جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

فوبيا الزواج (2)…. مشاكل الآباء يرثها الأبناء

الأيام السورية؛ حليم العربي

“الحب الحقيقي ليس لأولئك الذين يشبهوننا، بل لأولئك الذين يكملوننا، ثمة نقص فينا لا يعوضه إلا شخص واحد جوعٌ لا يسدّه إلا شخصٌ واحدٌ، عطشٌ لا يرويه إلا شخصٌ واحدٌ، ثمة شخص تبدو دونه ناقصاً مهما حاولت أن تتظاهر بتمامك، دونه تبدو مثل لعبة الأحجية، صورةٌ ينقصها قطعةٌ واحدةٌ صغيرةٌ لتكتمل وتغدو أحيانا تلك القطعة أهم من بقية الصورة” بهذه الكلمات اختصر الشاعر أدهم الشرقاوي سعي البشر لإكمال صورهم وشخصياتهم بالزواج.

تستحضر فئة أخرى صوراً سوداويّةً موروثةً أو مقتبسةً من قصصٍ وحكايات حب فشلت بعد الزواج، وتحوّلت إلى جحيمٍ لا يطاق، قصص عائلات من عالمنا شوّهت مشكلاتهم هذا العقد وصوّرته كجحيمٍ يحرق كلّ من اقترب منه.

يعيش الأطفال في البيوت التي تعاني من مشاكلٍ عائليةٍ بين الوالدين ويتربّوا ويكبروا على قناعاتٍ سوداويّةٍ جرّاء مراقبتهم للأحداث والمشكلات اليومية. يتصوّر الابن أنّه سيكون كذلك الأب الغاضب مكفهرّ الوجه الذي يحوّل المنزل لمعتقلٍ إذا دخله السجان. بينما تتصوّر البنت نفسها كأمّها مقموعةً باكيةً أو غاضبةً، يسمع صراخها كلّ البيوت المجاورة ليعيش الأولاد في عقدة الخوف قد تتحوّل لفوبيا الزواج جرّاء تلك التصورات.

تكمن المشكلة في عدم القدرة على تفهّم موقف الطرف الآخر، وعدم قدرة الآباء على التعامل مع خلافاتهم الزوجية كلّ حسب درجته وأهميته. فتتراكم تلك المشاكل التي يسهل حلّها في البداية لتكبر وتسبب المزيد من المشكلات الأكثر تعقيداً؛ والتي ما كانت لتتفاقم لو ألمّ الزوجان بأصول الحياة الزوجية التي تسودها المحبة والتفاهم وتبادل الآراء. وهناك من يبالغ في ردود الفعل تجاه هذه الخلافات ويعتبرها بداية النهاية لعلاقة لا يمكن حلّها إلا بالطلاق. وتتدحرج المشاكل الهامشية ككرة الثلج من سفحٍ عالٍ وتكبّرٍ دون أن يعي الوالدان خطرها أو سبيل إيقافها، لأنّهما لم يمتلكا الثقافة والعلم الذي يخرجهما من ذلك المأزق.

الخلافات الزوجية أمرٌ لابدّ منه تفرزه التفاعلات والمعاملة اليومية، ويمكن للزوج الناجح أن يدير ذلك الصراع ولا يخرج الأمر من دائرة الحبّ والنصح والتربية، والكلمة الطبية. كما يمكن للزوجة التي تتحلّى بالذكاء العاطفي أن تمتصّ الغضب، وتحوّله لدعمٍ نفسيّ يكرس الحب ويزيد الثقة بهذا الارتباط أمام الأولاد، وتعيد لمّ شمل العائلة حول أب رحيم وعقلاني يحسن التصرف بحكمة متناهية ولا يسمح للوضع بالانفجار. حيث أنّ أولئك الذين لا يفكرون بكبح انفعالاتهم وغضبهم، ويطلقون لأنفسهم العنان غالبا ما يسقطون في أزمات لا يستطيعون الخروج منها، وتتحول لكوارثٍ عائليّةٍ تشتت شمل الأسرة.

هنا تكمن أهميّة دورات التثقيف والتوعية لأولئك الشباب وتصوير الزواج بنعمة من أجلّ نعم الله على خلقه، قال الله تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” [الروم:21]. وإقناعهم أنّ العلاقة الزوجية علاقةٌ متميّزةٌ، ولها المكانة العالية، وتوجيههم إلى كيفية اختيار شريك الحياة بشكلٍ صحيحٍ حيث تكون الأفكار والتوجّهات متوافقةً، وعندما تتباين الأفكار والتوجّهات فيجب أن يحترم كلّ طرفٍ ما لدى الآخر، وعدم إلزامه بالتغيير، مع إمكانية تبادل الأفكار والنقاشات بشأن المواضيع والأفكار التي لا تتعارض مع التوجيهات الشرعية أو العادات الاجتماعية.

كما ينبغي على الزوجين احترام المشاعر المتبادلة فيما بينهما، والبعد عن كلّ ما يجرّحها أو يكدّر صفوها، وخاصةً إن كان على مرأى عيون فلذات أكبادهم أو في الوسط الاجتماعي والعائلي، الإنسان كتلة مشاعرٍ وأحاسيسٍ علينا تقديسها واحترامها.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend