جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

هلْ تشهدُ إدلب قيامةَ الفصائل

د. محمد عادل شوك: 14/ 7/ 2017م.

 

 

لقد مثَّل تحرير محافظة إدلب بحدودها الإدارية، في أواخر الشهر الثالث: 2015، لحظة فارقةً في تاريخ الثورة السورية؛ فقد انعقد آمالٌ كبيرة لدى السوريين، في جعلها حدثًا مفصليًّا نحو سورية الجديدة، و تهيّأت مؤسسات في مقدمتها الحكومة المؤقتة ، لمباشرة أعمالها انطلاقًا منها.

غير أنّ هذه الآمال العِراض قد تبخرت مع أول صيف يأتي عليهم، تحت لهيب تصريحات قادة جيش الفتح، و لاسيّما من الجماعات الجهادية ” الشيخ المحيسني مثلاً ” ، التي مرارًا ما صرّح شيوخها بأنّه لا شأن لهم بالخوض في خيارات السوريين، فيكفيهم شرفًا أنّهم تقاطروا على سورية لنصرة إخوانهم في الدين و العقيدة.

فلا الحكومةُ المؤقتة قد باشرت شؤون الناس، و لا الهيئة السياسيةُ للإتلاف الوطني لقوى الثورة قد سُمح لها أن تطأ أرضها، و لا مؤسساتُ المجتمع المدني المنبثقة عن أهل الأرض، قد مُكِّنت من القيام بدروها المنشود.

لقد أصبح وجود بعض كوادر الثورة خارج حدود الوطن لوثةً تنقص قدرهم، و تطيحُ بالمرء أيًّا كان تاريخه الثوري أو الوطني، و وصلت إليهم كثيرٌ من الرسائل، بأنّ إدلب محرمةٌ عليهم سنين طويلة، اللّهم إلاّ إذا أعلنوا توبتهم عن المشروع الوطني، و انخرطوا في المشاريع الآيديولوجية لتلك الفصائل.

لقد ذهبتْ الظنون إلى أنّ الأمر لربّما كان مبيّتًا، من بعض الأطراف الإقليمية و الدولية ” الداعمة للثورة “، بجعل إدلب ثقبًا أسود، تدفنُ فيه الثورةُ بحلّتها الوطنية الجامعة؛ ليحلّ مكانها المشروع الفصائليّ، ذو الحلّة الإسلامية ” الجهاديّة “، فيكون ثَمَّة مبررٌ لهم بالتخلي عن التزاماتهم تجاه السوريين، في العديد من المؤتمرات و المناسبات، التي لوحظ فيها معسولُ الكلام يسيلُ على الألسنة، و في أوراق الكلمات.

فغدا الحراك المجتمعيّ الذي انطلق في آذار: 2011م، عنوانًا كبيرًا يحوي في داخله مشاريع مؤجلة، لجماعات جهادية عابرة للحدود، تطلبُ ثأرها من أعدائها العالميين، منذُ أيام أفغانستان، و مرورًا بالعراق، ثم الصومال، لينتهي بها المطاف في أرض الشام، حيث يلتقي فسطاطُ الإيمان مع فسطاط الكفر.

و عندها يكون قد نجح النظامُ في وسمه الثورةَ في مهدها الأول، بأنها مجاميعُ مندسّة، ذات مشارب أصولية، مصنفة على قوائم الإرهاب الدولي، و وجد الغرب ذريعة له في التراجع عن منظومته القيميّة، التي تعالى بها كثيرًا على شعوب دول العالم الثالث، الذين رزحوا شطر عمرهم تحت ثقل المطرقة و المنجل.

لقد صُرِفتْ أنظارُ تلك الفصائل إلى خطورة ما يُبيَّت لهم، و إلى التداعيات الأليمة التي تنتظرُ سعيهم لجعل إدلب ” كابل ” سورية، و إلى الأخطار المحدقة بهم في حال استمرائهم إزهاق الأرواح، فالدماء دينٌ في أعناق مُسيليها، و لن يشفع لهم حسنُ النوايا، و نُبل المقصد، و سلامةُ المعتقد، و صحةُ الفكرة.

هذا فضلاً عن فشل مشروعهم الذي يحملونه من بلدٍ إلى آخر، و شعبٍ لآخر، فلقد أضحت في رابعة النهار، لقد جعلوا السوريين ينفضون أيديهم منهم، و يرغبون عن المشروع الإسلامي عمومًا، و يجنحون إلى الهُدن مهما يكن الطرف الضامن لها؛ حتى إنهم أصيبوا بالهلع و الذعر، عندما عاودت طائرات الاستطلاع طلعاتها عقب شهر رمضان، و ذهبت بهم الظنون بعد جولة أستانا الخامسة، و غموض الموقف من استمرار الهدنة بعدها.

و يرى كثيرٌ من المراقبين أنّ الحالة الفصائلية قد أتت على كثير من المكتسبات، التي تحقّقت للسوريين على يد كتائب الجيش الحر، أو هيئة الأركان، و حتى السياسية منها على يد المجلس الوطني، و وريثه الائتلاف، فضلاً على المجالس المحلية غير المؤطرة.

إنّه في ظلّ ما تشهده عموم قرى و بلدات و مناطق محافظة إدلب، من احتقان و تهييج، و رغبة في التغلّب لفرض الأمر الواقع، تحت ذريعة إفشال مخططات الرعاة الإقليميين و الدوليين، فإنّ الناس باتت على قناعة بذهاب الفصائل نحو الانتحار، و أنّ قيامتهم باتت تُرى عيانًا، و عندها ستكون ذاكرة السوريين غير نسيّة.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend