خيمة محروقة

مئات الالوف من اهلنا السوريين على عزة نفوسهم و استعاضوا عن الخشب و الحجارة و الطين، و كل ما تقدمه الحياة بكرمها، استعاضوا عنها بخيمة تعكس أنانية و بخلاً و لا ترد بردا و لا تقي من حر و لا تحمي خيطانها خاصرة من طعنة غادرة.

الأيام السورية| د. سميرة مبيض

بنى الإنسان اول منزل له على هذه الارض عندما أراد الاستقرار بعد ان اكتسب مهارات تتيح له ضمان استمرارية الموارد في إطار مكاني ثابت عبر الزراعة وتدجين الحيوانات ولم يعد بحاجة حينها للترحال و تحول الى كائن منتج.

بدأ مع بناء المنازل البشرية تشكل نواة المجتمعات الإنسانية كما نعرفها اليوم منذ ما يزيد عن اربع عشر ألف عام عن يومنا هذا.
لم يحتج الانسان الأول حينها الّا الى ما يحيط به من مواد تؤمنها الطبيعة ليبني مسكناً بتعريفه البسيط، مكان يحتمي به يحمي أطفاله من الوحوش الضارية والعواصف الغاضبة ويشعر بداخله بالأمان ليستريح دون خوف و لو كانت جدرانه من عظام فيلة الماموث او احجار بزوايا غير مشذبة.

يحضرني اليوم هذا الحدث التاريخي، بناء أول مسكن بشري، و الذي شكل ثورة في تطور حياة الانسانية في زمن نشهد معه نقض الحق الأول للإنسان بإيجاد بيت يأويه و يؤمن له الحد الأدنى من الحاجات الأساسية بالأمان و الراحة و الخصوصية تحت وطأة التراجيدية السورية و الضياع على هوامش الحدود تحت مسمى اللجوء.

وطأ مئات الالوف من اهلنا السوريين على عزة نفوسهم و استعاضوا عن الخشب و الحجارة و الطين، و كل ما تقدمه الحياة بكرمها، استعاضوا عنها بخيمة تعكس أنانية و بخلاً و لا ترد بردا و لا تقي من حر و لا تحمي خيطانها خاصرة من طعنة غادرة.

تخلوا عن حقهم الطبيعي بالسكن في منازل و هو حق لم يتخل عنه انسان منذ آلاف السنين، و ذلك طموحاً منهم بعودة كريمة لأرضهم و رزقهم و كل ما بناه آباؤهم و أجدادهم.
فباتت ابواب المشافي مغلقة بوجه الحوامل و أبواب المدارس مغلقة بوجوه الاطفال و ابواب العدالة مغلقة بوجه المظلوم و حتى أن أبواب المقابر قفلت في وجوه الجثامين و كأن السوريين خرجوا من نظم الانسانية بخروجهم من ابواب بيوتهم و ارتضائهم على مضض، بخيمة.

خيمة لم تدُم هي الاخرى فحرقت بالتطرف و التعصب و العنصرية و الارهاب المستتر قبل ان تُحرق بنيران حقيقية. و يعود الظرف بالمهجرين قسرا من منازلهم الى عصور سحيقة لا يملك فيها الانسان سقف و لا مورد و لا ضمان بل الى اسوأ من ذلك فلا حق لهم بلملمة عظام و حجارة و اغصان لبناء جدران منزل يأويهم.

فهل ندعهم يعودون لتلك العصور السحيقة في تباين زمني و حضاري لا صلة له بواقع اليوم ثم نلومهم على فوضى الم و جهل و غضب تنجم عن واقعهم، أم نغير هذا الواقع الذي نتقاسم مسؤوليته جميعنا كأفراد في هذا المجتمع الانساني الذي سمح ببروز مسخ كنظام الاسد و ما نتج عنه من امراض مجتمعية نراها تعوم اليوم واحدة تلو الاخرى.

أليس الاصطفاف بديهيا بجهة المستقبل ومصلحة الاجيال القادمة واعادة بناء الانسان و كامل المنظومة الاخلاقية التي حطمها الاستبداد لعقود. اليس الحل في عودة الملايين من السوريين لأرضهم و استبعاد فئة قليلة باعت نفسها للأسد ممن اجرموا بحق الانسانية جمعاء و باتوا مصدرا لدمار المنطقة و امتداد التطرف بها.

يبدو ذلك بديهيا لمن يبحث عن حلول حقيقية لمأساة السوريين و دعم الأمان و السلم في المنطقة و العالم معتمداً على الحق و العقلانية بينما يستمر الآخرون بنشر العنف، بتعزيز التطرف و بسياسة الخيمة المحروقة.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend