وقع قرار إعدام “العبقري” بيده.. ثم أرسل ابنه ليكون أضحوكة “الأولمبياد”

خبر إعدام باسل الصفدي أثبت للعالم إجرام النظام، وكونه سبب رئيسي في نشر الجهل والتخلف بمحاربته للأشخاص المميزين وتهجيرهم أو قتلهم..

ميرفت محمد

عندما أرسل رأس النظام (بشار الأسد) ابنه (حافظ) للمشاركة في أولمبياد الرياضيات المقام في العاصمة البرازيلية (ريو دي جانيرو)، كانت زوجة المبرمج السوري الفلسطيني (باسل الصفدي) تتابع احتفال النظام بهذه المشاركة، والأمل يسكنها بأن زوجها العبقري الفذ ربما يكون على قيد الحياة داخل سجون النظام.

وقبل أن تهدأ موجة سخرية المعارضة السورية من النتائج “المتوقعة” التي حققها ابن (بشار الأسد) بتحقيق المركز 528 من بين 615 متسابقاً في الأولمبياد، كانت الفاجعة هي التأكد من إعدام (باسل الصفدي)، قبل نحو العامين بتوقيع شخصي من بشار الأسد، لقد تمت تصفيته بغرفة مظلمة في أحد أقبية الأفرع الأمنية، وحرمت زوجته حتى معرفة مصيره آنذاك.

تؤكد حادثة قتل النظام لباسل الصفدي، على أن هذا النظام يصر لأخر رمق على القضاء على المبدعين السوريين، مقابل تمجيد عائلته وأنصاره من الغوغاء وقطاع الطرق، لقد قتل (باسل الصفدي) الذي حاز بدارته لقب (عبقري الخوارزميات) والمصنف بين أفضل أهم المفكرين العالميين حسب مجلة (فورين بوليسي)، ليحلق بركب المئات من المبدعين والعلماء الذي قضى عليهم النظام قهرا وحسداً.

يؤكد المحلل السياسي (جميل عمار) أن (باسل) ليس أول السوريون البارزين في مجال ما من مجالات العلم أو حتى الرياضة، الذين يستهدفهم النظام، وتابع القول : “كان

باسل ليس أول السوريون البارزين في مجاللات العلم و الرياضة وغيرها، الذين يستهدفهم النظام،

هناك رياضيون مشهورون في أيام (باسل الأسد) تم استبعادهم أو اعتقالهم أو قتلهم، وحاليًا باسل الصفدي هو نموذج مماثل لما حدث أيام باسل الأسد، كل نوابغ سورية يتم تهجيرهم أو اعتقالهم أو قتلهم، حتى يتم تفريغ البلد منهم”، مضيفاً: “حافظ ابن بشار نموذج لمحاولة تربع السلطة الفاشلة والغبية على قمة الهرم من باب التسلط، وسبق لابن حافظ الأسد (باسل) أن تربع على عرش الفروسية وأبعد بالاعتقال أفضل الفرسان والرياضيين، كما أن بشار الذي درس الطب وهو من الطلاب الفاشلين، سرق مقعداً كان هنالك من هو أحق منه به”.

نورا .. عروس الثورة

“أنت نصفي الأخر الجميل الذي أعيش فيه ..أنت نصفي الفلسطيني الجميل ..تخيل اشتقت لنفسي فيك ..افتقد كل شيء فيك ..اشتقت لسوريا وفلسطين فيك” جزء من الرسالة الأخيرة التي كتبها زوجة باسل (نورا) وكانت في الثالث والعشرين من شباط العام 2015.
لكن الرسالة الأكثر وجع عن باسل وليس له كانت بالأمس عندما كتبت علي صفحتها على (الفيسبوك) لتعلن نبأ استشهاده فتقول : “تغص الكلمات في فمي، وأنا أعلن اليوم باسمي واسم عائلة باسل وعائلتي، تأكيدي لخبر صدور حكم إعدام وتنفيذه بحق زوجي باسل خرطبيل صفدي بعد أيام من نقله من سجن عدرا في تشرين الأول 2015 … نهاية تليق ببطل مثله”.

لم يكن الشك باستشهاد باسل ليبعد عن عقل نورا التي لم تتردد في قبول عقد قرانها في السجن، وهي تقول بأنها تتشرف بالزواج منه “ولو بقي طول حياته داخل الزنزانة”.، لكن الأمل كان يسكن قلبها بأن يكون باسل مع الناجين من جحيم التعذيب في سجون الأسد، فقبل نقله إلى سجن عدرا، لم تهاب نورا معتقلات النظام، التي جددت فيها معاني قصة حبها، كانت تزوره ثلاث أيام في الأسبوع، تتحمل كما كبيراً من أخطار الطريق، يقول احد المعتقلين السابقين ويدعي (أنور) : “كنا سعداء معها عندما تأتي هي تطير من الفرح بسبب الزيارة وكنا نحزن معها عندما تعترض الزيارة عقبات أو مشاكل، كنا نعيش حقيقة معهما كل التفاصيل مهما كانت صغيرة ترويها لنا وكأنها بأول لقاء بحبيبها”، ويضيف (أنور) الذي شهد على عقد قران باسل ونورا : “وعدت نورا حينها أنه قريبًا سيكون باسل خارج السجن ونشهد لهما أول طفل، آسف نورا لم أستطع الإيفاء بالوعد”.

وتعقب هنا الحقوقية السورية (سيما نصار) بالقول أنه بعد سنوات ست من متابعة إجراءات محكمة الميدان العسكرية أصبح واضحاً مصير غالبية أولئك الذين يتم سحبهم من السجون المدنية، إلا أن العائلات لا يمكنها توقع ذلك أو تقبله بالذات بعد مرور فترة على وجود المعتقل في سجن مدني يعامل فيه معاملة المساجين العاديين من زيارات عائلية واتصالات وغيره وبمجرد تقرر تنفيذ الحكم يتم نقله دون إخطار عائلتهم فلا يعرف مصيرهم إلا بعد وقت ومعاناة طويلة وهو أمر مؤلم للغاية بالنسبة للأمهات والزوجات، وتتابع القول لبلدي نيوز : “يتم إخفاؤهم ثم يحولون لسجن مدني ثم يعاد إخفاؤهم، ولذلك تبقى الأسر على أمل اللقاء مرة أخرى كما في المرة الأولى” .
الصفدي .. غيّب ثم أعدم.

لم يمثل (باسل الصفدي) أمام قاض ولم ينل أسوة بمئات الآلاف من المعارضين السوريين محاكمة عادلة، تتوافر له فيها أدنى حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة.
اعتقل الرجل عند مغادرته عمله في المزة بدمشق، بتاريخ 15 آذار 2012 من قبل عناصر الفرع 215 سيء الصيت، إحدى فرق المخابرات العسكرية، وحسب ما أفادت به (منظمة العفو الدولية) :”أنه احتُجز في الحبس الانفرادي لتسعة أشهر، واستجوبته قوات الأمن وتعرض للتعذيب الوحشي، وكان هناك مثول مقتضب على قاض عسكري في كانون الأول العام2012، اتُهم فيه بالإضرار بأمن الدولة، بعدها أُرسل باسل الصفدي الذي لم تصدر ضده أي أحكام، إلى سجن عدرا”.

يرجع المدير التنفيذي لمنظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة (بسام الأحمد) صعوبة معرفة أوضاع المتواجدين في سجون النظام، لكون حالاتهم هي حالات إخفاء قسري، ويضيف : “فاحد تعريفات الإخفاء القسري، هو أن تأخذه الدولة أو جهات محسوبة على الدولة شخصاً، وترفض الكشف عن مصيره، ولا تعترف بوجوده لديها، نحن نتكلم عن حالات موجودة بالأفرع الأمنية، لا المحامين ولا الناس تستطيع معرفة شيء عن مصيرهم”.

ويتابع (الأحمد) خلال حديثه لبلدي نيوز : “في حالة باسل كانت الأمر مختلف فبعدما أخفي قسريًا، أعلن عن وجوده في سجن عدرا وحينها تمكن أهله وزوجته من زيارته، ثم تم تحويله لمحكمة عسكرية، وقيل أنه حكم بالإعدام دون معرفة تفاصيل أخرى”، ويوضح (الأحمد) : “عادة يتم معرفة الأهل بمصير أبنائهم من خلال الرسائل التي توجد بالأمانات أو من الشرطة العسكرية، أو من أحد الأشخاص الذين كانوا معتقلين معه”.

باسل .. رائد البرمجيات

ولد (باسل الصفدي) في 22 من أيار العام 1981 في دمشق، وهو الابن الوحيد لام سورية وأب فلسطيني، يعد من أشهر المبرمجين السوريين، وصاحب نشاط كبير في مشاريع مثل “موزيلا فايرفوكس” و”ويكيبيديا” قبل الثورة، كمل عمل مديرًا تقنيًا ومؤسسًا مشاركًا للشركة البحثية “Aiki Lab”، وكان المدير التقني لشركة الأوس للنشر، وهي مؤسسة نشر بحثية مختصة بعلوم وفنون الآثار في سوريا.

عمل (الصفدي) الذي عرف بأنه رجل متواضع، متفهم ومتفان أيضًا كمدير مشروع لصالح منظمة المشاع الإبداعي بسوريا، وله مساهمات في”أوبن كليب آرت”، و”فابريكيتورز”، و”شاريزم”، وله السبق في فتح خدمة الإنترنت في سوريا، كما نظّم عددًا من المُناسبات العلمية والثقافية في دمشق، تهدف إلى نشر المعرفة لعموم السوريين، وحصل باسل على المركز 19 في قائمة (فورين بوليسي) لأفضل مئة مفكر على مستوى العالم عام 2012 مع ريما دالي، وفي آذار 2013 حصل باسل على جائزة مؤشر الرقابة في مجال الحريات الرقمية.

تقول المحامية العامة لمؤسسة المشاع الإبداعي (ديان بيترز) : “الإرث الأكثر استمرارية الذي قدمه باسل الصفدي للمشاع الإبداعي، أنه كان في مقدمة المحادثات التي أخذت على عاتقها إنشاء لغة مشتركة للتحدث بها في النسخة العربية من المشاع الإبداعي، وبدأت تلك المحادثات في أواخر عام 2010 بالدوحة وشملت مجموعة الأعضاء خبراء قانونيين من أكثر من ستة بلدان عربية لكل منها لهجتها المختلفة”.

وتضيف لصحيفة (الغارديان) البريطانية : “أصبح الأمر أكثر إثارة بعدما توصل باسل إلى توافق في الآراء حول الكلمة التي ستستخدم لوصف المفاهيم ووجهة النظر الجديدة التي يقدمها المشاع الإبداعي: الكلمة العربية “مشاع”، والتي تعني قطعة أرض لا يملكها مالك واحد، لكن عديد المُلّاك قد استخدمت للتعبير عن العموم”، وتضيف : “بفضل باسل، للمرة الأولى في الشرق الأوسط كان لدينا الفكرة الأساسية للنسخة العربية من المشاع الإبداعي، التي ليست لدولة بعينها سلطة أو ولاية عليه، وهي اللغة المدرجة لمواقع المشاع الابداعي اليوم في جميع البلدان العربية”

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر بلدي نيوز

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend