الحب والغزل في الأدب العربي

الأيام السورية؛ فاطمة محمد

الحبّ: تلك العاطفة الإنسانية التي تفعم قلب المرء إحساساً يسري ليجدد الحياة في عتمات القلب الحزين، ويعيد الدفء بعد جمود مخيف، ذلك الساحر العجيب الذي يضفي على صاحبه جمالاً آخّاذاً لما له من أثرٍ بالغٍ في النفس البشرية.

الغزل في إرثنا الشعري يشغل مساحةً واسعةً وكبيرةً عبر العصور المختلفة، ففي قصائد قبل الإسلام يتصدّر النسيب مطلع القصائد، ولم يكن هذا التصدّر إلا صدى العاطفة الصادقة والحاجة النفسية التي يحسّها الشاعر للتعبير عن المواجد والعواطف.

في العصر الجاهلي كان النسيب الذي تُصدّر به القصائد حتى أنّ بعضهم جعل التغزل بالنساء غايةً في حدّ ذاتها ومنهم امرؤ القيس في قوله:
لها مقلةٌ لو أنّها نظرت بها إلى راهب قد صام لله وابتهل
لأصبح مفتوناً معنّىً بحبها كأن لم يصم يوما ولم يُصل
ألا ربّ يوم قد لهوت بذلها إذا ما أبوها ليلة غاب أو غفل

وفي العصر الأموي صار الغزل فنّاً مستقلاً بنفسه ولم يعد نسيباً بل أصبح غالباً تصويراً لأحاسيس الحب التي سكبها المجتمع الجديد في نفوس الشعراء، ما يؤكد ازدهار الحياة الاجتماعية والاقتصادية في ذلك العصر وانتشار مجالس الغناء والطرب، وظهور المغنيين والموسيقيين.

انقسم الغزل إلى نوعين بدوي وحضري، البدوي غلبت عليه العفة والرصانة لقربه من الفطرة الإنسانية الثرية، وبعده عن ملاهي الحياة وإغراءاتها، ونسب هذا اللون الشعري إلى قبيلة عذرة، وأصحابه عرفوا بالشعراء العذريين.

انفردت في صدق حبها وغزلها وهيمان شعرائها، حتى قال ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء: ” والجمال في عذرة والعشق كثير”.
قيل لأعرابي: ممن أنت؟ قال: من قومٍ إذا أحبوا ماتوا! فقالت جارية سمعته: عذريٌّ ورب الكعبة.

ويروى أنّ سائلاً سأل عروة بن حزام العذري صاحب عفراء، أصحيح ما يروى عنكم من أنكم أرق الناس قلوبا؟ فأجابه: نعم، والله لقد تركت ثلاثين شاباً وقد خامرهم الموت، وما لهم داء إلا الحبّ.
إذا: هو غزل نقي طاهر ممعن في صفائه وصدقه لا يشبب إلا امرأة واحدة حتى يكنّى باسمها مثل مجنون ليلى، جميل بثينة، كثير عزة، وأكثر ما يطيب لهم وصف ما يلاقون من ألم البعد والهجران والصدود وفي ذلك يقول مجنون ليلى:

إذا ذكرتها النفس ماتت صبابة لها زفرة قتّالة وشهيق
برى حبها جسمي وقلبي ومهجتي فلم يبق إلا أعظم وعروق
وخطّوا على قبري، إذا مت، واكتبوا قتيل لحاظٍ مات وهو عشيق
أما الغزل الحضري غلب عليه الرخاء والترف، فصور شعراؤه حياتهم الناعمة أدق تصوير، وتفنّنوا في أساليبهم فأبدعوا، ولم يقتصر تشبيبهم على امرأة واحدة بل كانوا موكّلين بالجمال يتبعونه أينما رأوه، ومن شعراء هذا الغزل البحتري الذي أحب علوة الحلبية فيقول:

بيضاء يعطيك القضيب قوامها ويريك عينيها الغزال الأحور
تمشي فتحكم في القلوب بدلّها وتميس في ظلّ الشباب وتخطر
بعد ذلك تطور الغزل وانتقل إلى ميدان التصوف، واتجاهات روحية سامية في عبارات غزلية حسيّة تفتن وتضلل من لم يمتلك تلك الإحساسات الصوفية العميقة، فنفس الشاعر كالوتر الحساس تهتز لكل مشهد من مشاهد الجمال.

أما في العصر العباسي ازدهرت الحياة الثقافية والفكرية غنىً، تجلى في تمازج ثقافات متنوعة، فجاء شعرهم ونثرهم صدى لعصر تألّق فيه الإبداع الأدبي، منهم أبو فراس الحمداني الذي أبدع قول الشعر في بعده عن الأحبة، فكان شديد الحب، مرهف الإحساس، يقوده الكبرياء في حبه لأنه الفارس العاشق فيقول:
وحاربت قومي في هواك، وإنهم وإياي، لولا حبك، الماء والخبز
وما كان للأحزان، لولاك مسلك إلى القلب، لكنّ الهوى للبلى جسر

وفي العصر الحديث فقد تطوّر مفهوم الغزل، واتّخذ أبعاداً وطنية، تمثّلت في توظيف مفهوم (الأرض المرأة) للتعبير عن اتّحاد الشعراء بقضايا أمتهم وأوطانهم، هذا المفهوم الذي يقوم على العناصر المشتركة بين الأرض والمرأة، فكلاهما رمز العطاء والتجدد والخصب والحياة، وقد تجلت هذه المعاني في شعر نزار قبّاني شاعر الحب والألم والأمل، وهو يختزل كلّ شيء في تجربته، وتنصهر فيها الذات بالجماعة، حيث تشترك فيها الأرض بوصفها جسداً بعيداً، والمرأة بوصفها حلماً قريباً وتذوب التفاصيل بين المحبوبة والوطن إذ يقول:
قادمٌ من مدائن الريح وحدي فاحتضني كالطفل يا قاسيون
احتضني ولا تناقش جنوني ذروة العقل يا حبيبي الجنون
احتضني خمسين ألفا وألفا فَمَعَ الضمّ لا يجوز السّكون

إذا: الغزل على مرّ العصور مختلف في أنواعه ومضامينه، ينقاد وراء المشاعر التي تجسده شعرا راقيا وتجربة متقدة تجاه من نحب، إنه الهوى الذي سئل إعرابي عنه فقال: “هو أظهر من أن يخفى، وأخفى من أن يرى، كامن كمون كمون النار في الحجر إن قدحته أورى، وإن تركته توارى!”.
وقال أعرابي آخر: “إنّما سمّي الحب هوى لأنّه يهوي بصاحبه”.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend