جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

الربيع الإسرائيلي في الشرق الأوسط

خاص بالأيام - حليم العربي

استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية خطف الربيع العربي، وسوقه مكبّلاً إلى خزانة المصالح الاسرائيلية، وتركت المناطق التي اندلعت فيها ثورات الربيع العربي صفيحاً ملتهباً كلّما برد أوقدت تحته نار فتنةٍ طائفية وأثنية أخرى، لتتحوّل البلاد العربية وما حولها إلى جحيمٍ يصعب العيش فيه ولقمةٍ سائغةٍ بيد اللاعبين الكبار.

فصلٌ جديدٌ من فصول التاريخ تدخله المنطقة هذه الأيام، أبرز ما فيه  إعادة تشكيل المنطقة من جديد، بعد عملية فكٍّ ممنّهجة، عملية أشبه بــ”سايكس بيكو” التي انتهت صلاحيتها، وحان عرض المنتج الجديد الذي يهدف لتقسيم كلّ دول المنطقة وتنفّذ القادة أدوارها وفق المخططات التي تتسرب من مشاريع الدول العظمى لتصبّ جميعها في صالح إسرائيل.

لم يستطع الخليج العربي بدوله المتعاونة البقاء بعيداً مفضلاً المتابعة من بعيد كما كان سابقاً؛ بل انجرّ لهذا المستنقع مكرهاً وبقوةٍ إثر زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمنطقة التي بدأها بزيارة السعودية يوم السبت 20مايو من هذا العام، حيث خلطت زيارة ترامب الأوراق ببعضها البعض، وبدأ التصعيد بين دول التعاون الخليجي مع زيادة نهم التسلّح، ودخل الخليج أزمته ببعض المطالب سرعان ما تحوّلت إلى إملاءات، وأعطيت أخيراً  قطر مهلةً لتطبيق ما طلب منها مقابل عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل زيارة ترامب.  دخلت مصر بقيادة السيسي أيضاً هذا الحلف تأييداً لدول الخليج ضد قطر المتهمة بدعم الإرهاب والتطرف في المنطقة إضافة لعلاقتها الجيدة بإيران والحرس الثوري على حساب الخليج العربي.

يبدو أنه لا تراجع في قرارات دول الخليج العربي ضد الشقيقة قطر، لقد قطع الأشقاء علاقاتهم الدبلوماسية، وأطبقوا عليها حصاراً جوّياً وبريّاً وبحرياً، وطردوا رعاياها من الدول الثلاث في مشهدٍ مهين يحزّ في نفس كل عربي.  أحدثت هذه الاجراءات جرحاً في الخليج العربي من الصعب أن يلتئم، جرح ينذر بدخول المنطقة في نفقٍ مظلمٍ بالتوازي مع الحرب الأهليّة التي تعيشها العراق وسوريا، وتهدد جميع دول الجوار بالتشظي والتفتت الذي تسعى إلى تحقيقه الولايات المتحدة الأمريكية، لتعيد رسم المنطقة من جديد. من ناحية أخرى تحاول روسيا الحفاظ على مصالحها في المنطقة مهما بلغ أعداد القتلى، وذلك بإصرارها على التمسك بحلفائها من الحكام المجرمين وإبقائهم على عروشهم.

تقف الجارة تركيا عاجزةً أمام المسارين وعليها الاختيار بين أهون الشرين، فإما تحضر في الأستانا مع المعارضة السورية وتساهم  بجدية في التهدئة ودعم المناطق الآمنة، مقابل عدم السماح للانفصالين الأكراد بإقامة كيانهم الذي سيكون العنوان الأكبر لتقسيم المنطقة برمّتها. أو على تركيا العودة صاغرةً إلى الحضن الأمريكي المريب التي جرّبته خلال السنوات الأخيرة، وهي التي لم تتعافَ بعد من آثار الانقلاب الذي دعمته الولايات المتحدة الأمريكية على أراضيها بزعامة فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، حتّى أنّه ورد ذكر تركيا في بندين من الشروط المفروضة على قطر، التي تحاول إنهاء الوجود العسكري التركي، وإغلاق القاعدة التركية في قطر لتكون تركيا حاضرة في أزمة الخليج، وكأن كاتب سيناريو المسلسل يقول لمتابعيه أنّ الأزمة واحدة في كلّ المنطقة. خلاصة الأمر يكمن بأنّ المستهدف الحقيقي هي كلّ شعوب المنطقة، على الجميع الخنوع للإملاءات الأمريكية والتقسيم وفقاً لمصالح الاثنين الكبار.  الأهم في كل السيناريو هو تحويل إسرائيل من عدو إلى حمامة سلام تراقب تحقيق حلمها وتنظر من بعيد إلى تشظي هذه الدول الذي طالما سعت إليه.

يقف الجميع بانتظار انتهاء المهلة التي حدّدتها دول الحصار على  قطر، من أجل الاستجابة للإملاءات الأمريكية، أو بدء التصعيد من جديد، لتدخل المنطقة والشرق الأوسط في دوامة أخرى من صراع طويل بين الأشقاء قد لا يكون عسكرياً ولكنه دون أدنى شك مرهق اقتصادياً ومدمر لمجتمع الوحدة الخليحية.

الحقيقة المؤلمة أننا سنترحّم على سايكس بيكو والحدود التي رسمتها منذ قرن مضى.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر زيارة ترامب للمنطقة الأستانا الحصار على قطر
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend