جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

معركة طرد “داعش” من الرقة… ما أسباب تأخر الحسم؟

لم تحقق “قوات سورية الديمقراطية”، التي تشكل الوحدات الكردية ثقلها الرئيسي، وقوات “النخبة السورية”، اختراقات جذرية من شأنها تعجيل الحسم العسكري في مدينة الرقة، بعد مرور أكثر من 20 يوماً على بدء معركة انتزاع معقل تنظيم “داعش” الأبرز في سورية.

وتقف وراء تأخير الحسم في الرقة مجموعة من الأسباب “السياسية” والعسكرية. ويبقى العامل الأبرز هو عدم تبلور تفاهمات روسية أميركية تدفع باتجاه خروج مسلحي التنظيم من المدينة، التي بات عشرات آلاف المدنيين فيها مهددين بالفناء، بسبب قصف جوي ومدفعي لا يهدأ، وربما يؤدي إلى تدمير المدينة بشكل شبه كامل مثلما حصل في الموصل.

فضلاً عن ذلك، فإن عوامل عسكرية بحتة تقف خلف تأخر انتهاء المعارك التي تعهد قادة المليشيات الكردية بأن تنتهي سريعاً، من بينها تغيير “داعش” تكتيكاته العسكرية التي لطالما اتبعها في معاركه السورية خصوصاً. وقال محمد خالد الشاكر، الناطق باسم قوات “النخبة السورية” التي تشارك في معارك الرقة، لـ”العربي الجديد”، إن القتال “شبه متوقف” في جبهات القتال في الرقة منذ يومين، مضيفاً أن هناك محاولات للتوغل داخل المدينة، لكنها لم تنجح حتى الآن.

وأوضح الشاكر أن خطة القتال “تغيرت” في الجبهة الشرقية لإعطاء “قوات النخبة” فرصة للتوغل داخل الرقة “بسبب امتلاكها خبرة قتالية عالية في محاربة تنظيم داعش”، مشيراً إلى أن الخطة الجديدة تتضمن تحركاً كبيراً عبر محورين، الأول باتجاه شمال غربي، من حي المشلب إلى حي الرميلة، وجنوب غربي باتجاه منطقة قبري أويس القرني، وعمار بن ياسر.

وبيّن أن الهدف من السعي لانتزاع السيطرة على حي الرميلة هو محاصرة مقرات الفرقة العسكرية 17، من خلال الوصول لاحقاً إلى حي الأندلس، شمال المدينة. وتعد مقرات الفرقة 17، التي كانت تتبع لجيش النظام السوري قبل عام 2014، نقطة تحصين كبرى للتنظيم، إذ فشلت كل محاولات “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) لاقتحامها، رغم اشتراك قوات أميركية في هذه المحاولات.

وكشفت مصادر مطلعة، لـ”العربي الجديد”، أن “قوات سورية الديمقراطية” حاولت منذ أيام اقتحام المدينة من جهة الشرق، إلا أن المحاولة باءت بالفشل، وقتل 13 مقاتلاً من هذه القوات، ما دفع غرفة عمليات “غضب الفرات” إلى تغيير خطة القتال، ودفع “قوات النخبة” إلى الصفوف الأمامية لتولي عمليات اقتحام مقبلة. وكانت بدأت في السادس من يونيو/ حزيران الحالي عملية واسعة النطاق لانتزاع السيطرة على مدينة الرقة، أبرز معاقل تنظيم “داعش” في سورية.

وتم تحقيق تقدم على عدة جبهات، خصوصاً الشرقية والغربية، وسيطرت القوات المهاجمة على خمسة أحياء داخل المدينة، هي المشلب، والصناعة، والسباهية، والرومانية، والقادسية، إضافة إلى قريتين جنوب المدينة، وهو ما جعل مسلحي التنظيم محاصرين عملياً من كل اتجاه.

وتمتد مدينة الرقة، التي سيطر عليها تنظيم “داعش” أوائل العام 2014، على مسافة تقدر بنحو 8 كيلومترات من الشرق للغرب، و4 كيلومترات من الجنوب إلى الشمال، وتضم العديد من الأحياء والحارات الصغيرة، التي تعرضت على مدار السنوات الماضية إلى دمار كبير. ومن أبرز أحياء ومناطق مدينة الرقة، المشلب، والثكنة، والتوسعية، والدرعية، والرميلة، والفردوس، وحارة البدو، والكراجات، والسباهية، والبتاني، والأندلس، ونزلة شحادة، والأمين، والمرور، والحرية، والحني، والسكة، وسواها، بالإضافة إلى منطقة السوق، وهي القلب التجاري للمدينة. ومن أهم شوارعها تل أبيض، والقوتلي، والمنصور، و23 شباط، وسيف الدولة، وحولها توجد “حارات” سكنية تنسب إلى ساكنيها، مثل الحسون، والسخاني، والبياطرة، والعجيلي، والكويدر.

وكان من المتوقع ألا يتأخر الحسم العسكري في مدينة الرقة، إذ لا يمتلك التنظيم مقومات صمود طويل داخلها، بسبب طبيعتها الجغرافية المنبسطة وصغر مساحتها (نحو 35 كيلومتراً مربعاً)، في ظل معلومات عن خروج أغلب قيادات التنظيم من الرقة باتجاه مدينة الميادين، شرقي دير الزور، ليقينهم من أن معركة الرقة محسومة لصالح القوات التي يدعمها التحالف الدولي. لكن تمكُّن مسلحي التنظيم من الاحتفاظ بوسط المدينة، رغم الغارات الجوية المكثفة والقصف المدفعي المستمر، فتح الباب أمام أسئلة تتعلق بأسباب تأخر الحسم، أو على الأقل التوغل أكثر داخل المدينة. وفي هذا الصدد، أشارت وسائل إعلام تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يتخذ من الوحدات الكردية ذراعاً عسكرية له، إلى أن مسلحي تنظيم “داعش” قاموا بتغيير استراتيجيتهم القتالية في معارك الرقة، لافتة إلى أنهم وصلوا إلى “مرحلة الانهيار التام” في المدينة. وأشارت هذه المصادر إلى أن أسلوب هجمات مسلحي “داعش” في الرقة “يختلف بشكل كلي عن أسلوب هجماتهم في مدينة منبج”، موضحة أن مسلحي التنظيم “كانوا يهاجمون بمجموعات تضم أعداداً كبيرة في مدينة منبج، أما في مدينة الرقة فإنهم يهاجمون بمجموعات صغيرة، يتراوح العدد فيها بين 3 و7 مسلحين، ومن محورين”، وفق المصادر الكردية.

 

وذكرت أن غالبية مسلحي التنظيم “يتوجهون إلى الانتحار، وذلك بارتداء أحزمة ناسفة، أو يركبون دراجات نارية وسيارات مفخخة، وذلك للتخلص من حالة الخوف التي يعيشونها والهزيمة التي يتلقونها”، مشيرة إلى أن “داعش” كان يشن هجمات في ساعات المساء الأولى، وفي ساعات الفجر، “أما في الرقة فإنه يشن الهجمات في وضح النهار”، لافتة إلى أن المسلحين “يستخدمون أسلحة متطورة، كالصواريخ الحرارية، إلى جانب استعمال الطائرات المسيرة التي تلقي القنابل”.

وأشارت المصادر إلى أن مسلحي التنظيم يستخدمون المدنيين دروعاً بشرية، مضيفة أنهم “يقومون بوضع ألغام أمام منازل المواطنين لمنع خروجهم منها، لقتلهم جوعاً وعطشاً، وهذا ما يحدث في الأحياء الغربية للمدينة. أما في الأحياء الجنوبية والشرقية، فقد أسروا المئات من المدنيين، وهم ينقلونهم إلى حيث ينتقلون لاستخدامهم كدروع بشرية”.

ولعبت تحذيرات روسية من أي “صفقة” مع التنظيم تتيح لمقاتليه خروجاً آمناً من مدينة الرقة دوراً في تأخير الحسم العسكري، بحيث لم يعد أمام المسلحين إلا القتال بشراسة لفرض هذه الصفقة، في ظل خلاف روسي أميركي متصاعد حول مستقبل محافظة الرقة، إذ يدفع كل طرف لفرض رؤيته حيال ذلك. من جانبه، يعتقد محمد خالد الشاكر، الناطق باسم قوات “النخبة السورية”، التي تتبع للرئيس الأسبق للائتلاف الوطني السوري، أحمد الجربا، أن أحد أهم أسباب تأخر الحسم في الرقة يعود لعدم تبلور تفاهمات روسية أميركية حول ماهية معركة استعادة السيطرة على المدينة.

وأشار إلى أن عدم ترك خط انسحاب لمسلحي التنظيم من الرقة يعني تكرار سيناريو مدينة الموصل العراقية، ومقتل آلاف المدنيين وتدمير المدينة بشكل كامل، معتبراً أن انسحاب تنظيم “داعش” من الرقة مرهون بتوافق روسي أميركي، وهذا لم يتحقق حتى الآن.

وترى مصادر محلية مطلعة أن عدم وجود “عقيدة قتالية” واحدة لدى القوات المهاجمة للرقة يؤدي دوراً في تأخير الحسم العسكري، مشيرة إلى أن “قوات سورية الديمقراطية” تضم فصائل عسكرية غير متجانسة، ومتعددة الرؤى والأهداف. وتشارك في معركة انتزاع الرقة كل من وحدات حماية الشعب الكردية، ووحدات حماية المرأة الكردية، وجيش الثوار، وجبهة الأكراد، ولواء الشمال الديمقراطي، وقوات العشائر، ولواء مغاوير حمص، وصقور الرقة، ولواء التحرير، ولواء السلاجقة، وقوات الصناديد، والمجلس العسكري السرياني، ومجلس منبج العسكري، ومجلس دير الزور العسكري، إضافة إلى قوات “النخبة السورية” التي ترفع راية الجيش السوري الحر، ولا تتبع لـ”سورية الديمقراطية”.

وتشير المصادر، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن استبعاد لواء “ثوار الرقة”، الذي يضم مئات المقاتلين المنتمين للرقة، من المعركة “كان أحد أسباب تأخير الحسم”، مضيفة أن مقاتلي هذا اللواء هم أعلم بشعاب الرقة من سواهم، كما أنهم يمتلكون إرادة القتال كونهم يريدون تحرير مدينتهم من تنظيم “داعش”.

وتصر قيادة اللواء على حقها في الدخول إلى الرقة وتحريرها، وإدارتها، وهو ما لم توافق عليه “قوات سورية الديمقراطية” الساعية إلى فرض إرادتها على محافظة الرقة.

وكان من شأن وجود لواء “ثوار الرقة” على رأس القوات المهاجمة تبديد مخاوف أهالي الرقة من مطامع كردية في محافظتهم، إذ تعارض غالبية فعاليات الرقة المدنية أي دور للوحدات الكردية في إدارة المحافظة بعد انتزاع السيطرة عليها من “داعش”.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر العربي الجديد
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend