لماذا تخلفنا (1) ؟ غياب الحرية والعدالة والقيم السيادية سبب من أسباب تخلف العرب

أثر النظام السياسي العربي على مستوى حضور ثقافة السلام

بقلم: د . محمد أحمد المبيض

تعتبر القيم  السيادية وأهمها العدل والمساواة والحرية والمصداقية والشفافية الضمانة الأولى التي تكفل للإنسان كرامته وتفتح المجال أمام طاقاته، ويترتب على تعزيزها كثيرٌ من الحقوق منها: تكافؤ الفرص، تقدير الذات، حق الأمن النفسي والاجتماعي والاقتصادي، الضمان الاجتماعي ..، ويتعزز بسببها عواطف وأخلاق كثيرة منها : الإخاء والتفاعل والمحبة، والاعتدال والموضوعية، والانتماء وتنطلق من خلالها الطاقات الكامنة في المجتمع مثل الإبداع والحيوية. ([1])

وهذه  القيم السيادية هي أول ما ضُيع في المجتمعات العربية خاصة مع حقبة الاستعمار العسكري، وامتداده الغزو الثقافي، وفي ظل أنظمة شمولية  بوليسية لا تحظى بالقبول الجماهيري، ولا ترتقي لطموحات شعبها، ولا تمتلك استراتيجية واعية للتنمية الفكرية و الاجتماعية والاقتصادية، بل انصب همها على رعاية مصالح فئة نفعية محدودة متنفذة على حساب أمة بأكملها، وترتب على ذلك ما يلي : ([2])

1- غياب جوهري لمنظومة العدل الاجتماعي والاقتصادي في المجتمعات العربية، وما ترتب على ذلك من تغييب لمصالح الأكثرية وحقوقهم السياسية والاجتماعية مقابل رعاية مصالح الفئة المتنفذة ومن يدور في منظومتها.

2- سيطرة مبدأ القوة على القانون، أو النموذج السلطوي القائم على البوليسية والسطوة الحديدية ، بمعنى أن السيف هو الذي يخضع القانون ويتحكم به، وهذا له أثره في كثرة الانقلابات والفتن في داخل المجتمعات العربية لأن من يبيح لنفسه أن يخضع القانون لمبدأ القوة والسيف يبيح لغيره أن يستخدم نفس الأسلوب، كذلك سيطرة القوة والسطوة على القانون جعلت جزءاً من الأقوياء داخل السلطة فوق القانون، والمجتمع الحضاري هو الذي يخضع القوة للقانون، وكلما كثر عدد الأقوياء الذين يتربعون فوق القانون كلما تعرض المجتمع للتخلف والتآكل وسار في طريق الانهيار والعنف الداخلي  ، فالمجتمع المتحضر هو الذي يلجم القوة بالقانون،وغير المتحضر هو الذي يروض القانون للقوة.

3- غياب الحريات العامة والخاصة وما ترتب على ذلك من حرمان لأكثر الأمة من مشاركة حقيقية في صنع القرار، أو في رسم مستقبل الأمة.

4- تضييق دائرة الولاء للأمة نحو الولاء الحزبي أو القبلي، وهذا له أثره في إضعاف روح الانتماء في شرائح المجتمع المختلفة، ويعزز من جهة أخرى حالة العداء المفضي للاستنزاف الداخلي بين أفراده.

5-  حرمان أكثر فئات الشعوب العربية من مبدأ تكافؤ الفرص، وعدم اعتبار الكفاءة معياراً مناسباً للوظائف المتنوعة، واتخاذ معايير وهمية خفية منها الولاء للنظام والحزب الحاكم، وهذا كان له دور في تفشي المحسوبية بأعلى درجاتها، مع غياب المسائلة في كل السلم الهرمي للوظائف الحيوية في المجتمع.

6- أفرز غياب الأخلاق السيادية عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وترتب على ذلك ظهور فئات متنفذة تتميز بسطحية الفكر تولي اهتمامها برعاية مصالحها على حساب الأمة، واستمكنت في كثير منهم شهوة التمجيد التي لا يمكن إشباعها إلا من خلال الحصول على متعة المدح وتضخيم الذات والتأله على الناس، أو من خلال إذلال الآخرين والمن عليهم وتحقيرهم وتعييرهم بنواقصهم أو فقرهم، وهؤلاء في غالب أحوالهم مُولعون بتذكير الآخرين بفضلهم، وإبراز أن كل الخيوط في أيديهم في أي مجال يتحكمون فيه، وتعذيب الناس حتى يلجئوا إليهم، وتعقيد حياة الآخرين حتى يحتاجوهم باستمرار، وفي الغالب نجد بعض هذه الفئات تحول بعض المؤسسات إلى ممالك خاصة بهم يرتعون فيها كيفما يشاءون، ويضعون معاييرهم الخاصة بهم في قبول الآخرين أو رفضهم في الوظائف العامة، وللمقابلات الخاصة في التوظيف مجال واسع للتلاعب بهذه المعايير، ويحرص هؤلاء على تكوين حواشي تخصهم في أماكن عملهم دون رعاية لضوابط موضوعية.

7- وجود الفئات السابقة عززت في جزء من شرائح المجتمع قيم النفاق والتملق والوصولية، وهذا يترتب عليه غياب الشخصية ونكران الذات ودورانها في فلك المتنفذين، وتجد حال الأكثرين يصدق فيهم وصف الشاعر :

رأيت الناس خداعاً إلى جانب خداع .. يأكلون مع الذئب ويبكون مع الراعي.

8- تمكن السطحية في المجتمع، خاصة في الطبقات المتنفذة، ويحاول هؤلاء دائماً سبر غورها من خلال التنميق والإغراق في المصطلحات التي توهم الآخرين بعمق فكر أصحابها.

9-انتشار مظالم متنوعة في المجتمع بأسره ، أهمها القهر الوظيفي، والإرهاب الفكري.

10– طرد الكفاءات المبدعة وهجرة العقول المتميزة  بطريق غير مباشرة من المجتمع خاصة عندما لا يجدون أي تقدير لإمكاناتهم وإبداعاتهم، وأحياناً يجدون القهر والاحتقار لطاقاتهم، فلا يجدون لهم مفراً إلا حيث يجدون ذاتهم، وللأسف يجدون في الغرب الحضن الدافئ لهم، وهكذا تحرم الأمة طاقاتها، ويحصد غيرها أنجب أبنائها ، وهذه الظاهرة عبر عنها الشاعر أحمد مطر بنوع من العمومية الموحية في ظنه إلى عمقها في المجتمعات العربي حيث قال :

قال أبي .. في كل قطر عربي .. إذا قلت أنك ذكي .. فأنت غبي .

11- الشعور بالاغتراب في داخل المجتمع العربي ، وهذه نتيجة حتمية حال وجود الظلم والقهر وعدم تقدير الذات، خاصة مع المثقفين الذين يساوَمون على لقمة العيش إذا انتقدوا واقع المجتمع ، وفي الغالب أن جزءاً من المثقفين يربط بين الواقع والتراث ؛ لذا نجده يتحامل على المجتمع ، ويتساوق مع الأفكار الخارجية التي تمثل الفلسفة الغربية ، وفي مثل هذه الحالة يفقد بعضهم هويته الأصيلة ، نحو هوية مهجنة لا ترتقي لإحداث تغيير صاعد في المجتمع، وجزء من هذه الشريحة يُستخدم وسيلة لتمكين الغزو الثقافي للمجتمع ، وأحياناً يستخدم جزء من هؤلاء خلال منظمات ووجهات إنسانية مدعومة من المجتمع الغربي ، وجزء من أهدافها قد يكون حيوياً للمجتمع ، لكن جزءاً آخراً من الأهداف هو لا ريب وسيلة غربية لتعزيز التناقض في المجتمعات العربية ، وإشعال لنار الاستنزاف الداخلية بين طبقات المجتمع ، ويصبح هؤلاء المصلحون من حيث لا يشعرون مطية للمآرب الغربية، وسيفاً مسلطاً على الفئات المتنفذة التي لا تجد لها مناصاً في نهاية الأمر إلا الاستقواء بالغربي لتمكين نفوذها داخل المجتمع ، وهذا النزاع والاستنزاف وتحول أطرافه إلى ورقات بيد المصالح الغربية يجعل كثيراً من حالات الإصلاح تدور في حلقات مفرغة وتحمل في نفس اللحظة معول هدم ومعول بناء في داخل المجتمع مما يعمق حجم المشكلة فيه ويعقد الحلول البسيطة المتوقعة لها ، ويشتت جهود الكثيرين ، ويمكن في النهاية للطمع الغربي في موارد الأمة.

وقد أصاب الشاعر حكمة في قوله: لا يلام الذئب في عدوانه .. إن كان الراعي عدو الغنم ، ويقول آخر: إذا فرق الرعاة اختلاف .. علموا شارد الذئاب التجري، فهذا المعنى متحقق وشهادة الواقع أكبر برهان عليه.

12-غياب القيم السيادية فتح المجال واسعاً لتعميق التخلف في المجتمعات العربية ، وعدم القدرة على مواكبة التسارع الحضاري المحموم في العصر ، وترتب عليه نتائج خطيرة على المستوى التنموي والاقتصادي والسياسي بالرغم من الإمكانات الهائلة والموارد المتنوعة التي تتميز بها المنطقة العربية ، بل يجد المجتمع العربي نفسه في حلبة التقدم والتطور الأممي كسلحفاء تسابق أرانب ، والتخلف التنموي والفكري ألقى بتبعاته الكئيبة على مجموع المجتمع ، وعزز من قيم التناقض والتنازع داخله ، وأكسب الشخصية العربية حدة في التعامل ونزوعاً للعنف في تحصيل مصالحه وحقوقه في ظل تنمية شحيحة لا تلبي حاجات المجتمع بأكمله .

13- هذا الواقع أعطى ذريعة للتطرف في المحيط العربي ، وعزز في العرب من الناحية النفسية الشخصية الحادة في تعاملها مع الآخرين ، والمفرطة في أحكامها ، وهذا يزيد هماً جديداً على الأمة وعبئاً من الأعباء المثبطة لتطورها ، وفرصة للمصالح الغربية لتجد لها ذريعة من ذرائع التدخل الخارجي .

14- أدى الوضع السابق إلى غياب استراتيجية تربوية أصيلة في المستويات التربوية المختلفة مما أفرز جيلاً يتميز بنوع من الضبابية في الرؤية واتساع الفجوة بين الأهداف المعلنة والواقع المعاش ، وأدى إلى بروز ثنائية فكرية وتربوية وازدواجية في شخصية الناشئة  من الناحية الفكرية والاجتماعية واللغوية أوقعتهم في حبائل الصراعات القيمية ، وأثرت عليهم سلباً من الناحية  العقلية والسلوكية. ([3])

15-عزز غياب القيم السيادية التناقض بين أفراد المجتمع من ناحية ، كذلك عزز التناقض بين القيم الأصلية والقيم الوافدة ، وهذا له دوره في ازدواج الشخصية وغياب الهوية ، والمعاناة من الثنائية الحادة بين ما هو عصري وما هو تقليدي على جميع مستويات الفكر والثقافة،

وعلى حد تعبير أحد المفكرين : «  أصبحنا أمة تنتمي إلى الماضي ذهنياً ، وتعيش الحاضر مادياً . » ([4]) يقول علي حرب في وصف هذه الازدواجية : « إننا نعيش في خصوصيتنا حتى البداوة ، وننغمس في عالميتنا حتى الثمالة إننا نستخدم الآلات ،و لكننا نرفض أحدث الأفكار والمناهج ، نتشبث بالأصول حتى العظم على صعيد الخطاب والكلام ، ولكننا نخرج عليها ولا نطبقها في الفعل والممارسة . » ([5])

16- عزز غياب القيم السيادية الانفصام النكد بين الخطاب والواقع ، أو بين النظرية والتطبيق؛ حيث نجد خطابات تدعو للعدالة والحرية ورعاية الحقوق ، فإذا اصطدمنا بالواقع والمؤسسات التنفيذية نجد خلافها ، بل نجد ما يعزز تغييبها ، مما يترك في النفوس الإحباط ويتجه بها نحو الجمود أو التطرف أو الانحلال.

17- تغييب القيم السيادية له أثر في فقدان الأمة للقيم الذرائعية السليمة في ميدان السلوك كأساليب الحوار الحضاري أو الحوار الذي يفتقر إلى تقدير شعور الآخرين، كذلك أنماط السلوك العامة كقيادة السيارة أو ركوب الحافلة أو أساليب التجمع في الأماكن، إضافة إلى فقدان القيم الجمالية كالمحافظة على نظافة الشوارع والمرافق العامة، وفقدان القيم الاجتماعية المتعلقة بالمعاملات اليومية في الأماكن التجارية والإدارية التي تتسم بالتعقيد والمعاناة النفسية بينما يقتصر اليسر مع المعارف والأقارب والأصدقاء.

هذه نظرة مجملة للواقع العربي في ظل غياب العدالة والحرية وقيم ثقافة السلام  الأخرى التي سأفصل حديثي عنها في الباب الثاني، وكان لهذه الآثار نتائجها على المجموع العربي وعلى واقع التنمية داخله، وعلى مستوى رعاية الحقوق للمواطن العربي.


([1])   في ظل غيابها تصبغ الأمة بأخلاق سلبية كثيرة أهمها : الأنانية والنفعية والقهر والظلم والطبقية الخفية ، وسيادة قيم النفاق كالتملق والكذب والوصولية، وتنتشر البغضاء مع برود المحبة بين شرائح المجتمع ، وتظهر الأمراض الروحية : كالحسد ، ويتفرع على ذلك بعض الأمراض النفسية كالاكتئاب والكبت والشعور بالدونية والاغتراب النفسي ، كذلك تظهر بعض الأمراض الاجتماعية : كالتفكك الاجتماعي وضعف الانتماء الاجتماعي والنفسي ، وغياب الشعور بالمسئولية الوطنية ، والميل للحدة والفضاضة والتطرف ، وشيوع الرشوة والمحسوبية ،  إضافة إلى ضعف روح الإبداع والميل إلى السطحية الفكرية والسذاجة الفكرية ، والإغراق بالشكليات ، والاهتمام بجوانب التعظيم والإطراء في غير محلها ، إضافة إلى تعزيز الانحرافات السلوكية على مستوى الجنس والخدر ..إلخ.
([2])   انظر الكيلاني : فلسفة التربية ( 409 وما بعدها ) ؛ نوفل وآخر:الوطن العربي والتحديات المعاصرة ( 36 وما بعدها ).
([3])  انظر الكيلاني : فلسفة التربية ( 419 وما بعدها ).

[4]) زيود : الشباب والقيم في عالم متغير (107).

([5])  حرب : غزو ثقافي أم فتوحات فكرية ( 64).

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر نداء الروح

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend