“السفارة الأمريكية في القدس” معادلة مؤجلة إلى متى؟

الأيام السورية (خاص) - فرات الشامي - سوريا

بات معلوماً لدى الجميع أن “قضية الشعب الفلسطيني” تمر بمرحلة من الركود السياسي، بل وحتى العسكري من ناحية توقف العمليات العسكرية التي عادةً ما كانت تقوم بها حركة “حماس”، وعلى العموم يبدو أن المشهد على المسرح السوري قد طغى على “الملف الفلسطيني” وأكسب “الصهاينة” فرصة للتحرك، مستفيدين من انشغال “الحكام العرب” بثورات الربيع العربي ومحاولة “وأدها”.

تحاول “إسرائيل” جر الأمور لخدمة مصالحها وتعزيز فرص بقائها في المنطقة، مستفيدةً من الارتباك والتخبط حتى داخل البيت “الفلسطيني”، والسعي لتحويل النزاع “العربي – الإسرائيلي” إلى مجرد قضية “سيادة على جزء من الأرض، بدل كونها قضية وطن محتل بشكلٍ كامل”.

المجتمع الدولي وبطبيعة الحال “إسرائيل” لديهم وعي لمكانة “القدس” في “عين العرب” و”المسلمين” على وجه الخصوص، هذا إضافةً لما تعنيه هذه المدينة “المقدسة” من مكانة حتى في نظر “الإسرائيليين”، فهي “لب الصراع” وجوهره.

سياسياً، الأمم المتحدة سبق واعترفت بـ”القدس الشرقية” كأرض محتلة وتخضع لبنود معاهدة “جنيف الرابعة”، وهي بذلك ترفض الاعتراف بـ”سيادة إسرائيل” على هذه المدينة، وضمن هذه الحدود. بيد أنّ سياسات “الكيان الصهيوني” التوسعية، ضربت عرض الحائط جميع القرارات الأممية، واستمرت في توسيع حدود “القدس”، على الرغم من التصريحات الدولية وكذلك تلك الصادرة عن الأمم المتحدة بأنّ ذلك يشكل حجر عثرة في عملية السلام، الشامل، والعادل، وتقويضاً لمسار التفاوض.

التدهور الميداني في المنطقة، وتسارع وتيرة الصراعات حول “النفوذ”، مع توقعات “إسرائيلية” من تنامي صعود “التيار الجهادي” في سورية، وربما “لبنان” لاحقاً، والخشية من امتداده للأراضي الفلسطينية المحتلة يعني مزيداً من القلق، لما يشكله ظهور هذا التيار قريباً من حدودها – المزعومة – من تهديد لاستمرار بقائها، بالتالي فإن الاستفادة من خطابات الرئيس الأمريكي الجديد “دونالد ترامب” وما نقل عنه من تسريبات تفيد باقتراب إعلانه عن “نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس”، دفع بالإسرائيليين للضخ الإعلامي بهذا الاتجاه لمحاولة نزع اعتراف دولي يشرعن لها احتلالها لتلك الأرض.

في المقابل، بدا أن التحركات “الفلسطينية”، بل و”العربية” لثني “الإدارة الأمريكية” وعدولها عن قراراها ضعيفاً، وهذا ناتج عن الاضطراب الذي تعيشه “المنطقة”، مع حالة التفكك والتخبط العربي، والإسلامي.

على العموم، تشير تصريحات صادرة عن مسؤولين “أمريكيين” أن “إدارة ترامب لا تريد تعقيد مساعي إنعاش محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بإعلان نقل السفارة”، وهذا يمكن أن يقرأ أيضاً في تصريحات “متطابقة” لـ”وزير الخارجية الأمريكي” ريكس تيلرسون، في سياق كلامه حول موعد القرار النهائي بشأن نقل السفارة بأن: (( الرئيس – ترامب – يستمع إلى جميع الأطراف المعنية في المنطقة لمعرفة ما سيكون لذلك من تأثير على عملية السلام، ولمعرفة ما إذا كان نقلها مفيداً أو سيسبب فوضى )).

القضية دخلت إذاً إطار التأجيل، وهذا أمر طبيعي للغاية فالولايات المتحدة الأمريكية، قادرة على نقل سفارتها إلى القدس، مستفيدةً من تدهور الأوضاع على الساحة العربية عموماً، كذلك تمتلك الإدارة الأمريكية يقيناً بعدم وجود تأثير دولي على قراره، بل ربما يستتبع ذلك لهاث حول “إرضاء الصهاينة”، لكن مع احتمال حصول تداعيات كبيرة سياسية وعسكرية، سوف يثني “واشنطن” عن تحركاتها تلك، فثمة مخاوف من اتساع رقعة المواجهة “العربية-الإسرائيلية” قد تصبح نتيجة هذه الخطوة الغير مدروسة مواجهة “عربية- إسرائيلية أمريكية”. وهذا يرجع لطبيعة ومكانة المنطقة في “قلوب الشعوب المسلمة” التي يعنيها هذا الأمر كثيراً، وهي “شعوب” تتنظر الفرصة للانقضاض على حكامها “لإحياء المارد الإسلامي” وهذا ما تدركه تماماً معظم دول الغرب وتتخوف منه، في حين أن المخاوف من “حكام الدول العربية” غير موجود أساساً، وهم حالياً في موقف ضعفٍ أمام شعوبهم “لا يحسدون عليه”، وإن كانوا لا يملكون القدرة والإرادة لاتخاذ قرار من شأنه أن يعارض الموقف الأمريكي هذا.

إنّ خطورة نقل السفارة الأمريكية إلى “القدس” يعني عملياً الاعتراف النهائي بـ”إسرائيل” كـ”دولة”، عاصمتها “القدس” أو “أورشليم” كما يحلو للصهاينة تسميتها، وهذا يفضي إلى وقف العملية التفاوضية – المتوقفة أصلاً- بين الجانبين “الفلسطيني” و”الإسرائيلي”، وينسف فكرة الجلوس إلى “طاولة التفاوض”، وبالتالي سيكون التعامل عالمياً مع هذا الملف من “المنظور الأمريكي”.

المعلوم بالضرورة أن “واشنطن” ليست وسيطاً نزيهاً في عملية السلام، لكنها ليست “متهورة” لدرجة إيجاد أرضية جديدة تهدد المنطقة القابعة على صفيحٍ بركاني ينتظر لحظة التفجر، وهي تدرك تماماً عقلية “تنظيم القاعدة” و”داعش” التي سوف تجيّر الأمر لصالحها، وسوف لن تستقطب الشعوب العربية فقط لقتال “الأمريكان”، بل إنها ستنادي بـ”الجهاد المقدس”، وهذا ما يحجِّم “واشنطن” ويدفعها للتفكير ألف مرة في كل خطوة تخطوها في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما وأن المنطقة باتت “بؤرة” للتنظيمات الجهادية، قريبة وليست بعيدة كما كانت من قبل في “أفغانستان”.

الفلسطينيون أنفسهم لن يكونوا مكتوفي الأيدي حيال هذا الخيار وهذا يمكن فهمه من تصريحات عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” محمد اشتية، الذي قال: (( إنه إذا تم الإعلان عن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس فإن الفلسطينيون سيعيدون النظر بالاعتراف بدولة إسرائيل، وسينفذون خطوات احتجاجية أخرى متعلقة بكامل المسار السياسي)). مضيفاً أن: (( الحديث عن نقل السفارة الأمريكية للقدس يعني نهاية حل الدولتين ويعني بالنسبة لنا انتهاء المسار التفاوضي وإغلاق الباب كلياً أمام المفاوضات، وهذا غير مقبول بالنسبة لنا وبالنسبة للمجتمع الدولي الذي لن يقبل هذا الموضوع )). وهذا الموقف يتطابق مع ما حذرت منه “الهيئة الإسلامية العُليا”.

الموقف الأمريكي اليوم يحاول كسب “العرب” و”المسلمين” نتيجة لتعقيدات وظروف يطول شرحها تعانيها الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً، وهي اليوم بصدد محاولة تشكيل تحالف “أمريكي – سني” وتمويل نفسها لإدارة الحرب على ما يسمى “الإرهاب” وهذه تعتبر “أولوية” تؤجل قراراً خطيراً بحجم اللعب وفتح ملف “القدس” بهذه الطريقة.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend