من جنيف: “الأسد أو لا أحد”

تسير الأمور باتجاه يتوافق مع تطلعات “نظام الأسد”، المستفيد الوحيد من كل ما يحصل سياسياً، وكأنّ “الرياح تجري بما يشتهي الأسدُ”…!!

الأيام السورية (خاص) - فرات الشامي - سوريا

الوقوف خلف “الإبهام” و”التعامي” عن حقيقة المشهد يشكل خطئاً تاريخياً يحسب لصالح “الأسد” أيضاً، ولعل المكسب الوحيد المتحقق من خلال مثل هكذا “مؤتمرات” بالنسبة لـ”الثورة السورية” يتمثل بإبقاء الضوء مسلطاً على “القضية السورية” وظروف الدمار التي يمر بها عموم الشعب السوري، الذي بدا منهكاً، سواءً وقف إلى هذا الجانب أم ذاك.

التفاؤل بحدوث تقدم في مسار التفاوض أمرٌ بعيدٌ عن المنطق، لكن مع دخول “الولايات المتحدة الأمريكية” على “حلبة الصراع”، يمكن أن يبنى عليه انتهاء زمن “اللعب الروسي” المتفرد بالمشهد، حين اعتبرت نفسها “المفوّض” مطلقاً باتخاذ القرارات المصيرية في المنطقة.

“واشنطن” تنبهت في عهد “ترامب” إلى ضرورة قطف الثمار الناضجة، فكل اللاعبين منهكين تماماً، وممارسة ضغوطات بسيطة معهم سوف تعود عليها بالربح الوفير. وما يعطي “أمريكا” القوة في التدخل هو تلك النزعة التي تطمح لتحجيم دور “طهران” في المنطقة، بعد أن تضخمت “الأنا الإيرانية” وتوسع نفوذها على أهم أربع عواصم عربية، “صنعاء، بيروت، بغداد، دمشق”.

جنيف 6، ليس مختلف عما قبله، لكنه يأتي في وقتٍ تبحث فيه رؤوس الصراع عن مناطق نفوذ وتثبيت قدمٍ لها في المنطقة وبأقل الخسائر.

إيران ذاتها متضررة من “الضرة” الروسية، التي استحوذت على كل “الكعكة”، وهي أيضاً تبحث عن “خيط نجاة”، يخرجها محافظةً على ماء الوجه – إن بقي لها وجه أصلاً – بالتالي؛ لا يوجد شركات اليوم حقيقية، إنما مصالح مشتركة ومتبدلة. جميع ما سبق، أكسب “الأسد” مزيداً من الوقت، وساعد محركيه على الاستمرار في التفاوض.

الإدارة الأميركية الجديدة، تراقب تماماً المشهد، وتطمح لدور أكبر انطلاقاً من شعارها “أمريكا أولاً”، لكنها مع ذلك لا تمتلك “رؤية واضحة للحل”، وهذا ما يؤدي منطقياً إلى توقع “جنيف 7”.

بينما يستمر “الأسد” باستغلال الضبابية تلك، والتذبذب في المواقف، عارضاً نفسه كطرفٍ موافقٍ على “العملية التفاوضية”، فقد كانت معظم الجولات السابقة مجرد تقديم عرضٍ واحدٍ من طرف النظام السوري”، وهي “شراكته في مكافحة الإرهاب”، لتبقى بعد وأثناء هذا “عملية التفاوض” مجرد “مسرحية هزلية” بإخراجٍ ضعيف.

بعيداً عن الدخول في تفاصيل الاتفاقات “الأستانية” و”جنيف” التي وصل عددها إلى “ستة”، وربما تكون قابلة للزيادة مستقبلاً “اللهم لا حسد”، إلا أنّ معظمها مر على وقعٍ مميز وسيمفونية “الرصاص”، و”اشتعال الجبهات”، لكن فيما بين “الفصائل الثورية”، فمن “الاقتتال بين فتح الشام” مع “أحرار الشام” و”صقور الشام”، وصولاً إلى الغوطة الشرقية والاقتتال بين “جيش الإسلام” من جهة، مع “الأحرار، وفيلق الشام” من جهةٍ ثانية. بعيداً عن هذه التفاصيل، فقد بدا أنّ “نظام الأسد” جلس متربعاً “ليؤمِّن” محيط العاصمة السورية، وينظف أطرافها تباعاً من “معارضيه”، إضافة للتوغل في مناطق أخرى، مستفيداً من حالة التخبط العسكري الذي تعيشه “فصائل الثوار”.

اتفاق أستانة الأخير، الذي نتج عنه توافق “روسي – تركي” يرمي إلى ترسيم خرائط أربع مناطق لـ”وقف التصعيد”، متمثلةً بـ”درعا، غوطة دمشق، إدلب، ريف حمص”، سمح للأسد عملياً استكمال تطهير المناطق المحيطة بدمشق، وتسارعت خطوات التهجير القسري والتغيير الديمغرافي، مما يسمح في وقتٍ قريب بضرب “طوق أمني” يعزز هيمنة الأسد على “العاصمة”، وتحديداً حي “القابون”.

“جنيف6” وما قبله لم يكن إلا تمييعاً في المقام الأول، وفتح الباب أمام إبراز “تخبط المعارضة”، وظهور “تناقضاتها” أمام الرأي العام الداخلي والعالمي، وبالتالي تعزيز مقولة أن “الأسد أو لا أحد”، هي البديل في مثل هذه الحالة، وإلا فإن “دولة” بحجم وأهمية “سورية” سوف تكون بحكم “الساقطة” بأيدي “عصابات متمردة” غير منسجمة مع نفسها، وإنما تسعى عبر “أمراء الحرب” لبناء “ممالك مزيفة” من شأنها أن تهدد الاستقرار العالمي، وتصدر “الإرهاب” و”التطرف” للعالم.

من الواضح أن مسارات “جنيف” جميعها هدفت تدريجياً إلى إقناع العالم بعدم جدوى “الانتقال السياسي” في الوقت الراهن، وساعدت في تأكيد هذه الفرضية “سياسات المعارضة” بشقيها “العسكري والسياسي”.

أثناء هذه المفاوضات، تبقى “بوصلة النظام السوري” واضحة، وتسير في ذات الاتجاه المرسوم لها، ضمن إطارٍ يتلخص بنسف مسار “جنيف التفاوضي”، مستغلاً اتفاق مناطق “تخفيف التوتر”، وتدعيم “مناطق نفوذه”، بهدف إتاحة الفرصة لـ”فرض حلول” على مقاس “نظام الأسد”، لتسهم في ترسيخ قدمه في “السلطة”.

سياسياً، جميع الاتفاقات واللقاءات بين المعارضة السورية “المتشرذمة “، وممثلي “نظام الأسد”، كانت تمثل “طوق نجاة” يتعلق بها “الأسد” وحلفاؤه، في حين أنّ “معارك عسكرية” كان من شأنها – لو فتحت – أن تكون ذات ثقل وتأثير على الصعيدين السياسي التفاوضي والعسكري.

القضية ليست مجرد “تهجير سكاني” يستتبع قمم “جنيف” وكذلك “أستانة”، فالأمر بلغ من الاستعصاء حداً فاق المنطق، وإن كان قد سمح لـ”عصابات الأسد” التقاط أنفاسها، ومن ثم التحرك السريع باتجاه الانقضاض على بعض المناطق الضعيفة واستغلال الانشغال بتوجيه البندقية فيما بين “الثوار”، ليكون بذلك المتضرر الأكبر هو “سورية ذاتها” كدولة، بات من الواضح بروز أنياب “التقسيم” و”التفتيت” للبنية الاجتماعية فضلاً عن “وحدة أراضيها.

الأسد نفسه وصف مفاوضات “جنيف” بأنها “مجرد لقاء إعلامي” في إحدى المقابلات التلفزيونية التي أجريت معه مؤخراً، ما يؤكد مجدداً أن نظامه ينوي مبكراً وأد “الحل السياسي”، و”تتفيه” الجهود الدولية لإنهاء مشكلة “الملف السوري” المستعصية، عبر القنوات السياسية، وإن كان ذلك عملياً يصب في مصلحة “الأطراف الكبرى” المتصارعة على النفوذ في سورية.

عسكرياً، المعادلة صعبة لكن ثمة رقمٌ “صعبٌ في الداخل السوري” لا يمكن تجاهله، والعالم يدرك حقيقة الأمر، ويعلم يقيناً أن “بشار الأسد” انتهت صلاحيته، بل إن إعادة تأهيل نظامه بات مستحيلاً، في ظل إرادة “شعبية” كبيرة ترفض بقاء “نظامه ومخابراته” في رأس الهرم.

تمرير اتفاقيات “جنيف” التي قد يصل عددها إلى ما لانهاية، لن يعني إلا عجز المجتمع الدولي عن الخروج من “المستنقع السوري” وإعادة تأهيل “الأسد” أو على الأقل نظامٍ “مشابه”، لكنه بالنهاية يكشف عن الانقسام في داخل البيت “المعارض”، وترهل الجهاز السياسي لهذه المعارضة، والتي ما لم تعيد التفكير بذهنية الولاء لـ”الوطن” وتقديم مصلحته، على نزواتها، فإنها لن تطال حتى البقاء تحت هواء المكيفات باسم الشعب السوري مستقبلاً، لا سيما في حال “انتصر الأسد”، يومها لن تكون إلا في حكم “الملاحق”، فهل “يصحو الغافل”؟!!

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend