لا سيما إبان المعركة التي قسمت ظهر الشريك في الخندق –على حسب تعبيرهم-“حركة أحرار الشام”.

ما بعد تلك المعركة وتفرد “هيئة تحرير الشام” في الشمال السوري، بدأت ترتفع الأصوات حول شكل المرحلة الجديدة في “إدلب”، التي باتت “عاصمة الثورة” أو المعقل الأقوى للمعارضين لنظام الأسد، على مختلف مشاربهم الفكرية، وتنوع رؤيتهم حول مستقبل سورية وعلاقاتها بالدول المجاورة والمنطقة.

ولعل القول بعودة “أحرار الشام” إلى الواجهة بهيكلية جديدة، بات ضرباً من المستحيل، بعد الضربة القاصمة التي وجهتها “الهيئة” عبر انتزاع “معبر باب الهوى”، الذي شكل إلى وقت قريب ورقة قوة، ومصدر دخل بالنسبة لحركة أحرار الشام، المتحالفة مع “الأتراك”. ما يعني أن “الأحرار” باتت في دائرة الضمور التدريجي، خاصةً بعد تخلي حليفه التركي عنه، أمام الانهيارات السريعة التي أصابت “ألويته وكتائبه”.

جولة الاقتتال تلك، وتفرد “الهيئة” بالساحة عسكرياً، أدى إلى انقسام في الشارع، سببه التخوف من مصير “إدلب”، على اعتبار أن النواة الأقوى التي تسيطر على “الهيئة” هو “فصيل جبهة فتح الشام”، النصرة سابقاً. فيما يبدي البعض ارتياحهم بعد أن تغيرت المعادلة العسكرية على الأرض، وانتقلت من طور “الفصيلين المتناحرين” إلى خانة “الفصيل الواحد”.

ما يزال عملياً قوتان عسكريتان-“فيلق الشام، وحركة نور الدين الزنكي”-تعملان إلى جانب “الهيئة” على ذات المسرح، وإن اختلف النهج، إلا أنّ قراءة الواقع على الأرض، تؤكد تربع “هيئة تحرير الشام” الواجهة”. والإبقاء حتى اللحظة على “الفصيلين السابقين” من قبل الهيئة، يوحي برغبتها في الإبقاء على حالة مظهرية من التنوع في إدلب، تجنب “جنود الهيئة” الاستهداف من قبل قوات التحالف الدولي، التي تعتبر الهيئة جزء من “مشروع تنظيم القاعدة” في المنطقة.

الرهان على تعامل هيئة تحرير الشام مع الأطراف الدولية:

ما يطرح اليوم على الساحة يتلخص بمحور متعلق بتعامل “الهيئة” مع هامش القوة المكتسبة مؤخراً في الشمال، على حساب بقية الفصائل، وأسلوب تعاملها مع “الجار التركي”؟

داخلياً، الشارع منقسم أيضاً بين من يتوقع علاقات أفضل مع الأتراك، الذين يؤرقهم خطر الانفصاليين الأكراد على الحدود، فيما تشير تحليلات أخرى واستطلاعات رأي رفض السوريين التدخل التركي العسكري في “سورية”.

الواضح ومن خلال تصريحات نشطاء مقربين من الهيئة، تؤكد بأنّ الأخيرة لا تبحث عن حرب مع “الجانب التركي”، بل تبحث عن إقامة علاقات تخدم مصلحة البلدين، في إطار من التعاون لمواجهة ما يوصف بأنهم “أعداء مشتركين”. بالمقابل لا تبدي تهاوناً في موضوع قتال الأتراك فيما لو لزم الأمر.

إدلب تواجه سيناريو الموصل:

تحذيرات قائد حركة “أحرار الشام”، علي العمر، من مشهد يحول “إدلب” إلى “موصل” جديدة، أولى السيناريوهات المطروحة على الساحة. وهو سيناريو تخشاه شريحة واسعة من الشارع “الإدلبي”، الذي بات اليوم مزيجاً يضم إليه مئات الآلاف من المدنيين والأسر المهجرة قسراً من عموم الأرض السورية.

التحذيرات تلك لها ما يؤكده ويشير إليها، فالقوى الدولية كما أسلفنا متخوفة من “الهيئة”.

من جانبٍ آخر، ثمة شريحة من الناس، ترى في “إدلب” اليوم، أرضاً استوعبت من تسميهم “متطرفين”، ما يعطي مشروعية للتحالف الدولي وغيره لاستهدافها، بتلك الذريعة.

هيئة تحرير الشام، ترسل أوراق اعتمادها:

ثمة معطيات ميدانية تمنح “للهيئة” قوة ومشروعية، بل وحضوراً في الميدان السياسي، في حال تعاملت مع المعادلة والمكتسب الجديد بقوة، فالسياسة الدولية تلعب دائماً مع الأقوى، بين الردع والإغراء، وهذا احتمال قائم. فالمعارك الأخيرة التي خاضتها “الهيئة”، مع نوع من الغزل اللطيف الذي يطرحه بعض الشرعيين التابعين لها، فيما يتعلق بالأزمة الخليجية، ووقوفهم إلى جانب “قطر” ومباركة الدور التركي، يمكن أن يفهم كرسائل مبطنة، تداعب الطرفين التركي والقطري، وترسل ورقة اعتماد لها لدى تلك الأطراف.

السيناريو المرجح في إدلب:

مهما قيل من توقعات، حول السيناريو الأول، يبقى أن نشير لأهمية الحاضنة الشعبية، التي تتفق نوعاً ما مع رؤية ومشروع الهيئة، وإن كانت تلك الحاضنة تطالب بمزيد من التطمينات، باتجاهين، داخلي، وخارجي.

جزء من تلك التطمينات ما نراه في الشارع، والأمانة الإعلامية في النقل للحدث تؤكد أن “الهيئة” مشروع مختلف تماماً عن “النصرة”، وأنّ هناك عدد من قيادات “النصرة” لا تزال تحارب أسلوب “الهيئة” متهمةً إياه بـ”التمييع”، ولعل هذا سبب كافٍ بالنسبة للناس لفهم طبيعة المرحلة، ورؤية “هيئة تحرير الشام” المستقبلية.

وما يرجح السيناريو الثاني، هو الرهان على قدرة قيادة “الهيئة” على التعامل بأسلوب براغماتي على الصعيد الاستراتيجي بعيد المدى، مع بعض الدول المؤيدة للثورة، والمطلوب من هذه القيادة براغماتية حقيقية، وليس براغماتية ظرفية تكتيكية.

لكن حتى اللحظة، يمكن الحديث عن قدرة تعاطي قيادة “الهيئة” ظرفياً، مع بعض الدول الإقليمية، وبما يخدم مصلحة مشروعها، لكن من باب التعامل التكتيكي، وهو تعاملٌ محكوم عليه بالفشل دولياً، لاعتبار هام، أنه لا ينسجم مع مشروع حل سياسي ينتهي بحكم يعتمد الرؤية الغربية-الديمقراطية، وهو ما يتنافى مع مشروع الهيئة الذي يطمح لإقامة “شرع الله”، ليس بمفهوم القاعدة، لكن بالمفهوم المعتدل كما تحاول تصويره.

القوى الدولية، وإدارة الأزمة السورية:

التبدلات والتغيرات المتسارعة على الأرض، تشير أن معظم القوى الدولية بما فيها “الروس” و”الأمريكان” يبحثون عن طريقة لوقف “الحرب” في سورية، وخروج جميع الأطراف الدولية منها بمكاسب مقبولة ومرضية، على مبدأ “لا غالب ولا مغلوب”، باستثناء “إيران” التي لن تكون خطواتها متوافقة مع مساعٍ لتحجيمها في المنطقة، برغبة إسرائيلية.

بغض النظر عن توجه “هيئة تحرير الشام” التي أعلنت مراراً عدم ارتباطها بأي مشروع خارجي، أو حتى بتنظيم القاعدة، كما يروج بعض الإعلاميين، أو كما تروج الفصائل المناوئة للهيئة، والتي ترى أنها “التهمتها”، فإن المشهد المقبل على الأرض لن يحتمل معركة كبيرة أو بسيطة، ودول الغرب “روسيا_أمريكا” ومعهم الأتراك، يدركون مدى قوة “الهيئة” وتمترسها في المنطقة، ما يجعل اللعبة العسكرية بعيدة نوعاً ما.

العقيدة القتالية لدى “جنود الهيئة”، والتمسك بمشروع “سني” في مواجهة “خطر المشروع الإيراني”، فكرة تسيطر على العاملين وكوادر وشرعيي الهيئة، بالتالي، ثمة ما يوحي باستقطاب مزيد من الشباب العربي والمسلم، من دول العالم، تحضيراً لملحمة عسكرية “جهادية” بحسب المسمى الدارج في الداخل والذي تتبناه “الهيئة”، وهو ما يمكن أن يؤخر عمل عسكري في إدلب، ويرجح الجلوس إلى طاولة التفاوض مع جماعة “هيئة تحرير الشام”.

عموماً، السيناريوهات تفضي إلى عدم القبول بنظام الأسد مجدداً، مهما كان شكلها، وتأخير مؤقت للمعركة في إدلب.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر عربي21 العربية نت السورية نت
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend