جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

السوريون في تركيا

واقع الحال…وآفاق المستقبل…

الأيام السورية؛ أحمد العربي

أولاً. إن الحديث عن السوريين في تركيا مهم دوماً، فهم فيها أكبر نسبة تواجد للاجئين السوريين في أي بلد مجاور لسوريا أو في دول العالم، فعددهم يزيد عن ثلاثة ملايين ونصف إنسان، ومهم الحديث الآن لأن السوريون في تركيا مستهدفون في هذه المرحلة؛ كما الدولة التركية وحزبها الحاكم العدالة والتنمية نصير الشعب السوري الأكبر في تركيا، وبالتالي فإن متابعة شأن السوريين في تركيا مهم دوماً وعلى كل المستويات.

ثانياً. من البداية ومنذ تحول النظام الاستبدادي السوري لمرحلة العنف الوحشي ضد الشعب السوري الثائر، فأغلب الناشطين المستهدفين، وأغلب المواطنين العاديين الذين كانوا ضحية العنف الأعمى الوحشي وخاصة المناطق المحاذية لتركيا، قد التجأوا إلى تركيا حيث فتحت لهم الأبواب واستوعبتهم في بنيتها المجتمعية والاقتصادية وعبر المساعدات وفرص العيش وبناء الملاجئ، ولم تغلق حدودها بوجههم إلا عندما أصبحوا عبئاً عليها وجزء من سياسة (الإغراق بالبشر) التي اعتمدها النظام وأعوانه، وعدم قبول أوروبا أن تأخذ حصتها من اللاجئين السوريين، وسرعان ما ساهمت تركيا بدفع أوروبا لتستقبل بعض اللاجئين السوريين وتساهم بالمسؤولية المادية عنهم أيضاً، وساهمت وتساهم بمساعدة اللاجئين السوريين على الشريط الحدودي السوري المحاذي لتركيا وخاصة مناطق سيطرة الجيش الحر كجرابلس وجوارها.

إن الكلفة المالية التي ساهمت بها تركيا بآخر إحصاءاتها تتجاوز السبعة مليارات دولار، وهذه أكبر تكلفة لأي دولة ساعدت الشعب السوري بمحنته التي هو فيها.

ثالثاً. لم تخف الدولة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية، انحيازها للشعب السوري وحقوقه المشروعة بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية في مواجهة النظام الاستبدادي الوحشي، وأصبحت مركزاً حقيقياً للقوى الداعمة للثورة السورية، وكذلك موقعاً دائماً للثوار السوريين ولإمدادهم على كل المستويات، وكذلك موقعاً للنشاط السياسي الذي يعبر عن ويمثل الثورة السورية، كالمجلس الوطني بداية ثم الائتلاف وكل المناشط الأخرى، وأن هذا الانحياز للشعب السوري وثورته قد جيش كل الأعداء ضد تركيا؛ فروسيا بداية صعدت ضد تركيا بعد إسقاط طائرتها ولدعم النظام، واستطاعت تركيا تجاوز الأزمة مع روسيا لكن الاصطفاف مستمر، وكذلك إيران ودعمها الدؤوب للنظام السوري والمجموعات الإرهابية سواء داعش أو ال ب ك ك ضد تركيا، وكذلك الغرب وعلى رأسه أمريكا التي بدأت تلعب ورقة الأكراد داخل تركيا ال ب ك ك وفي سوريا ال ب ي د امتداد ال ب ك ك؛ وذلك لإخضاع تركيا وجعلها جزء من سياسة الغرب المتأرجحة والغير متوازنة والتي تلعب على الوقت، وإنهاك الأطراف جميعاً بما فيهم تركيا، وترك الصراع مستمر وتجني أمريكا ثماره وتدخل دول المنطقة وشعوبها في نفق الحرب المستدامة.

رابعاً. ولا يخفى على متتبع الوضع التركي منذ استلام حزب العدالة والتنمية الحكم على مدار خمسة عشر عاماً، أنه لم يكن على توافق مع الغرب وعلى رأسه أمريكا، ولا على توافق مع روسيا وإيران وحلفهما الاستراتيجي مع النظام السوري، ولذلك كانت تركيا مستهدفه دوماً أن يتم إسقاط تجربتها الرائدة والناجحة مجتمعياً واقتصادياً وعلى كل المستويات، وسعى الكل تقريباً لضرب التجربة التركية لحزب العدالة والتنمية، فدعم ال ب ك ك الحزب الانفصالي الإرهابي وإعادته للعمل العسكري ضد مصلحة تركيا، وكذلك دعم ال ب ي د في سوريا ضد مصلحة تركيا بخلق كيان إرهابي انفصالي جوارها، وكذلك دعم داعش وخلاياها النائمة وأعمالها الإرهابية، وكذلك التجييش الدائم عند كل استحقاق انتخابي كانتخابات مجلس الشعب أو الرئاسة التركية، وكان آخرها الاستفتاء على الدستور. وكان أسوأ عمل كاد يطيح بالتجربة الديمقراطية التركية؛ هو الانقلاب الذي قام به الكيان الموازي وأدواته، لكن الدولة والشعب التركي كانا بالمرصاد لكل هذه الأعمال، واستطاعوا أن يواجهوها ويسقطوها ويكونوا أقوى وأصلب.

خامساً. رغم كل ذلك ومع مزيد من سيطرة الدولة التركية بحزبها الحاكم حزب العدالة والتنمية على مفاصل الدولة ومحاربة إرهاب داعش وال ب ك ك والدور المساعد للجيش الحر في سوريا، واستئصال الكيان الموازي (جماعة فتح الله غولن) من الدولة والقضاء والصحافة والتعليم وإحالتهم للمحاكم العادلة، لم ييأس أعداء الشعب التركي وتجربته الرائدة والناجحة، فقد اعتمد على بعض السياسيين الأتراك ممن هزموا في المنافسة الديمقراطية، وعملوا على خلق فتنة اتجاه الوجود السوري في تركيا…

خامساً. للأسف كان الوجود السوري في تركيا ومنذ البداية موقعاً للاستثمار السياسي بين الأطراف، فحزب العدالة والتنمية الحاكم اعتبر الوجود السوري قضية إنسانية، واعتبرنا كسوريين ضيوف وقدم كل أسباب الدعم وعلى كل المستويات، وعمل على دمج السوريين في كل مناحي الحياة.

الكل تقريباً يعمل والكل يتعلم، والكل تحت الرعاية الصحية، ووعد أيضاً بأن يدرس الحالات التي من الممكن أن تحصل على الجنسية وحدد مدة زمنية لذلك وشروطاً ممكنة التحقق للوصول لدرجة المواطنة التركية.

واعتبرت بالمقابل بعض أحزاب المعارضة ذلك يضر بالمصلحة القومية التركية، وأن هذا الدعم للسوريين يعني جلب أنصار لحزب العدالة والتنمية، ونوقش الموضوع بمجلس الشعب التركي، وانتقل للتداول في المجال العام. نعم بعض المعارضة التركية تدعم النظام الاستبدادي السوري وتدعوا للمصالحة -كدولة تركية-معه؛ ومع عودة السوريين إلى سوريا، وأحالوا -بغير وجه حق-بعض مشاكلهم الاقتصادية على السوريين، لكن واقع الحال أن السوريين في أغلب مناطق تواجدهم جاؤوا وجاء معهم العمل المواظب والمشاريع وقدموا في مناطق تواجدهم فرصاً اقتصادية جيدة، والعاملين منهم انخرطوا في البنية الاقتصادية التركية، لذلك لم تستطع الدعاية ضد السوريين بداية أن تنجح وتؤثر عليهم أو على الدولة التي تدعمهم…

سادساً. بالطبع يوجد في ملايين السوريين المتواجدين في تركيا بعض السيئين والخارجين على القانون، وكل خارج على القانون يجب أن يحاسب، ويجب أن لا يحال أي خطأ من أي سوري على السوريين جميعاً، في هذا الحيز يلعب بعض المعارضين الأتراك الذين يريدون أن يؤثروا على الدولة وحزبها الحاكم لأجنداتهم الخاصة، ولا ننسى أيضاً الخلايا النائمة للنظام السوري بين السوريين في تركيا وافتعالها للمشاكل لضرب اللحمة الشعبية السورية التركية، وننوه هنا أن الشعب التركي بأغلبه يحتضن السوريين بكل ود ومساعدة وأخوة، ولا نستبعد أيضاً الخطط الخارجية التي تود أن تضرب تركيا من داخلها؛ وتورط فيها بعض الأحزاب المعارضة وبعض من تبقى من خلايا ال ب ك ك والكيان الموازي وداعميهم الاقليميين والدوليين، وموضوعهم الآن خلق فتنة مجتمعية موضوعها: الوجود السوري الضار ومحاربته وطردهم من تركيا، والمقصود طبعاً ليس فقط طرد السوريين بل ضرب اللحمة الوطنية التركية وحاضنة السوريين التركية، وضرب حزب العدالة والتنمية بصفته عراب سياسة احتضان السوريين واستيعابهم وزرعهم في بنية المجتمع التركي…

سابعاً. بعد استيعاب كل ذلك نعلم أن المراد خلق فتنه بين السوريين والأتراك في كل مناطق تواجد السوريين، ونحن كسوريين وبالتعاون مع السلطة التركية علينا أن نمنع ذلك، فعلينا أن نكون حذرين بتعاملاتنا، وأن لا ننجر لأي خلاف مع أي تركي ولو كان معنا الحق، وعلينا اللجوء للأمن والشرطة التركية إذا تطلب الأمر، وعلينا رصد وتتبع كل سوري يعمل مع النظام؛ ويقوم بأفعال تساهم بذلك وتسليمه أو تبليغ الشرطة والأمن التركي عنه، الابتعاد قدر الإمكان عن أماكن تواجد الأتراك المعادين للسوريين لكي لا نعطهم الفرصة والمبرر للإساءة أو الصدام معنا، القيام بحملة علاقات عامة بأوساطنا التي نعيش ونعمل فيها مع الأتراك، فهم من سيحتضننا ويحمينا في مواجهة أي إساءة، وذلك من حسن تصرفنا وقناعتهم بنا، وكذلك الدولة التركية التي ستساعدنا في ذلك لأنها تدرك أنها هي المقصودة بهذه الإساءة…

أخيراً. ندرك أن محنة جديدة تستهدف السوريين وإخوتنا الأتراك الذين يحتضنونا في بلادهم وكأهلهم، وأننا سنكون عند حسن ظنهم وظن حكومة العدالة والتنمية والرئيس أردوغان الذي وحزبه كان أهم داعم للشعب السوري وقضيته، ومساعد للسوريين جميعاً في تركيا وعبر المحافل الدولية…

إننا كسوريين سنتجاوز هذه الفتنة وسنستمر بالعمل لإسقاط النظام الاستبدادي في بلادنا ونبني الدولة الوطنية الديمقراطية. ونعود جميعنا لبلادنا نعمرها ونعيش فيها إنسانيتنا. ونحقق فيها كل أهدافنا المشروعة والحقه… حريتنا وكرامتنا وحقنا بالعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend