وعدنا من جنيف بكل خفيف

الأيام السورية، بقلم:عقاب يحيى

ديمستورا قبيل انعقاد الحلقة السابعة من جنيف تحدث بنوع من تفاؤل، وركّز على وجود ” بريق” ضوء يمكن البناء عليه .. وقد استمدّ هذا البريق من اتفاق الأمريكان والروس في الجنوب.. والحقيقة أن هذا البريق يشبه إشعال عود كبريت رطب في ليل دامس سرعان ما ينطفئ ضوءه بعد لحظات، ذلك أن اتفاق الجنوب، أو ما يعرف بمناطق خفض التصعيد هي خطوات لا علاقة لها ـ حتى الآن ـ بالحل السياسي، وأكثر المتفائلين يعتبرونها تمهيدات على الطريق، أو تدشين ممر ما زال مغلقاً.

تفاؤل ديمستورا تجاوز البريق إلى ما حدث في هذه الجولة.. وحين نتوقف عندها نجد أن الحصيلة هزيلة، وما زالت تدور في حمامات التسخين بانتظار تفاهمات دولية بين الجهات المعنية بالملف السوري، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، والتي يبدو أنها ليست راهنة، ذلك أن الجميع متفق على محاربة الإرهاب أولوية الأولويات، وأنه لا حل سياسي، ولا شروع فيه، ولا تصورات واضحة عن مستقبل سورية قبل الانتهاء من هذه الحرب.. التي لا يعرف أحد كم ستستغرق من وقت، وكم ستحمل معها من ضحايا مدنيين وتدمير ما تبقى من البنى التحتية.. وبالتالي جنيف، ودمستورا في حيص بيص، وكل الذي يجري محاولة لملء الفراغ، وهروب من إعلان انتهاء مسلسل جنيف ( للمناسبة كانت المسلسلات سابقا تكتفي بسبع حلقات ثم مطّوها لثلاثين فأكثر، وجاءت المسلسلات المكسيكية فالتركية فتجاوزت الحدود) وحلقات جنيف لا ندري كم ستكون، ولا أحد يعرف محتوياتها وخاتمتها، لأن المخرجين ما زالوا منشغلين بأمور أخرى، وهواجسهم تمنعهم من تلبية مطالب الشعب السوري بوضع نهاية لهذا المسلسل الدرامي، والتراجيدي، والبوليسي أيضاً.

في هذه الجولة استبعدت السلة الرئيس : الانتقال السياسي من المناقشات، وجرى استكمال نقاشات الوفود التقنية التي يغرم بها ديمستورا حد الشغف، والتفرّع، والتشعب فكان التركيز على سلتين: مكافحة الإرهاب، والأسس الدستورية والقانونية، وهي نقاشات مفتوحة تجري بين كل فريق وديمستورا، وليس بين وفد المعارضة والنظام الذي ما يزال رافضاً للشروع بالمفاوضات السياسية ومحتوى الانتقال السياسي.. بدعم روسي متواصل، وضبابية الموقف الأمريكي، ولا حول ولا قوة الدول الأوربية. 

وفد الهيئة العليا للمفاوضات اعتبر أنه حقق شيئاً مهماً بفنح حوارات مطولة مع ” منصتي القاهرة وموسكو” وأنه يعد بمواصلة هذا الحوار  بعيداً عن أروقة الأمم المتحدة كأمر يخصّ السوريين، كما اعتبر كثيرون أن قبوله بوجود ممثل واحد عن كل منصة ضمن الوفد إنجاز كبير يقطع الطريق على الضغوط والاتهامات التي كانت توجه للهيئة العليا بأنها ترفض مشاركة الآخرين وفق ما نصّ عليه القرار الأممي 2254.. في حين أن هذه الحالة التي جاءت بالفرض والضغط كان يجب التعامل معها من اشهر طويلة بمبادرة واضحة من قبل الهيئة العليا بديلاً للمواقف الرافضة، والتصنيفات التي تناولت مواقف المنصتين، وبما يطرح سؤالاً يبدو متناقضاً مع بيان الهيئة العليا الذي جدد فيه تمسكها بالثوابت، خاصة تلك المتعلقة بالموقف من رأس النظام وكبار رموزه، وبأن لا مكان لهم في العملية السياسية والانتقالية.. وهل يستقيم هذا الالتزام بقبول ممثل عن كل من المنصتين؟.. ومعروف سقف من يمثل منظمة موسكو، وموقفه من هذا الثابت.

وديمستورا أيضا مهتمّ جداً بمنظمات المجتمع المدني الذي قرر أن يلتقي بعدد كبير منها في مدينة عينتاب التركية، وربما بيروت أيضاً فيما يعتبره تمهيد الأرض للحل السياسي، أو نوعاً من التطبيع الذي يتساوق مع أطروحات جديدة حول مصير الأسد، وربما إعادة إنتاج النظام بطريقة ما تحت مظلة مكافحة الإرهاب، والخوف من انتشاره طالما أن المعارضة غير مهيئة لتكون البديل !!! .

على ذكر التبدّل في مواقف الدول المحسوبة على أنها أصدقاء الشعب السوري فهو ليس جديداً، وتصريحات الرئيس الفرنسي وإن كانت شديدة الوضوح، وصادمة للكثيرين، ومغايرة لمواقف فرنسا الرئيس هولاند إلا أنها تكشف تلك الدحرجة التي تحدث منذ عامين عبر لقائي فيينا، وبعض القرارات الدولية، وعبر تصريحات ملتبسة مشبعة بالغموض والقابلة لأكثر من تفسير، والتي تؤشر إلى أن مصير رأس النظام، وكبار رموزه، بل وحتى إنهاء النظام لم يعد مطروحاً . على العكس التصريحات الأمريكية الأخيرة التي جاءت في بيان وزير الخارجية وبتوافق بين الخارجية ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي تؤكد بقاء رأس النظام، وإعادة تأهيله ضمن راية مكافحة الإرهاب . أكثر من ذلك التصريحات التي راجت مؤخراً عن وجود تفاهم أمريكي ـ فرنسي لبلورة مبادرة الرئيس الفرنسي في تشكيل مجموعة دولية للحل السياسي في سورية ذكرت عدة أطراف، ومنها النظام، بينما لم تأت بذكر على المعارضة، وبما يعني في السياسة وجود تفاهمات ما بين تلك الدول على إلحاق المعارضة قسراً.. وإلا .. بالنظام عبر صيغة مشتركة، أو حكومة وحدة وطنية كما يطرحون.

أمام هذا الانسداد في مسار الحل السياسي، وعدم حدوث اختراقات في موقف الإدارة الأمريكية تلزم النظام على الانصياع لقرارات الشرعية الدولية، وتبلور موقفاً واضحاً من الحل السياسي وطرق فرضه، فإن جولة جنيف السابعة لن يكون حصادها إلا كسابقاتها .. وما زالت المسألة السورية في لائحة الانتظار.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend