جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

ثمن بقاء الأسد

الأيام؛ فرات الشامي

«المستبدّ: يودُّ أنْ تكون رعيته كالغنم درّاً وطاعةً، وكالكلاب تذلُّلاً وتملُّقاً». عبد الرحمن الكواكبي.

تلخص مقولة “الكواكبي” بدقة شكل المرحلة التي من المحتمل أن يدخلها المجتمع السوري، في حال بقاء “نظام الأسد”، لكن ما هو الثمن الذي يمكن أن يدفع لذاك “البقاء”؟

بقيت فكرة “بقاء نظام الأسد” في سدّة الحكم، هاجس السوريين، خلال السنوات الست الماضية من حياة الثورة، وأرقهم سؤالٌ استبعدوه مراراً “ماذا لو بقي الأسد؟”، متعاملين مع هذا الطرح بالتندر والسخرية تارةً، والجدّية تارةً أخرى.

المشكلة التي سوف تواجه “سوريا”، تتلخص حقيقة في “ثمن بقاء الأسد”، وانعكاسه على الدولة والمجتمع في المستقبل، في حال تم ذلك فعلاً.

الأطروحة السابقة، تشير إلى “احتمالية نجاحها” معطيات المشهد السياسي والعسكري على الواقع، كذلك مواقف المجتمع الدولي المترهلة، لكن هذا يبقى في إطار الإيمان بنظرية “المؤامرة” والتعويل على نجاحها. فيما تجدر الإشارة إلى الدور السياسي والعسكري الضعيف للمعارضة السورية ذاتها، والتي بدا أنها ساهمت في تعميق “الأطروحة” في نفسية “الشارع المعارض للأسد” بما حملته من خذلانٍ له، وضعف في القيادة والمبادرة، وتلبية رؤيته.

خبرة المجتمع السوري، بشقيه “الموالي والمعارض”، كفيلة بالإجابة حول “أطروحة ثمن بقاء الأسد”، ولعل تاريخ “مجزرة حماة” التي اكتوى بنار ظلمها، واصطلى بحرارة قهرها من عاش تلك الحقبة، تبرهن مقدار الألم ومآل الدولة السورية على المستوى الوطني والدولي تحت رعاية نظامٍ مستعد لفعل المستحيل أياً كان شكله الإجرامي “ثمناً للبقاء”.

عملياً، الشارع يدرك تماماً أنّ “آل الأسد” ينظرون للشارع نظرة واحدة، لا تميز بين مؤيدٍ أو معارض، بل لا تفصل بين من ينتمي لطائفته أو غيرها؛ فالكل يقع ضمن بوتقة: ((رعيةٌ رعاع))، أو “جراثيم” كما وصفهم الأسد في خطابه “الثالث” نهاية شهر يونيو 2011م. هذه النظرة التي تشير أنّ “النظام المستبد” لم يعتد من “الشارع” إلا الطاعة المطلقة والخوف مع الخضوع التام والخنوع. بل لا ولن يحتمل الخروج عليه، أو سماع اعتراضٍ بسيط؛ ومقولة “لا” مرفوضة تماماً.

بعد تلك المقدمة الطويلة لأطروحةٍ شغلت الشارع، وما تزال، فإن “ثمن بقاء الأسد”، ليس العودة إلى الوراء بعقارب الزمن، وإنما المُتَوقَّع كارثة على المدى البعيد وطنياً، كيف ذلك؟

ميدانياً الأمور خارجة عن سيطرة “نظام الأسد”، ولعل تعدد “المسميات العسكرية” و”الفصائل الطائفية” المشاركة في القتال إلى جانبه اليوم، سوف تتحول معها سورية إلى مستنقع موحل في الغد، ما يعني أن استتباب الأمن لصالح “الأسد” سيحول هذه “المرتزقة” إلى “مزيد من العنف” و”الانتقام”، بحجة “محاربة جيوب الإرهاب”.

يمكن إجمال الفاتورة إذاً بالمحاور الثمانية التالية، والتي تمثل إلى حدٍّ ما الثمن المدفوع لاستمرار نظام ديكتاتوري في حكم دولة بأهمية “سورية”:

  • الثمن الأول: تحول الجيش الوطني إلى “ميليشيات” تسعى للانتقام:

المشهد على الأرض سوف يكون ضمن إطار التصفيات الجسدية اليوميّة، مع انتشار عصابات القتل، ما يمهد لفوضى في مفاصل الجسم الإداري والمجتمعي للدولة.

  • الثمن الثاني: خسارة بحق “العدالة، المساواة، الحرية”:

انعكاس الصورة السابقة على المجتمع السوري لن تكون محدودة، والواقع اليوم في ظل “حرب الأسد” على “الشعب والدولة” أفرزت “غياباً للعدالة، والحرية” في ضوء الفوضى القائمة، وتغيّرت حتى المعايير الوطنية الثابتة، فبتنا على سبيل المثال نرى الرايات والأناشيد الطائفية في الطرقات، بدل الأناشيد التي تمجِّد “الدولة السورية”، من الجانبين. كما سوف يفرز الواقع –وأفرز عملياً-مفسدين جدد، العلامة الفارقة عن أسلافهم هي “اعتبارهم الدماء المدنية رخيصة”. بالتالي ثراء هؤلاء –المفسدين الجدد-سوف يعيق ويلغي “العدالة الاجتماعية” ويمنع مستقبلاً “تقاسم الثروة”، وبما أنّ مبنى الثراء قائم على التحول “الطائفي” وربما المحاصصة، فإنّ تفرد الأقلية سوف يعطل “العدالة السياسية” أيضاً.

  • الثمن الثالث: التحول الشعبي إلى حالة “القطيع”:

انتصار “الديكتاتورية” تعني اجتماعياً وسياسياً، انتقال الشعب السوري إلى “قطيع” يقوده “الأقوى”، وليس شرطاً أن تحكمه “أسرة الأسد”، فالواضح أن الحاكم الفعلي هي أجندة احتلال خارجية، سوف تلعب دور القائد “المستبد”، و”نظام الأسد” الأداة، والضحية “شعبٌ مغلوب”.

ما يعني تحول شعارات “الإنسانية” إلى خزعبلات وفقاعات، إذا ما أخذنا بالحسبان أن العالم سوف يتصالح مع “نظام الأسد” ويمنحه “الشرعية”.

هنا نسأل، “من سيحاسب مجرمي الحرب، من الطرفين؟” فلعل “بعض المعارضة العسكرية” تدخل تحت عباءة الأسد، وتلتحف بحصانته، بالتالي ضياع الدماء.

  • الثمن الرابع: تأجيل كل مشروع وطني سوري:

هو نتاج تضافر العوامل السابقة. ولسوف يفضي إلى “قتل أيِّ أملٍ بنهضة البلاد”، باعتبار غياب “المفكرين والمثقفين” الذين لن يجدوا لهم موطأ قدم في “دولة الأسد”.

  • الثمن الخامس: نظام تحت عباءة الاحتلال:

الفوضى التي تشهدها الأرض السورية، لا يمكن ضبطها إلا عبر وسيط قوي، وبما أنها نتاج “طائفي” في بعضها، فالثمرة أنّ “سورية” ستكون خصبةً للتغول من هذا الباب من طرف “المحتلين”، فيما عدا لو كان بقاء الأسد ضمن رعاية وتوافق بين “واشنطن” و”موسكو”، في هذه الحال فقط يمكن الحديث عن تقليم أظافر آل الأسد، وتقليع بعض أنيابهم، والعمل على تحويل منصب “الرئاسة” إلى “منصب فخري بلا صلاحية، بانتظار البديل. بمعنى آخر، سورية تكون تحت الوصاية، والقرار الوطني في دائرة النسيان.

بالمقابل، النفط السوري، لن يكون للسوريين، ويذهب ريعه للخزينة الأمريكية؛ كجزء من تسديد فاتورة البقاء. وهذا يمكن قراءته من خلال التقرير الذي نشرته “ذا دايلي بيست” حيث نقلت فيه، عن مصادر أميركية، قبول واشنطن بقاء “الدكتاتور بشار الأسد في السلطة”، وهذا يعكس بدقة موقف إدارة الرئيس دونالد ترامب.

  • الثمن السادس: صراع الضباع:

مشهد تقاسم الكعكة، في مرحلة كهذه يمكن أن يكون “الاحتلال الروسي” صاحب اليد العليا، أما “طهران” فتمددها “دعوي” لنشر مشروعها في المنطقة، لنشهد تقويض جديد لبقايا الاستقرار على يد المخابرات الإيرانية، بالتالي، نحن أمام مشهد تصفيات بينية أيضاً بين “المحسوبين على طهران”، والمحسوبين على “نظام الأسد” وهؤلاء الفئة الأضعف دون شك.

موجة صراع بين الضباع التي ظهرت منتصرة في المعركة، سوف تحدد مستقبل المنطقة انطلاقاً من سورية.

  • الثمن السابع: تمدد المشروع الفارسي في المنطقة:

الصراع العربي – الفارسي الذي ارتدى لبوساً “طائفياً”، سوف يتجدد بقوة، فالمهزوم في المعركة هم أعداء “إيران” بشكلٍ أو بآخر، والحصيلة، سيطرة كاملة للإيرانيين على “العراق” وبداية اهتزاز حكم “آل سعود” و”الأردن” وبالطبع “آل خليفة في البحرين”، وكذلك “اليمن”.

  • الثمن الثامن: سورية دولة الكانتونات:

سيناريو محتمل ويمكن إضافته لفاتورة “بقاء الأسد”، ما يعني نسف وحدة الأراضي السورية، واشتعال حرائق تغيير في المنطقة تبدأ بصراعات على ترسيم الحدود. ولا ينتهي عند حدود معارك إثنية أو طائفية تعود للواجهة مجدداً.

ثمن بقاء “نظام الأسد” سوف يسدد على حساب الدولة السورية، ويمثل في نهاية المطاف، التحول باتجاه “الدولة الفاشلة” على كافة الأصعدة، وبما تحمل هذه الكلمة من معنىً.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر كتاب طبائع الإستبداد العربية الحياة
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend