الجلاء.. والديمقراطية، والنظم الشمولية

بقلم| عقاب يحيى


زمان، مرحلة شيوع الأفكار اليسارية، والقومية. مرحلة وصول العسكر للحكم برايات حزبية، أو بمشاريع شمولية كان الموج قوياً باتجاه الاشتراكية، والنظم الأحادية، وبدا ذلك الطريق الوحيد لبلدان العالم الثالث كي تلحق بالعصر، وتحقق استقلالها الاقتصادي والسياسي، فانبثقت نظريات ” حرق المراحل” و” الحزب الواحد القائد”، والنظام الشمولي، المركزي انتساخاً للتجربة السوفيتية، ولو في غير ظروفها وأدواتها.

وحين تكرّس انقسام العالم إلى معسكرين يشطران جميع الدول بالانحياز إلى واحد منهما، كان الطبيعي أن تلتحق حركات التحرر الوطني والقومي بالمعسكر الاشتراكي، وإن حاولت بعض النظم التمايز النسبي عنهما فيما يعرف بحركة عدم الانحياز التي كانت معظمها منحازة فعلياً لهذا المعسكر أو ذاك.

يضاف إلى هذا عاملين متراكبين: فلسطين التي نُظر إليها كقضية مركزية لجميع العرب، والوحدة القومية التي اعتبرت مخرج العرب من التخلف والتبعية والتمزق.

ولأن الكيان الصهيوني صناعة غربية بالأساس، ويلقى الدعم اللامحدود من الدول الرأسمالية في علاقة تتجاوز المعهود إلى نسيج عضوي يرتبط بالاستراتيجية الكبرى لتلك الدول. ولأن التجزئة اعتبرت نتاج الاستعمار والتآمر، والوقوف ضد طموحات العرب بالتوحيد في كيان سياسي.

تضافرت هذه العوامل لتوليف ما يشبه الفلسفة السياسية المتشابكة المعادية للدول الغربية ونظمها السائدة إن كان لجهة الرأسمالية وموقع البرجوازية فيها، أو لجهة النظام الديقراطي الذي اعتبر جزءاً من سلاح تلك الدول ضد بقية دول العالم، وكان لمصر عبد الناصر، وللبعث الواصل للحكم عبر العسكر دور مهم في بلورة تلك الفلسفة والعمل على ممارستها، وإلغاء تلك التجارب الديمقراطية التي كانت سائدة في البلدين.

ـ لقد وجهت انتقادات عنيفة، وشاملة للبرجوازية وحكمها، وجرى تناول بنيانها وسلبياتها في جميع المجالات، بما فيها الوجه المشرق بتلك الحالة الديمقراطية التي أرستها، والتي نجحت في نقل سورية إلى مصاف الدول القريبة من المتطورة، وأطلقت العنان لحراك سياسي وجماهيري لم تعرفه البلاد.. وكان ذلك أحد ثمار الجلاء، ومنجزات ” الكتلة الوطنية” التي قادته.

ـ مبررات كثيرة حُشدت لترسيخ النظام الشمولي، واستبدال الديمقراطية بأخرى ممسوخة، ومجوّفة فيما عرف بالديمقراطية الشعبية، بينما كانت الأحادية تتغوّل لإنتاج بنى استبدادية مكينة نجحت، بعد هزيمة حزيران 1967 في الخروج من رحم  تلك النظم والقيام بانقلاب كامل فيما يصطلح عليه بمرحلة الارتداد حين ترسّخت نظم الفرد، والأجهزة الأمنية، والعسكر، وإعدام الحياة السياسية والديمقراطية العامة والخاصة، ومحاولات قولبة المجتمع، والفرد وفقاً لمصالح الحاكم وتأبيد استمراره في السلطة، وتهشيم الحريات، ومعنى الانتخابات بفرض القوائم المعدّة سلفاً من القوى الأمنية، وتأمين وصولها إلى مجالس شعب مفرّغة من مهامها الأساس.                

ورغم كل المآخذ التي وجهت لمرحلة ما بعد الجلاء، وموقع الانقلا بات العسكرية فيها، ومحاولات إلغاء الحياة الديمقراطية، إلا أن تلك الفترة تعتبر بحق المرحلة الزاهية في تاريخ سورية الحديث، خاصة المرحلة الممتدة من 1954 وحتى قيام الوحدة المصرية السورية : شباط 1958 التي وأدت تلك التجربة، وألغت الأحزاب، وفتحت المجال لترسيخ نظام الأحادية، والشمولية، والذي اتخذ مواصفات منافية لجوهره، وإيمان قادة تلك المرحلة به مع الانقلاب الذي قاده حافظ الأسد ـ تشرين الثاني 1970ـ  والذي أسس فيه لنظام آخر أوصل البلاد إلى الدمار، وما يشبه الحرب الأهلية.

ـ لقد ثار الشعب السوري بعد عقود من القمع والتغييب طلباً للحرية والكرامة والعدالة، وحين تبنى علم سورية للمرحلة الديمقراطية كان يلخص بذلك حنينه وارتباطه بتلك الفترة، ومحاولة العودة إلى جوهرها في نظام ديمقراطي، تعددي يلغي الاستبداد والأحادية ويفتح المجال لمساواة جميع السوريين على أساس المواطنة، والقانون الذي يسري على الجميع، وضمن دستور عصري يضع بلادنا على سكة التطور، والانفتاح، والعدالة.

ـ اليوم يستلهم السوريون روح الجلاء بتمسكهم بالحرية سبيلاً ونظاماً، وبوحدة البلاد الجغرافية والسياسية، وتكريس الوحدة المجتمعية على أسس تحقيق المطالب المشروعة لجميع المكوّنات، وإطلاق الحريات العامة يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية الشعب فيها هو صاحب القرار من خلال انتخابات تشريعية نزيهة، وبرلمان سيد يمنع تغوّل الفرد، وعودة الدكتاتورية.

ـ اليوم وشعبنا في محنة كبيرة يرنو إلى عيد الجلاء بالفخر، والإرادة أن يستلهم إرادة ذلك الرعيل من الوطنيين السوريين الذين حرصوا على وحدة البلاد، وتكريس النظام الديمقراطي.             

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend