جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

الزوجة المعلّقة بين أخوين

هل كان على نسرين أن تنتظر زوجها المعتقل مهما طالت فترة اعتقاله، ومن المسؤول عن تلك الوثائق المزوّرة التي تصدر عن النظام لتحوّل البيوت إلى جحيمٍ لا يُطاق؟

حليم العربي- الأيام

من سلسلة قصص من وحي الحرب.

جلست مكلومةً متعبةً بعد اعتقال زوجها رائد المتهم بالتظاهر ضد نظام الأسد، بعد القبض عليه في بيته متلبساً بعلم الثورة ومحتفظاً به في خزانته مع بعض المنشورات المحذّرة من انتهاكات نظام الأسد، اقتحم الأمن بيته بعد أشهرٍ قليلةٍ من اندلاع الثورة السوريّة بداية عام٢٠١١م.

نسرين فتاةٌ لم تبلغ السابعة عشرة بعد، وتنتظر وضع مولودها الأول بعد أشهرٍ، وهي تجمع في داخلها ثقل الحمل مع حرقة الفراق، وتعدّ نسرين الأيام بالدقائق والثواني؛ بانتظار الإفراج عن زوجها قبل وضع مولودها خالد الاسم المحبب لزوجها؛ الذي كان يحلم أن يحمله أول مولودٍ له ليكنّ ى به.

تقيم نسرين في غرفتها الضيقة التي اقتطعها زوجها رائدٌ من بيت العائلة ليتزوّج فيها بالقرب من أمّه وإخوته الصغار، تجلس فيها وحيدةً تقلّب دفتر ذكرياتها الجميلة مع زوجها، وكانا يخطان معاً فيه مذكّراتهما المشتركة، لا يقطع هذا السكون إلا قرع الباب من قبل أمّه المجهدة كلّ حين، لتحمل وجبات الطعام المتتالية لنسرين مع كأس الحليب ليعينها على حملها، ويعوّضها ذوبان ونحول جسمها، وتحاول أمّ رائد إقناع نسرين نزع الغطاء عن المرآة لترى نفسها دون جدوى.  

حاولت تلك العائلة مراراً تقصي أخبار ابنها المعتقل والسؤال عنه دون جدوى، حتى لم يذكره أيّ سجينٍ أُفرج عنه من سجون الأسد أو أفرعته الأمنية، مما زاد من تخوّفهم أنّه تمّ تصفيته مثل آلاف السجناء.

وضعت نسرين مولودها، وأصبحت تناديه باسم أبيه رائد، وزاد تعلّق جدته المحبة له مع فقدان الأمل بعودة والده، حتّى فُجعت العائلة بخبرٍ صادمٍ جلبه أحد الأقرباء وهو شهادة وفاة رائد من أحد الوسطاء الذين وعدوا العائلة بالسؤال عنه مقابل مبلغٍ ماليٍ قدره ألف دولار أمريكي.

ضُرب بيت العزاء في ساحة البلدة، وتوافد الأهل والأصدقاء لمواساة أهل رائد، في حين جلست نسرين لتقضي “عدة الوفاة” في غرفتها استجابةً لرغبة أمّ رائد التي قالت لها ”لا تفجعيني يا بنتي بابني مرتين، فتجمعي بين موته وخروجك مع طفلك من بيته” حاول والد نسرين مراراً إقناع أمّ رائد بأخذ ابنته إلى بيته دون فائدةٍ.

خلال تلك الفترة العصيبة من حياة تلك العائلة، حاول أقرباء وأصدقاء الشهيد رائد إقناع أخيه الأصغر سامر بالزواج من أرملة أخيه ”نسرين” واحتضان طفلهما؛ إرضاءً لرغبة أمّه وإبقاء نسرين وابنها في البيت.

قبل سامرٌ بالأمر ورضخ لرغبة الجميع بعد عامٍ من وفاة أخيه، وتزوّج من نسرين التي تكبره بعامين، ووافق والدها مستسلماً للأمر الواقع بعد جدلٍ طويلٍ وانتشار الحكاية في أوساط العائلة، وبدأت نسرين تتابع حياتها جريحةً في بيت العائلة متجاهلة لنظرات الناس المستنكرة لهذا الزواج.

جلست نسرين ذات يومٍ وحيدةً تطعم ولدها، فوجئت بقرع الباب، حاولت أمل النهوض فلم تستطع وخاصة بعد تكرار قرع الباب بذات الطريقة التي كان يقرعها رائد قبل اعتقاله، استجمعت قواها واقتربت من الباب ونادت خائفة ”من في الباب؟”

فعاجلها رائد مبتهجاً “أنا رائد افتحي يا نسرين” إلا أنّ رائداً المنهك العائد لتوّه من الاعتقال وقف منكسراً أمام باب بيتهم الحديدي، وسقطت خلفه نسرين منهارة الأعصاب، خيم الصمت في حين اقتربت دراجة أخيه سامر تقلّه وأمّه فترك الباب واندفع كالسهم باتجاههم، لكن سامراً توقّف فجأةً شاحب الوجه لدى رؤية أخيه، وكادت أمّه أن تسقط من دراجته لولا أن تداركها رائدٌ ليحتضنها، بدأ يقبّل يديها ورأسها وهي ترتجف من فرط البكاء.

اجتمع أهل الحي الذين أدركوا حجم الكارثة التي عصفت ببيت جيرانهم، وحاول بعض أصدقاء رائد استجرار رائدٍ واستضافته في أحد بيوت الجيران، ريثما يدرك ما حدث في غيابه،  جلس رائدٌ وفي حضنه طفله يقبّله، وهو تائهٌ في مقدمات القصة التي لم يستطع استيعابها أو حتى التفكير بها، ليقاطعهم وينسحب بعيداً عن المكان لبيت أحد أصدقائه في بلدةٍ مجاورةٍ.

أدرك رائدٌ أخيراً الجحيم الذي وصل إليه بعد الإفراج عنه من جحيم الأسد، حاول كثيراً تقليب وتفهّم الأمر؛ إلا أنّه لم يجد الرحمة إلا في الرحيل، ثم غادر بلدته الحدودية إلى تركيا، ليعمل في مزرعةٍ منقطعةٍ يرهق نفسه في العمل ليفرّ من هول التفكير محمّلاً النظام سبب كلّ الكوارث التي مزقت المجتمع السوري وشتت شمله.

بينما تعكف نسرين على تربية ابنها الصغير في بيت أهلها كئيبةً حزينةً، محملة نفسها سبب شقائه وتحطيم العائلة التي احتضنتها وضياع طفل بين أبوين متفرقين، لمجرد قبولها بهذا الزواج، بناءً على وثيقةٍ مسرّبةٍ من هذا النظام الفاجر، الذي فقد كلّ الأخلاق والقيم، والذي حوّل حياة الملايين لجحيمٍ لا يُطاق.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend