جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

حين تختلط التخوم

يقولون : شرّ البلية ما يضحك، ونحن نعيش أسوأ أنواع البلايا، والمصيبة الأكبر أننا نتنفّسها، ونشاهدها على مرأى العين، وبما يشبه اللمس، ونحن في مواقع يفترض أنها مسؤولة، ومعنية بالثورة، ومصير ومستقبل الوطن.

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

أسئلة من العيار الثقيل تقتحم وعينا، وتاريخنا، وضمائرنا.. حول الذي يجري لبلدنا أمامنا، وحول دورنا ومسؤوليتنا، وهل يمكن أن ننفي أننا جزء من هذا المآل؟، وأننا أسهمنا، بشكل مباشر، أو بالنتيجة فيه ؟.. وبالوقت نفسه :

ـ هل جلد الذات بأية أسواط هو الحل ؟..

ـ هل اقتحام ميدان النقد والنقد الذاتي والمراجعة والمكاشفة هو السبيل الذي يمكن أن يشكل بديلنا، أو مخرجنا مما نحن فيه ؟؟..

ـ هل إلقاء اللوم، كله، على الآخر : الداخلي، أو الخارجي، ولغة البكائيات والتسول والتوسّل منجاة؟، أو هل يضع ذلك بين أيدينا سلاح مواجهة الوقائع، وتمكيننا من فعل شيء يليق بالثورة، وتضحيات شعبنا، ويضعنا في قلب المعادلة رقماً مهماً، أو صعباً لا يمكن تجاوزه، ولا تهميشه ؟؟…

ما يجري فعل خطير على الأرض . حدود ومناطق نفوذ متفق عليها، وأخرى يجري الاقتتال، أو التنافس للاستحواز، في عملية أشبه بسباق الغزوات، ونحن خارج العملية، و”التهمة” التي صرنا نسمعها بتكرار : المعارضة غير مهيّأة لتكون البديل !!!..

نظرياً جميع التصريحات مشبعة التأكيد على وحدة سورية جغرافياً، وسياسياً، ومثلها قرارات الشرعية الدولية، والعناوين المرفوعة لدى أصدقاء الشعب السوري وغيرهم، وعملياً فإن ما يجري على الأرض مخالف تماماً حيث تتموضع مناطق نفوذ يمكن أن تبقى دائمة، وتشطر بلادنا إلى أقسام يصعب على أي خبير توقعها .

ـ “تقرير راند” قبل عامين، على سبيل المثال تناول إيجاد أربعة مناطق نفوذ، حددها جغرافياً، والجهات المشرفة عليها.. وهي اليوم تتموضع فعلاً، والخلاف حول بعض المناطق وتبعيتها، كالجنوب مثلاً، والبادية السورية، وشرق الفرات.. وصولاً للمنطقة الشرقية برمتها .

ـ بواقع الحال، ووفق التصريحات الرسمية التي تفقأ عيون أي رهان على الحل السياسي ، فإن الأولوية التي لا تقاربها مهمة أخرى، هي محاربة الإرهاب، وبما يعني أن الحل السياسي، عبر جنيف أو غيره، أو من خلال إيجاد مسارات ومسارب جديدة كالأستانة والجنوب.. مؤجل إلى زمن غير معلوم.. أي ستبقى الأزمة السورية بكل تفاعلاتها الدامية والتدميرية مستمرة، بل ومتفاقمة حتى ينتهوا من حربهم للإرهاب التي لا أحد يعرف كم ستستغرق من وقت، وكم ستحمل معها مزيد الضحايا من المدنيين، وتدمير جلّ ما تبقى في تلك المناطق التي ستكون ساحات حرب ومواجهة .

ـ الآن تتضح معالم مناطق نفوذ، بينما تختلط التخوم حول بعضها، يتعلق الأمر بالمنطقة الشرقية : دير الزور وما حولها، وصولاً للبادية السورية، وامتداداً إلى الجنوب، بينما يجري تداول من يشرف على إدلب حيث ترفض إيران أي وجود تركي، بينما ” لا تمانع” بوجود روسي، وبما يعني أن إدلب القادمة قد تقع ضمن ما يعرف ب”سورية المفيدة” التي ستشمل مناطق حماة وشمالها ..

في النقاشات الكثيرة التي تجري هذه الأيام بين عموم السوريين عبر تشكلات وغرف مختلفة، وعلى صعيد الائتلاف يقتحم السؤال الكبير بتفرعانه ومثقلاته :

ـ  أين نحن من الذي يجري؟..

ـ وهل يمكن لنا أن نمارس حقنا في تقرير مصير بلادنا؟، أم أن الأحداث تجاوزتنا؟، وكيف السبيل ؟..

ـ الآن وعلى أهمية المراجعات الجدّية، ونقد الذات، وتحميل هيئات المعارضة، وتركيبتها، والعَسكرة ومنتجاتها مسؤولية رئيسة في وصول الأمور إلى ما نحن فيه ..

ـ أو استعراض مواقف الدول الخارجية : الشقيقة منها والصديقة، والمحسوبة على أنها أصدقاء الشعب السوري، وما قامت به من فعل أدّى إلى خذلان الرهانات عليها، وإلى نوع من تواطؤ البعض..

ـ فإن المطلوب شيء آخر يتجاوز المراجعة، وتحميل المسؤوليات إلى محاولة فعل شيء يليق بالوطنية السورية، ويرضي ضمائر المؤمنين بالثورة، والمنتمين إليها بحق . شيء يتعلق بكل المقوّمات والمهام التي توفر قاعدة صلبة لاسترداد القرار الوطني، والاعتماد الأساس على الذات وقدرات السوريين، وبناء علاقات ندّية، واستراتيجية مع الأشقاء والحلفاء الصادقين مع القضية السورية، وصولاً إلى اقتحام المفروض علينا والدخول إلى صلبه عاملاً مؤثراً، وقادراً على حماية مصالح سورية، ووحدة شعبها، وأرضها وكيانها السياسي.

ـ السيد رياض سيف يتحدث عن ذلك بمثابة المعجزة، لكنها المعجزة القابلة للتحقيق حين تتوفر الإرادة، والنيّة الصادقة على العمل، والمهام البرنامجية الممكنة التحقيق، ويعتقد جازماً أن الشعب السوري الذي حقق ما يشبه المعجزة بعد الاستقلاق، خاصة سنوات الخمسينات، يملك من الطاقات، والأفكار، والوسائل التي يمكن أن تحقق هذه المعجزة في الظرف الحالي، خاصة وأن شعبنا رغم كل المآسي، ووسائل القتل والتدمير، واجتماع قوى كثيفة وعديدة ضد حقوقه، واستخدام شتى أنواع الأسلحة ووسائل القهر.. لم تنجح في وأد الثورة، أو في لجم تصميمه على انتزاع حقوقه في إنهاء نظام الفئوية والاستبداد، وإقامة النظام البديل : الدولة المدنية الديمقراطية، دولة الحق والعدل والقانون والمساواة بين جميع المواطنين بلا استثناء، وأن هذا الخيار الذي لا فكاك منه يجب أن تساعده فيه الهيئات الممثلة للثورة، خاصة الائتلاف باعتباره الجهة الأوسع تمثيلاً، والأكثر خبرة وتجربة، والذي يلقى اعترافاَ شرعياً من الجمعية العامة للأمم المتحدة، والجامعة العربية ومن عشرات الدول .

ـ إن النجاح في الانتقال من الانفعال إلى الفعل، ومن التشتت إلى الوحدة بين العسكري والسياسي، ومختلف مكونات المعارضة، وفعاليات الثورة في هيئات المجتمع المدني، والأهلي، وتغيير الخطاب بآخر يتجه إلى جميع فئات الشعب السوري كأبناء وطن واحد، وشركاء في المصير والمستقبل، والتمييز بين الكتلة المحسوبة على النظام، إلى هذا الحدّ أو ذاك، ولخلفيات متعددة، عن رموز القتل الملوثة أيديهم بالدماء، أصحاب قرار الإبادة والكل الأمني.. إنما سيكون خطوة أولى في مجموع خطوات متلاحقة يمكن لها أن تثمر في حشد جهود الجميع، واصطفافهم في خندق الوطن..

حينها يمكن للتخوم أن تتضح..

ويمكن للسوريين أن يقرروا، بشكل رئيس، مصير بلادهم ومستقبلها.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر http://www.strategy-watch.com/
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend