“ترامب” يعيد الاعتبار للدور “السعودي” في المنطقة

إنّ قراءة متأنية في خطابات الرئيس الأمريكي “ترامب” توحي بأن المرحلة القادمة سوف تكون أمريكية بامتياز، وسوف تقلب الطاولة على التحالفات القديمة، وتعطي نكهة خاصة للصراع على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط.

الأيام السورية (خاص) - فرات الشامي - سوريا

الواضح أنّ إدارة “ترامب” تحاول فهم الدور السياسي والديني للملكة العربية السعودية وتأثيرها الكبير في المنطقة، بل إنها تحاول فرض شراكة مع “المملكة” وإن كان قوامها الأول “المصلحة الأمريكية” غير أنها ستعيد الدور للكيان “السني” حضوره في الشرق الأوسط، في مواجهة “الكيان الشيعي الإيراني” المتغلغل في المنطقة.

لا يمكن أن تفهم هذه الشراكة على أنها لصالح “المسلمين السنة” بقدر ما يمكن فهمها على أنها إطار سوف يسهم مستقبلاً بتأجيج وتعميق الخلاف “الشيعي – السني”، والذي هو في أساسه صراع سياسي بلباس “ديني”.

عموماً، أمريكا تعمل وفق أجندة محددة، تنطلق فيها من مناطق النفوذ والقوة في المنطقة، فمن “المملكة العربية السعودية” الحليف الأول لـ”المعارضة السورية”، إلى “تل أبيب” المتوجسة خيفةً من استمرار الصراع على حدودها، والتي لديها تخوفات حقيقية من تمدد نفوذ أحد المنتصرين “إيران” ذات المشروع التوسعي، و”التنظيمات الجهادية” العابرة للحدود، والتي لن تقف عند “سورية” بعد الانتهاء من “القضاء على نظام الأسد”، فالوجهة باتت واضحة ومعروفة.

جميع ما سبق في الحسبان الأمريكي، وعليه فإن زيارات “ترامب” سوف تكون لمحاصرة هذه المشاكل والعمل على “استئصالها نهائياً”، قد تنتهي ظاهرياً لصالح السوريين، من حيث وقف “شلال الدم”، لكنها في الغالب لن تخرج عن كونها “خدمةً للكيان الصهيوني”، ودون شك خدمةً لشعار “أمريكا أولاً”، ونتائجه لن تلمس في الفترة القريبة.

عملياً تشكل زيارة “ترامب” للملكة السعودية رسائل بعدة اتجاهات، فهي بدايةً تعيد لهذه “الدولة” حضورها وقوتها في “ملفات المنطقة”، وتشكل بطبيعة الحال فهماً أمريكياً للدور الديني الذي تتربع على قمته “السعودية”، وهذا يتضح من خلال تصريحات “ترامب” نفسه على هامش استقباله عدداً من رجال الدين المسيحيين الكاثوليك حين قال: “يسعدني أن أعلن أن أول رحلة أجنبية لي كرئيس للولايات المتحدة ستكون إلى السعودية ثم إسرائيل، ومن ثم إلى مكان يهواه الكاردينالات كثيراً وهو روما”.

مضيفاً: “السعودية هي من تتولى شأن اثنين من أكثر الأماكن قدسية في الإسلام (الحرمين المكي والنبوي)، ومن هناك سنقوم بوضع أسس جديدة للتعاون والدعم مع حلفائنا المسلمين لمحاربة التطرف والإرهاب والعنف، ولكي نتبنى مستقبلاً أكثر عدالة وأملاً للشباب المسلم في بلدانهم”.

الزيارة هذه لا يمكن أن تندرج تحت باب “المجاملة” بل ولا حتى من قبيل “العتب” كما أتت زيارة “أوباما” في العام 2016، وما تشير إليه بعض تصريحات “ترامب” تدل على أنه يحمل “أجندة عمل”، وهذا واضح في كلامه بأن مهمة بلاده  “ليس أن نوجه الآخرين لكيفية ممارسة حياتهم بل لبناء
تحالف من الأصدقاء والشركاء الذين يشاركوننا الهدف في محاربة الإرهاب”.

إذاً، أولوية “السياسة الأمريكية” واضحة، بناء تحالف مع العرب بقيادة سعودية، ومن ثم محاربة “الإرهاب”، والأولوية دون شك “تنظيم داعش” ومن بعدها “النصرة/ فرع تنظيم القاعدة في سورية”، كما أن إرضاء “السعودية” لا يمر دون “إنهاء ملف الهيمنة الإيرانية”.

توقيت الزيارة ملمح مهم، حيث يحتدم الصراع، وتتسارع وتيرة التراشق والاتهامات حول وصول الأزمة السورية تحديداً إلى ذروتها، وما يمكن أن يعنيه استمرارها على عموم الدول اللاعبة والمشاركة في المستقبل، وما يتهدد المنطقة من عدم استقرار، هذا مع ما يمكن الحديث عنه حول ملفٌ لا يقل أهمية عن “سورية” وهو “ملف اليمن”، وتشترك هذه الملفات مع لاعب قوي تعتبره “دول الخليج” خطراً على أمنها ونعني “إيران”، التي ما انفكت ترفع شعار “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”.

استثنائية هذه الزيارة من كونها ترتب بحسب بعض المعلومات التي ترشحت بأنها ستدعم إنشاء حلف “أمريكي – عربي” لمحاربة تنظيم “داعش”.

“واشنطن” تدرك خطورة “تنظيم داعش” على المستوى الدولي، وهي تعي طبعاً أن “تكلفة الحرب” سوف تكون “مرتفعة”، ولا يمكن أن تتحملها “منفردة”، نظراً لتوسع رقعة امتداد التنظيم من “العراق” مروراً بـ”سورية” وصولاً إلى “مصر وليبيا”، بالمقابل تريد “واشنطن” أن تتسلم “مفاتيح القيادة”، والبحث عن ممول لحربها طويلة الأمد.

ومن الواضح أن التدخل العسكري في سورية سوف يكون من الجنوب، وليس من “الشمال” كما ترى بعض التحليلات، فما يزال التوتر قائماً بين “أنقرة” و”واشنطن”، بينما هناك توافق بين الأخيرة و”عمان” إضافة لدور “بريطاني” محتمل كما تشير المعطيات.

السعودية لا يمكن أن تغرد بعيداً عن هذا “السرب”، بل هي “ممتنة” لهذه “الزيارة” التي تعتبر بمقام “رد اعتبار للملكة” بعد تهميشها من قبل الإدارة الأمريكية السابقة، ما سيجعل “الجيش والمال السعودي” طيعاً في خدمة “الأمريكان”.

وإذا كان الهدف عسكرياً تصفية جيوب “داعش” بالإضافة إلى “جبهة النصرة” في الجنوب، والامتداد نحو البادية، وصولاً إلى منطقة دير الزور والحدود السورية العراقية في القائم والأنبار، فإن هناك هدفاً تسعى له “المملكتين السعودية والأردنية” يتمثل بتحجيم “إيران”.

ثمة رضاً “إسرائيلي” حول هكذا تحرك، وإن كان تدخل هذه الأخيرة لن يكون “معلناً”، فهي معنية بملف “الجار السوري” وكذلك “الملف النووي الإيراني” الذي يمكن حسمه نهائياً في مثل هذه الظروف.

“إيران” بهذه الصورة هي المعنية بلقاء القمة بين “السعودية” و”الولايات المتحدة الأمريكية”، ويبدو أن “طهران” التقطت هذه الرسالة، بل وفهمت ما حملته النسخة السابعة من “مناورات الأسد المتأهب” في الأردن.

مسألة إنهاء حقبة الأسد بات تحصيل حاصل، ومن المفترض على حكومة “الرياض” تجيير هذا اللقاء لضرب عدوها اللدود، والذي بات أكثر خطورة على السلم الداخلي، حيث أخذت التهديدات “الإيرانية” تطال القيادة “السعودية” ودورها في العالم “الإسلامي”، ومن المحتمل أن يخلص هذا اللقاء ليس فقط إلى “عزل طهران”، بل هناك ما هو أبعد من ذلك بكثير، ويتمثل بإبعادها إلى “داخل حدودها”، وهذا أمر تتفق عليه “حكومات الدول العربية”، وتلوح به “دول الخليج العربي” خاصةً، مع كونه غاية “إسرائيلية”، وأخيراً مطلب “المعارضة السورية”.

“إيران” لن تقف مكتوفة الأيدي؛ وسوف تعتبر أي قرار من هذا النوع، بمثابة “إعلان حرب”، لكنها لن تجد نفسها إلا خارج اللعبة، إذا اتبعت “سياسة التعنت”، لأسباب داخلية تدركها “حكومة طهران”، إضافة لعامل التفوق العسكري الأمريكي، كما أن “موسكو” لا يمكن بحال من الأحوال الدخول في صدام عسكري مع العالم لصالح الدفاع عن “طهران”.

من المفترض أن يتم خلال هذه الزيارة تأسيس شراكة حقيقية مقدمتها “مصلحة الشعوب العربية” و”الأرض العربية”، تبنى وفق أسسٍ جديدة وعميقة، مختلفة عن سائر التحالفات السابقة، وهذا يعني ترك الباب موارباً على صراعات “اقتصادية وسياسية” وربما “عسكرية” مستقبلاً.

زيارة “ترامب” استثنائية في المنطقة، وانعطاف تاريخي مهم، في حال تمكنت “المعارضة السورية” من بناء شراكة “ندية” مع “واشنطن” لصالح التحول الديمقراطي في سورية، وبناء مرحلة جديدة تؤسس لدولة المواطنة السورية، إذا نجحت بإيصال رسالة الشعب السوري التي من ضمنها “وحدة الأراضي السورية وسيادة الشعب على أرضه”.

الواضح أن الحاضر القوي في هذه الزيارة ليس “الأسد”، بل اليد المحركة لتلك الدمية، والمعنية فعلياً بما يحصل في المنطقة، لكنه ليس غائباً تماماً، فبقاء نظامه وعدمه بات أمراً “منتهياً”، بانتظار وضع اللمسات الأخيرة، والبهارات “الأمريكية”.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend