جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

قراءة في نتائج العقاب “الخليجي” على “الدوحة”… من الخاسر؟

ما نزال ننتظر التحركات القطرية باتجاه “الكويت، تركيا” والأهم “موسكو” وكذلك “واشنطن”.

الأيام السورية؛ فرات الشامي

تكشف السياسات الجديدة لدول مجلس التعاون الخليجي مدى “هشاشة” البناء الداخلي في هذه “الأسرة” التي ظلت إلى فترة قريبة شكلاً من أشكال “الوحدة العربية”، بنظر “الشارع العربي”؛ فتطورات الوضع في “قطر” مؤخراً، والقطيعة الكاملة معها يبرز مجدداً كمبرر لإعادة النظر في العلاقة البينية بين هذه “الدول”.

إنّ إنكار أحقية كل “دولة” في العمل ضمن إطار “المصلحة الخاصة بها”، بعيد عن المنطق، لكن “أولويات المصلحة” التي كانت على حساب “الدولة أولاً”، وبالتالي انعكاسها المباشر والسلبي على “الشعوب”؛ أدخل المنطقة في “نفقٍ مظلم”، ليس لأنّ تلك “الدول” لم تعمل لما يخدم مصالح شعبها فقط، لكنها فيما يبدو أنها غير منضبطة بـ”قواعد وأطر واضحة” للعمل الجماعي المشترك، وهذا ما تفتقر إليها. فغياب الـ “المبادئ الثابتة”، وكذلك “المصالح المشتركة”، وفرضية “التبعية” التي بدأ الحديث عنها تختصر الحديث عن “خلفيات” المشكلة.

في حين يُهدّد “الخطر الفارسي” معظم دول الخليج العربي، محاولاً الاستفراد بهم كـ”الذئب الذي يتبع الحمل الشارد من القطيع”، يبدو أنّ “البوصلة العربية” وتحديداً لدى “القطيع” تفقد “اتجاهاتها” بفعل “فاعل”، فتغدو “روبوتات” تسير وفق “برمجة سياسية خارجية” محدّدة وباتجاهٍ واحد.

الجهود المبذولة “خليجياً” و”عربياً”؛ لـ”معاقبة الدوحة”، ليست وليدة “اللحظة”، ومن الخطأ اعتبارها “ثمرة زيارة ترامب” للرياض، بل هي تضافر واضح لعوامل عديدة؛ فقد بدأت رحلة التشقق في الجدار الهش مع “حرب تموز 2006” التي كانت بقيادة “حزب الله” الإرهابي، وبدعم “قطري”.

فيما وقفت يومها “الرياض” وخلفها “مصر” وبقية الدول الخليجية، في شاطئٍ آخر، مناقضٍ تماماً للموقف “القطري”، حتى على مستوى “الخطاب الديني السعودي” الذي لم يكن مؤيداً لهذا “الموقف”.

السعودية على سبيل المثال صرحت في 15/تموز/2006: ((المملكة إذ تستعرض بقلق بالغ الأحداث المؤلمة الدامية التي تدور الآن في فلسطين ولبنان، تودّ أن تعلن بوضوح أنه لا بد من التفرقة بين المقاومة الشرعية، وبين المغامرات غير المحسوبة التي تقوم بها عناصر داخل الدولة ومن وراءها، دون رجوع إلى السلطة الشرعية في دولتها ومن دون تشاور أو تنسيق مع الدول العربية، فتوجد بذلك وضعاً بالغ الخطورة يعرّض جميع الدول العربية ومنجزاتها للدمار دون أن يكون لهذه الدول أيّ رأي أو قول. إن المملكة ترى أن الوقت قد حان لأن تتحمل هذه العناصر وحدها المسؤولية الكاملة عن هذه التصرفات غير المسؤولة وأن يقع عليها وحدها عبء إنهاء الأزمة التي أوجدتها)).

تلا ذلك “سياسة قطر” التي رجحت كفة دعم “الفكر الإخواني” واصطدامها بالرفض “السعودي” لهذا النهج، تبعه دعم قطر المباشر لـ”إخوان مصر” في مواجهة الانقلاب العسكري بقيادة “السيسي” المدعوم من “السعودية”، فازداد الشرخ عمقاً بين الشقيقتين الخليجيتين، وأصبح الموقف حساساً ينتظر “القشة التي تقسم ظهر البعير”.

الصراع بين “الدوحة – الرياض” على النفوذ والتأثير في المنطقة، كان لاعباً مهماً في ترجمة وفهم الواقع اليوم، ففي حين استمرت هيمنة “السعودية” على القرارات في المنطقة بحكم “قوتها النفطية” و”مكانتها الدينية” في أعين المسلمين، بدا أن الطموح القطري يتمدد وينافس “الدولة العجوز”، ويسلب منها الأضواء سريعاً.

لا يمكن لعاقل أن يغفل مكانة “قطر” في مضمار “التقدم الإنساني”؛ حيث تحتل اليوم موقعاً حضارياً ريادياً، فهي من ناحية “التعليم” تعتبر “الأولى عربياً” و”التاسعة عالمياً”، بحسب التقرير الأخير الصادر في العام 2016 عن المنتدى الاقتصادي العالمي “مؤشر جودة التعليم”. لكن ذلك ليس السبب الأساس في اتخاذ خطوات “عقاب جماعي” باتجاه “قطر” من قِبل “إخوان يوسف”، وليس دون شك “مواقفها المتناقضة” مع “جيرانها وأشقائها دول الخليج”.

الواضح أن معظم هؤلاء “الملتفين بعباءة مجلس التعاون الخليجي”، أبرزوا أنفسهم كأدوات تنفيذية، بدليل أنهم نفذوا الأوامر بغض النظر عن “العواقب”، على الأقل “اقتصادياً”، متجاهلين الكثير من الأوراق التي يمكن لأخيهم “القطري” أن يلعب بها، إضافةً للدعم “الشعبي” الذي بدأ على الأقل في “سورية” حيث تعتبر “قطر” صاحبة اليد البيضاء على “الثورة” من الناحية “الإنسانية”، بغض النظر عن تقييمنا لأجندتها، لكنها استطاعت “خطب ود الشارع”.

شعبياً، التفوق القطري واضح.

اقتصادياً، “قطر” تحركت باتجاه أسواق بديلة للاستيراد، ما يجعل انعكاس الحصار مباشرةً على الدول “المقاطعة” بالدرجة الأولى، وعلى شركات ورجال أعمال تلك الدول، التي بدا من الواضح أنها سوف تخسر “السوق القطري”، وهذا يتفق مع تأكيدات رئيس غرفة تجارة وصناعة قطر، الشيخ خليفة بن جاسم بن محمد آل ثاني، الذي لفت إلى أنّ أكثر من 95 % من السلع والمواد تصل إلى قطر من خلال البحر والجو، في حين أن نسبة 5% فقط هي التي تصل عبر الحدود البرية، وهي نسبة لا تشكل أزمة لاقتصاد البلاد.

سياسياً، ما نزال ننتظر التحركات القطرية باتجاه “الكويت، تركيا” والأهم “موسكو” وكذلك “واشنطن”.

عموماً، الشارع العربي يترقب نهاية “الخلاف الخليجي” مع “قطر”، والذي بدا أنه لصالح “الدوحة” بعد أن “امتصت الصدمة” –إن جازت التسمية-، فهي تمتلك من الأوراق التي تساعدها على تطويق “الأزمة” بل وفرض “عقوبات” على “الدول المقاطعة”، وهذا ما أوضحه تقرير صادر عن “وكالة بلومبيرغ الاقتصادية الأميركية” اليوم؛ تحت عنوان: “لدى قطر العديد من الأصدقاء في أسواق الطاقة”، قلل فيه من خطر الحصار المفروض على “الدوحة”.

التقرير يؤكد على سبيل المثال بأن: ((غالبية زبائن الغاز القطري موجودون في آسيا، فاليابان تستورد 15% من احتياجات الغاز الخاص بها من الدوحة، وتعد الصين والهند أكبر زبائنها في العالم، بينما تقل مشتريات دول شرق أوسطية عن 5% من إجمالي صادرات قطر من الغاز الطبيعي)).

مضمون التقرير الذي أعدته “وكالة بلومبيرغ” يعتمد على أرقام تفصيلية تؤكد أن سياسة “الحصار” التي فرضتها بعض الدول العربية على قطر “بلا جدوى”، بل يمكن أن تقلب السحر على الساحر كما يقال، ما يؤكد ما افترضناه بداية من أنّ “قطر” قادرة على “معاقبة خصومها” والمراوغة، والأهم؛ أن ما حدث “زوبعة في فنجان”، يمثل “عدم النضج السياسي” لهذه الأطراف المتنازعة، ويؤكد بما لا يدعو للشك أنها “أدوات تنفيذ”.

ما حدث اليوم هو نتاج سياسة المشاركة في حفلات شواء المواطن العربي، والانحناء لصاحب القواعد العسكرية في المنطقة، أو الالتجاء لأصحاب المشاريع الإقليمية التوسعية _إيران_؛ هي نتائج منهج التسكع على “عتبة واشنطن” بديلاً عن “الحضن الشعبي الداخلي” الذي هو وحده مصدر الشرعية.

الوقيعة الأمريكية بين “إخوة يوسف”، كشف للشارع العربي “عورة” هذه الدول، ولعل الخروج من “الكارثة”، لن يكون بمجرد دفع “الجزية” من قبل هذه “الإمبراطوريات النفطية”، بل تطويقها عبر العودة إلى مسار يتوافق مع تطلعات شعوب المنطقة، ويبدو أن القطار “فاتهم”.

الخاسر هم “الشعوب”، التي سوف تدفع ضريبة “سياسة التبعية”، والارتماء بحضن “رعاة البقر”، وغيرهم، على حساب مصلحة “الوطن”، والأيام القليلة القادمة سوف تعج بخطاب “جهادي” من شأنه تأجيج الشارع، وربما إدخال المنطقة في دوامة خطيرة.

المصادر:

مواقف الدول العربية من حرب تموز

http://www.al-akhbar.com/taxonomy/term/124

http://bit.ly/2shcjxZ

جودة التعليم: http://bit.ly/2qXiOSU

قطر: إمدادات السلع متواصلة والخسائر تصيب الدول المقاطعة: http://bit.ly/2sRFO6b

بلومبيرغ: قطر لديها أدوات لمعاقبة الإمارات اقتصادياً: http://bit.ly/2rTXn8u

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend