العلويون والسلطة الأسدية وحقيقة المظلومية التاريخية لديهم”1″

بسام جوهر

كَثُر الحديث بعد اندلاع الثورة السورية عن العلويين وتاريخهم, فهناك من انصفهم وتساءل عن أسباب العزلة التاريخية التي عاشوها وحاول البحث عن أسباب الحيف التاريخي الذي أصابهم, وهناك من أنكر ذلك ورماهم بأقذع الصفات وذلك بسبب موقف أكثريتهم الفاعلة المساند لبشار الأسد في حربه ضد الشعب السوري.

لمحة تاريخية:

تشير كلمة “علوي” إما للانتساب إلى ذرية آل البيت، أو إلى مشايعي وأتباع الإمام علي بن أبي طالب, وأغلب الظن أن علويو سوريا هم من القسم الثاني، أي من اتباع الإمام علي، وبالتالي ليس لهم علاقة نسب أو قربى مع آل البيت, خاصة وأن هناك تباين واضج في المراجع حول أصول هذه الفئة الاجتماعية, حيث يعتبرهم المؤرخ الروماني (بلين) من أصل آرامي، وهم كما يقول، “من سكان شرقي البحر المتوسط، منذ زمن سحيق”.

وينسبهم الكاتب الفرنسي (رينيه بيون) إلى الحثيين. بينما هناك الكثير من المصادر التي تشير إلى اعتبارهم “قبائل عربية شامية وعراقية” مثل “قبائل غسّان وبهرا وتنوخ”، حتى أن قسماً منهم يدعي الانتماء إلى قبيلة بني هاشم مثل “عشيرة المحارزة”. كما ذكر الدكتور محمد هواش في كتابه “العلويون ودولتهم المستقلة” .

يتجمّع معظم العلويين في سلسلة الجبال الممتدة من عكار جنوباً إلى جبال طوروس شمالاً, وهناك قسماً منهم يسكن ريف حماة وحمص ولواء اسكندرون, وجاءت تسميتهم بالنصيرية (بينما يعتبرون أنفسهم علويون) نسبة إلى أبي شعيب محمد بن نصير النميري الذي يعتبره العلويون باب الإمام الحسن العسكري وابنه محمد المهدي, مثلما كان الإمام علي بن أبي طالب باب الرسول محمد وذلك استناداً إلى الحديث “أنا مدينة العلم وعلي بابها”.

يعتبر العلويون أنفسهم شيعة إمامية، ويؤمنون بأن محمد بن نصير كان أقرب الأشخاص إلى الإمامين العسكري والمهدي, وبالتالي هو أكثر الناس معرفة بعقائدهم وأحاديثهم. بينما بقية الشيعة، فلا يعترفون بمحمد بن نصير كباب للإمامين المذكورين, بل أن قسماً منهم يذهب إلى حد تكفيره, حيث يعتبر هؤلاء أن الإمام محمد المهدي وبعد (غيبته الصغرى) واحتجابه عن الناس، كان قادراً على الإجابة عن المسائل الفقهية التي كانت ترسل إليه عبر وسطاء محددين، سموهم (السفراء)، وهم أربعة سفراء، من أبرزهم أبو جعفر السمان, وطبعاً لم يكن محمد بن نصير من بين السفراء الأربعة.

هناك من يقول بأن النصيرية هي طريقة وليست مذهباً, لأن العلويين يعتقدون أن الدين الإسلامي هو دينهم, لكن لهم طريقة خاصة في فهم ومعرفة هذا الدين، وهي الطريقة العرفانية, التي تعتمد على القرآن وأحاديث الرسول والإجماع والعقل.

يعتبر العلويون أنفسهم من أكثر الطوائف انفتاحاً على الطوائف الأخرى, ولا يميلون إلى جذب الأفراد إلى معتقداتهم, ويستاؤون جداً من تسميتهم بالنصيرية.

خَلَفَ محمد بن نصير في قيادة الطائفة محمد بن جندب، ثم أبو محمد عبدالله بن محمد الجنبلاني, وهو من منطقة جنبلا بفارس, لكن أهم رجل يذكره العلويون بعد محمد بن نصير، هو الحسين بن حمدان الخصيبي، المولود سنة 260 هجرية, الذي كان له دوراً بارزاً في تاريخ العلويين حيث ترك وراءه عدة مؤلفات, منها ما هو موثق، ومنها ما فُقد وضاع. ولعل من مآثر هذا الرجل, والتي كثيراً ما يتغنى بها العلويون, ما يشاع من أن سيف الدولة الحمداني وابن عمه الشاعر أبي فراس الحمداني، كانا من تلامذته, وربما تعكس هذه الإشارة توق العلويون إلى الانتساب إلى كيانٍ سياسي له مكانته في التاريخ, حيث خلت كتب التاريخ من ذكر أي كيانٍ سياسي يرمز إلى العلويين ومكانتهم السياسية مثل باقي الطوائف.

بعد وفاة الخصيبي (الذي دفن في حلب) انتقل مركز العلويين إلى اللاذقية برئاسة أبو سعد الميمون سرور بن قاسم الطبراني, ويُعد هذا الشخص من أعلام العلويين ورجالاتهم الهمّين أيضاً.

وكان هناك مركزاً آخر للعلويين في بغداد لكنه انتهى إلى غير رجعة بعد دخول المغول بغداد.

يعتبر العلويون أنفسهم من أكثر الطوائف انفتاحاً على الطوائف الأخرى, ولا يميلون إلى جذب الأفراد إلى معتقداتهم, ويستاؤون جداً من تسميتهم بالنصيرية, حيث يشعرون بالمهانة لحصرهم بأتباع رجل دينٍ شيعي لا يرقى أبداً إلى مستوى ومصاف الإمام علي بن أبي طالب, كما ذكر الدكتور محمد هواش في كتابه (عن العلويين ودولتهم المستقلة).

المظلومية العلوية التاريخية:

بداية أحب التنويه إلى أن ما سوف أعرضه من الظلم والحيف الذي وقع على هذه المجموعة البشرية، لا يعني أبداً الدفاع عمّا فعله النظام من مجازر باسم هذه الطائفة, كما أنه لا يعني مطلقاً أن كل مجموعة بشرية وقع عليها ظلم في مرحلة تاريخية ما, تستطيع أن تتذرّع بتلك المظلومية وتمارس الظلم على الآخرين, مع اعتقادي الراسخ أن وقوف الكثيرين من أبناء الطائفة العلوية إلى جانب بشار الأسد, ليس سببه تلك المظلومية التاريخية وإنما له أسباب أخرى سنحاول تلمّسها من خلال ما سيتقدم.

لاشك بأن العلويين يعتقدون أن الظلم والحيف الذي وقع عليهم لم يطل أية جماعة بشرية في تاريخ المنطقة, ومن هنا حاول عقلاء الطائفة, وخاصة في القرن العشرين, فك عزلتهم التاريخية التي فرضها الواقع السياسي والاجتماعي على مدى قرون من الزمن, وكان لهم نجاحات مشهودة على هذا الصعيد.

سنحاول هنا عرض بعض ملامح هذا الحيف والظلم الذي تعرضت له هذه المجموعة الاجتماعية من خلال عرض بعض آراء الكتاب العرب والمستشرقين الذين تناولوا الطائفة العلوية بالبحث والدراسة، ومن ثم نعود إلى الواقع الحالي وما فعلته العائلة المالكة الأسدية بهذه الطائفة.

يقول المستشرق (هنري غيوش) في كتابه – رحلة في سورية – صفحة 54 ما يلي: (( بكل صراحة, ومن بين جميع المذاهب في الشرق, تعتبر النصيرية أكثر المذاهب معرضة للإهانة بسبب تفكيرهم الديني, وهم وحدهم من تكفّرهم كتب الفتاوى, وبدون أي اعتراض, ويرى قانون العقوبات في الدولة العثمانية, أن هؤلاء يعُتبرون خارجين عن القانون, وهذا الرأي مُتعاملٌ به لدى السلطات, مما أدى لجعل حياة أتباع هذا المذهب المذكور, هم ونساؤهم وأموالهم تحت تصرّف المسلمين, وبإمكانهم شراءهم كالرقيق )).

ويُعلق الأستاذ منير مشابك موسى في كتابه (العلوية النصيرية) وهو عبارة عن أطروحة دكتوراه في علم الاجتماع في باريس: (( إن العلويين النصيريين كأقلية, كانوا دائماً مسحوقين من جيرانهم الإسماعيليين في مصياف, الذين لعبوا دوراً مهماً في التاريخ, بعكس العلويين الذين لم يكن لهم أيّ دورٍ في التاريخ العربي, وكذلك من أعدائهم السّنة والدروز والمسيحيين, فبرأينا لم يُعرف مذهب أو جماعة ظلموا بالشكل الذي أصاب المذهب العلوي النصيري, لقد كانوا مكروهين ومنبوذين ومُستخدمين ومُنتقدين من جميع المذاهب المجاورة )).

أما فتاوى علماء المسلمين بشأن الطائفة، فهي كثيرة, وأبرزها فتاوى الإمام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية, حيث لا يزال وحتى يومنا هذا يُعمل بها ويعود إليها الكثيرون، كمستند ومرجع لتحديد الموقف من الطائفة العلوية, ومن أشهر فتاوى ابن تيمية, الذي ولد في حرّان عام 660 هجرية وتوفي في سجن القلعة بدمشق عام 728 هجرية, حيث يقول: (( هؤلاء القوم المُسمّون بالنصيرية – هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية – أكفر من اليهود والنصارى, بل وأكفر من كثيرين من المشركين وضررهم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل التتار والفرنج وغيرهم, وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين, منهم مع النصارى على المسلمين, ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار, ثم أن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم )).

طبعاً لم نعثر في مصادر الذين قاموا بدراسة هذه الطائفة على ما يشير إلى أنه كان للعلويين قوة ذات وزن في ذلك الزمن تسمح لهم بالتأثير على موازين القوى المتصارعة آنذاك, وبالتالي التعاون مع التتار على دخول بغداد وقتل خليفة المسلمين, كما أنه لازالت أسباب إصدار هذه الفتوى من شيخ الإسلام ابن تيميه, موضع تساؤل وبحث.

أما عن الظنون والشبهات التي حامت حول هذه الطائفة, يقول الأستاذ منير الشريف في مقدمة كتابه “المسلمون العلويون من هم وأين هم” الذي ألفه عام 1946 والصادر عن مؤسسة البلاغ ببيروت: (( لم تُبلَ طائفة من الطوائف الإسلامية كما بُليت الطائفة العلوية النصيرية العربية الإسلامية, حيث سلقتها الألسن الحداد, وحامت حولها الظنون, فمن الناس من أخرجها عن قوميتها العربية، ومنهم من أقصاها عن الدين الإسلامي)). وقال: (( إن النصيرية, قد أتى من النصرانية, أي أن العلويين ليسوا مسلمين من الطائفة الإسلامية, ومنهم من قال عنها أنها متوحّشة, أكالة للحقوق, فتّاكة بالبشر, نهّابة سلاّبة, لا تتورّع عن أيٍ عملٍ كان غير مشرّف, تعيش عيشة الهمج الأولين ضمن أسوار من الانحطاط, فلا يمكن أن تنهض للعلم وليس في الإمكان اشتراكها مع العرب في النهضة الحديثة )).

وعن نظرة المسلمين في الحواضر إلى العلويين, قال المؤرخ المعروف محمد كرد علي في كتابه “خطط الشام” الجزء الثاني ص107: (( وكان الشعب في معظم الأرجاء يستخف بالدروز إذا اختلفوا إلى الحواضر, وإذا ذُكروا يذكرونهم كما يذكرون النصيرية بالسخرية والمهانة )).

وفي معرض دراسته المهمة عن العلويين، المنشورة في الجمهورية، يقول الأستاذ إياد العبدالله أن يوسف الحكيم, الذي تدرّج في مناصب القضاء من أيام العثمانيين وحتى عهد الاستقلال عن الفرنسيين, لا يبتعد عن هذا الرأي, حيث يقول في كتابه -بيروت ولبنان في عهد آل عثمان – الصادر عن دار النهار للنشر: (( ولما كان دين الدولة العثمانية الإسلام على المذهب السّني, كان لأهل المذهب الجعفري المنزلة الثانية في نظر الدولة, ثم يأتي الإسماعيليون, بينما الدروز والعلويون غير منظور لهم كمسلمين)).

ويتابع يوسف الحكيم: (( ظل الشعب العلوي مضطهداً في كل العهد العثماني الذي استمر أربعة قرون, فمُنعت عنه الوظائف الحكومية, حتى الصغيرة منها التي لا تتطلب شيئاً من العلم والكتابة, وكان دوماً عرضة للامتهان من رجال الحكم والزعماء من أهل المدن, فإذا جاءها علوي لم يُسمح له بدخول مساجدها وجوامعها, ولا يأكل السّنيون من ذبيحة العلوي )).

وتفيد جميع مصادر التاريخ أن العلويين عاشوا في الجبال الوعرة والأدغال الموحشة لمدة أربعة قرون، دون أن يذكرهم أحد, وكان أول ظهور لهم بعد الاستعمار الفرنسي لسوريا في بداية القرن العشرين

هذا عدا عن الذاكرة الشعبية وما تختزنه عن مجازر السلطان العثماني سليم الأول، بعد دخوله حلب عام 1516, حيث أمر بقتل جميع أبناء الطائفة العلوية, بعد أن اتهمها بالوقوف تارة مع سلطان مصر وتارة أخرى مع الشاه إسماعيل, حاكم الدولة الصفوية, وهناك من ذكر أن أكثر من 28 ألف علوي قتلوا في تلك المجزرة, بحيث أنه كان ومازال لدى الكثير من العلويين اعتقاد سائد بأن تسمية منطقة التلل في حلب ( وهي منطقة تقع إلى الغرب من قلعة حلب بحوالي 2 كيلومتر ) جاء نتيجة لتراكم جثامين ورؤوس العلويين الذين جزّهم السلطان سليم.

وفي هذا الصدد تقول الدكتورة إيناس خنسة, وهي باحثة سورية عملت كأكاديمية ودبلوماسية في واشنطن, في مقالة لها في صحيفة- رصيف – (( بعد تلك المجزرة اجتمع كبار شيوخ حلب السّنة، وناقشوا حلولاً إسعافية لهذه الأحداث, لن يعرف التاريخ ماذا جرى في ذلك الاجتماع, إلا أنهم خرجوا منه بقرار مُلحّ: لن يسمحوا بإبادة الطائفة العلوية! بعد مفاوضات أولية, قابل الشيوخ السلطان، وطلبوا شفاعتهم لسكان حلب العلويين, لم يقبل السلطان طلبهم كاملاً, لكنه قدّم بديلاً، وهو أن يغادر العلويون حلب إلى جبال الساحل، وإلا فإنهم سيُبادون إبادة كاملة. خرجت معظم العوائل العلوية حينذاك من حلب تحت حماية سُنّة المدينة, الذين ضمنوا لهم الأمان في مغادرتهم )).

وتفيد جميع مصادر التاريخ أن العلويين عاشوا في الجبال الوعرة والأدغال الموحشة لمدة أربعة قرون، دون أن يذكرهم أحد, وكان أول ظهور لهم بعد الاستعمار الفرنسي لسوريا في بداية القرن العشرين, وهذا ما يؤكده الباحث الفرنسي “جاك ويرليس” في كتابه الصادر عن المعهد الفرنسي بدمشق “بلاد العلويين” حيث قال: (( لا يوجد شعب أغفله التاريخ, حتى القرن العشرين, مثلما أغفل هذا الشعب )).

 

بسام جوهر: ضابط سابق في الجيش العربي السوري ومعتقل سابق لمدة اثنا عشر عاماُ بسبب الانتماء إلى حزب العمل الشيوعي، لاجئ في فرنسا.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend