السوريون في لبنان…مأساة إنسانية مستمرة

الأيام السورية| أحمد العربي

 

أولاً. سوريا ولبنان ليسا قطبين متباعدين في العالم. هما جزء من كيان واحد عبر تاريخ ممتد لآلاف السنين، ومنذ الاحتلال الفرنسي قبل أقل من مائة سنه أصبحنا دولتين، ولم نكن يوماً إلا متداخلين اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، فكل صوت يصدر في سوريا له صداه في لبنان، والعكس صحيح.

لم يكن لبنان منذ سبعينات القرن الماضي خارج التجاذب العربي، وخارج معارك الصراع مع (إسرائيل)، فمن احتضانه للثورة الفلسطينية، إلى (الحرب الأهلية اللبنانية)، إلى الدخول السوري للبنان، إلى اجتياح (إسرائيل) له ووصولها لبيروت في ثمانينات القرن الماضي، وإخراج الفدائيين منه، إلى الهيمنة المطلقة للنظام الاستبدادي السوري على لبنان، واستيلاد حزب الله اللبناني وتحوله إلى القوة الأعظم والمهيمنة لبنانياً، إلى مقتل رئيس الوزراء “الحريري” وخروج النظام السوري من الباب اللبناني وبقاؤه عبر حزب الله ومجموع الأتباع الذين استولدهم هناك عبر عقود. في كل ذلك الوقت كان لبنان دولة تابعة موضوعياً وسياسياً للنظام الاستبدادي السوري وعلى كل المستويات.

ثانياً. مع ذلك كان لبنان البلد المجاور لسوريا، الذي يستوعب بعض عمالة سوريا الذين يبحثون عن لقمة عيش، وبعض الهاربين من بطش النظام وقمعه، ونجد هناك من ينصر السوريين المظلومين وإن وضعوا أنفسهم تحت بطش النظام الاستبدادي السوري الذي كان يحكم بلدين عملياً سوريا ولبنان.

ثالثاً. كنا كسوريين ولبنانيين نعيش هذا الواقع الذي علينا التكيف معه، إلى أن جاء الربيع العربي وامتد لسوريا ولقي صداه شعبياً في لبنان.

الربيع السوري الذي واجهه النظام السوري بوحشية؛ مما دفع السوريين لكي يتركوا كل شيء خلفهم ويلجؤوا إلى كل الدنيا وكان لبنان والأردن وتركيا الأقرب ولهم الحصة الأكبر.

كانت بداية اللجوء إلى لبنان كجزء من الحالة الميدانية نفسها، فالنظام الاستبدادي الدموي يقول: أن من لا يخنع يقتل أو فليرحل وكان الباب اللبناني مفتوحاً، وكان النظام اللبناني محرج فهو حليف النظام ولا يستطيع أن يعلن موقفاً معادياً له، وتقبّل طلائع اللاجئين على مضض، لكن استمرار الحالة وتزايد الأعداد دفع كل الأطراف اللبنانية المختلفة أصلاً في السياسة والمتحاصصة للدولة والمجتمع، إلى اتخاذ المواقف المناسبة لكل طرف، والكل قد وجد في السوريين اللاجئين مادة للاصطفاف السياسي والصراع المجتمعي أيضاً.

رابعاً. فالحكومة اللبنانية رفعت الصوت عالياً بأن اللاجئين السوريين الذين وصلوا لما يزيد عن مليون ونصف إنسان شكلوا عبئاً اقتصادياً ومجتمعياً عليها، فهم تجاوزوا الثلث قياساً بعدد السكان، وبدأت تستنجد بالأمم المتحدة والدول المانحة ليساعدها كدولة في مواجهة أعباء اللجوء السوري، والذي حصل أن المنظمات الدولية قد استجابت وأن بعض الدول أيضاً، لكن قليل من المساعدات ما وصل للسوريين، ضاعت في أروقة الفساد والمحسوبيات والحاجات (الوطنية اللبنانية)؟!! التي لها الأولوية. أصبح السوريون مادة لطلب المعونة وهم لا يحصلون منها إلا على القليل.

خامساً. لم يقبل الطاقم السياسي اللبناني كله تقريباً باللجوء السوري في لبنان، فالبعض خاف من استمرار العيش في لبنان والتغيير الديمغرافي فيه، ولبنان المحاصصة الدينية والطائفية لا يحتمل أي تغيير ولو بعد مائة سنة، لذلك عمل على منع السوريين من إمكانية الاستقرار أو البحث الجدي عن سبل العيش، ونعلم أن أغلب من استقر في لبنان والأردن  وتركيا هم الأكثر فقراً؛ وبالتالي لا يملكون من أسباب العيش شيئاً، وأغلبهم استقر في عشوائيات في خيام بدائية وأسباب عيش معدومة، وجعلت هذه العشوائيات موضوع عملت عليه الدولة اللبنانية والقوى السياسية حسب اصطفافها السياسي مع النظام السوري حيث رفضوا اللاجئين واعتبروهم مخترقين بالإرهابيين، وأنهم عامل تخريب سوري لبناني كحزب الله أو تيار لحد الذي أصبح رئيس الجمهورية، أو ممن على مسافة من النظام السوري كتيار المستقبل الذي يرى مشروعية بمطالب السوريين ولكنه بقي على ارتياب من اللاجئين السوريين، وخاصة بعد أن أصبح رئيسه رئيس وزراء لبنان أخيراً ضمن توافقات دولية وإقليمية، كان ضحيتها التواجد السوري في لبنان، خاصة أن بعض القوى العسكرية تغلغلوا بين اللاجئين؛ والأسوأ حصل عندما قامت جبهة النصرة وداعش بخطف بعض عساكر الجيش اللبناني، وأصبح الصراع بين الدولة وهذه المجموعات، وعملياً أصبح الصراع منصبّاً على اللاجئين السوريين حيث هم في عرسال وغيرها في كل مناطق العشوائيات لأهلنا الضحايا كل الوقت.

سادساً. مع توالي السنين على مأساة السوريين اللاجئين في لبنان وغيره، ومع زيادة عبئهم على الدولة اللبنانية ؟!!، ووجود غطاء دولي وإقليمي لحل يعيد إنتاج النظام السوري، ويريد أن يقدمه بصفته الحل الأنسب في سوريا، قياساً بداعش أو النصرة المصنفتين دولياً إرهابيين، وفي مواجهة الثوار الذين استضعفوا ووضعوا في موقع الدفاع عن النفس في مناطق تخفيف التصعيد كمقدمة لحل بعيد المدى أو تقسيم فعلي لسوريا. في هذا الظرف قدم النظام الاستبدادي السوري بصفته الحل ليعود الناس (لبلد الأمان)؟!، ليعودوا إلى أملاك سيدهم النظام؛ كعبيد تحت كل احتمال القهر والهدر بما فيه القتل، وكان للدولة اللبنانية وجيشها وأغلب قواها السياسية وخاصة حزب الله المنغمس في الدم السوري دور في ذلك، فعملوا على تحويل حياة أهلنا اللاجئين إلى أقرب للجحيم، فلم يكفهم انعدام الخدمات، ومعاملة الذل، وتوريطهم في الدعارة والرقيق الأبيض والمخدرات وبعض عصابات الرذيلة، فقد بدأوا حملة جديدة مدروسة على هذه العشوائيات المسماة (مخيمات) عبر افتعال حرائق تأكل كل شيء من أسباب الحياة البسيطة لأهلنا، ثم يتبعها هجوم مسلح واعتقالات عشوائية تنتهي بنكبة الناس بالقليل الذي يعيشون به وباعتقال أبنائهم ورجالهم، ليعيدوا بعضهم مقتولاً تحت التعذيب (بحجة أنه قضى من المرض أو الحرارة)؟!!، ويحول البعض إلى السجن ومحاكم الإرهاب فأولادنا كلهم إرهابيين حتى يثبت العكس. كل ذلك ضمن حملة لدفع الناس للعودة إلى مناطق سيطرة النظام وليتلقوا مصيرهم الأسوأ. على قاعدة أن لا حل آخر.

سابعاً. نعم إن بعض السوريين استطاعوا أن ينغرسوا في التربة اللبنانية، ويجدوا ببعض الشعب حاضنة لهم خاصة من يمتلك مهنة ما يعمل بها أو بعض المال يعتاش ويعمل به، لكن ذلك لا يغير من حقيقة الصورة العامة التي ذكرت سابقاً.

أخيراً. شعبنا السوري اللاجئ في لبنان مستباح الآن هناك، والعالم كله صامت فالبعض يعتبر ما تفعله الدولة اللبنانية من أعمال السيادة فهي تريد أن تحمي نفسها من الإرهاب، والبعض يرى ذلك مقدمة لعودة السوريين (كقطيع إلى بيت الطاعة) عند نظام استبدادي قاتل، والبعض يراها أعمال حماية ذاتية من احتمال توطين السوريين في لبنان وتحولهم لمشكلة سياسية واجتماعية واقتصادية. وبكل الأحوال أهلنا السوريين هم الضحية، ومطلوب منا موقف -كسوريين-ننتمي للشعب والثورة: أن ننتصر لأهلنا هناك على كل المستويات؛ فالقوى السياسية من ائتلاف وهيئة عليا عليهم أن يبادروا لتوضيح الحقيقة لكل الأطراف الدولية والإقليمية، حقيقة عملية الاقتلاع والهدر والقتل بحق السوريين في لبنان، كذلك علينا أن نعمل مع كل منظمات المجتمع المدني والمنظمات الإغاثية لدعم أهلنا بأسباب الحياة مهما كانت متواضعة.

والأهم علينا أن ننتصر لثورتنا وشعبنا ونسقط نظام الاستبداد ونحرر بلادنا ونبنيها ونعيد إليها حقوق الناس جميعاً: الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة والديمقراطية حقوق وأهداف ما زال مطلوب منا أن نعمل لها ونحققها… عندها سيعود شعبنا المشرد في بلاد الدنيا كلها إلى وطننا سوريا لنعيش فيها إنسانيتنا دون أي نقصان.

 

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend