جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

حين تصير البلاد يوسفاً آخر

خاص بالأيام - أحمد عليّان

ليس غريباً أن نرى الشاعر الفلسطيني محمود درويش، يُطلق على ديوانه اسم “أحد عشر كوكباً”، هي قصّة غدرٍ إذاً.

عنوان الديوان بحدّ ذاته قضيّة، فلو وضعناه تحت التحليل، لوجدنا أنّ العتبة النصّية له تحيل إلى قصّة سيدنا يوسف، كما وردت في القرآن الكريم، تلك القصّة التي تتكرّر في عالمنا العربي منذ زمن بعيد، ولو عدنا إلى هذه القصّة، لوجدنا أنّ يوسف تعرّضَ لمحاولة اغتيالٍ وضيعة، خطّطَ لها ونفّذها إخوته “البشريون”، واتّهموا الذئب “الحيوان المفترس” بدم أخيهم، وأتوا يبكون يوسف بعد رميه في البئر، بدموعٍ كتلك التي تذرفها البكّاءات المستأجرات في مآتم الهند.

درويش وهو أبو الرمزية في الشعر العربي، أراد أن يقول إنّ فلسطين تتشابه مع يوسف وقصته، فهي الأرض العربية الأقدس، والأجمل، ومهد الأنبياء والرسالات السماوية، لكنّ جمالها وحبّ الله لها، كان سبباً في إثارة الحقد الأخوي عليها، بالإضافة لأسبابٍ أخرى كثيرة تندرج تحت مصطلح العصر ألا وهو المصالح، إنّها ضريبة الحسن والتميّز. لم يقتنع درويش أنَّ الاحتلال الصهيوني استطاع التموضع في منتصف العالم العربي وسلب فلسطين بمفرده، ولم يقتنع بالدموع العربية ولا بالرثاء،  ولا حتّى بالخطب الناريّة التي كانت تطردُ المحتلّ الصهيوني من فلسطين إثر كل قمّة عربية، بالطبل والمزمار والتسويف. لقد أراد درويش أن يقول للقارئ العربي إنّ هذه الدول التي ترفع شعار فلسطين وتحريرها، وتؤكد أنّ الطريق إلى القدس يمرّ من عواصمها، هي كاذبةٌ كدموع إخوة يوسف، وأنّها شريكةٌ للذئب في قتل فلسطين.

وإن عدنا إلى تآمر الأخوة، لوجدنا أنّهم رموا يوسف في البئر، أي أنّهم تركوه وحيداً لمصيره في قبر عميق مظلم، وكذلك فعل العرب مع فلسطين، يقول البعض ماذا عن جيش الإنقاذ الذي أرسله العرب، ألم يكن اسماً على مسمّى؟ ألم يكن كتلك القافلة التي أنقذت يوسف من غياهب البئر؟ ونقول بكلّ أسف لم يكن هذا الجيش منقذاً بل حال بين القافلة المنقذة التي هي الشعب، وبين يوسف الذي هو فلسطين، نحن في عصر الشعارات والأسماء البرّاقة، لكن لمَ لم نتعلم إلى الآن أنّ البريق رمز الملاهي الليلية، وأنّ شكسبير خلص إلى حكمةٍ ضمّنَها في مسرحيته، مفادها أنّ ليس كلّ ما يبرق ذهباً.

كانت الأندلس ثم فلسطين والآن سورية، ومازال إخوة يوسف يرمونه في البئر كلما سنحت لهم الفرصة.

لقد صار لزاماً على يوسف أن يتعلّم تسلّقَ الآبار وحده، وعليه أن يؤمن بقضيّته ويكفر بالإخوّة العربيّة والغربيّة، والأهم أن يخرج من الاتكاليّة على الآخر، إنَّ الصداقة في زمان النفط والثروات والمصالح الإستراتيجية، كعلاقة الشاب الوسيم الفقير بالمرأة الشمطاء ذات القصور وذات الذهب، هي أوهى من بيوت العنكبوت.

على يوسف أن يعتمد على نفسه، فلديه من الإمكانيات ما ليس بالقليل، عليه أن يكفكف دموعه، ويخرج من دائرة الضعف إلى فضاء القوّة، عليه أن يمزّق صورته القديمة، ليخرج من كونه الموضوع الإعلامي المأساوي الضارب في الأسواق، والذي يستثمره الإخوة في المسلسلات والأفلام وبرامج الكاميرا الخفيّة، إلى قصّة انتصار ومجد، عندها فقط نرى يوسف عزيزاً في مصر وفي دمشق وفي كل بقاع الأرض، عندها فقط تتحقّقُ رؤيته، ويسجد أمام مجده أحد عشر كوكباً، في عالمٍ لا يحترم إلّا الأقوياء.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend