جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

التفكك الأسري: ظاهرة اجتماعية تزيد الطين بلة في سوريا

الأيام السورية – ميرنا الحسن – إدلب

لا شك أن النساء في المجتمع السوري من قبل الثورة اعتبروا سبب جميع الكوارث والأزمات وفق طبيعة البيئة الذكورية، ومن الطبيعي أن يكن هن السبب في التفكك الأسري المباشر أو الغير مباشر بعد انعكاسات الحرب التي كسّرت جميع القواعد وبينت الحالات الشاذة منها.

فبعد اندلاع الثورة السورية بوقت قليل بدأت تتضح العديد من علامات الخلل في التعامل بين الوالدان والأطفال أو بين الآباء والأمهات فضلًا عن صعوبة تأقلمهم جميعًا مع ظروف الحياة الصعبة التي أفرزتها الحرب فكان الطلاق السري أو العلني هو السبيل للتخلص منها وبالتالي تشتت نواة المجتمع الأولى (الأسرة).

بهذا الصدد جمعت جريدة “الأيام” بعضًا من حالات التفكك الأسري التي يرد الرجال أسبابها إلى المرأة السورية حتى لو كانت خارجة عن إرادتها، فتبدل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من ناحية، وتباين الآراء السياسية والدينية من ناحية أخرى إضافة للحالة النفسية التي تؤثر سلبًا على معظم النساء.

صُدمنا بعالم لا يُشبهنا بشىء

ضائقة مادية تسيطر على عائلة غنية سابقًا أمر لم يتقبله كُثر سواء من الرجال الذين أحسوا أنهم غير قادرين على إعالة أسرهم كما في السابق، أو من النساء اللواتي انفصلن عن أزواجهن عقب تحاصرهن بالفقر الشديد وعدم قدرتهن على معايشته.

أم محمد من أحياء حمص القديمة هُجّرت مع عائلتها المكونة من 5 أشخاص قصرًا إلى إدلب في الشمال السوري تقول: “بعد استقرارنا بمركز للإيواء مع أطفالي الثلاثة سافر زوجي إلى تركيا وتركني أواجه الفقر بحجة أنني مسرفة لم أتأقلم مع ظروف الحرب وهو غير قادر على تقديم كل ما نطلب فاختار طريق الهجرة لإشعار آخر”.

فبينما أبو محمد سافر هربًا من فقره لكن هنالك كثير من العائلات خرجوا للدول الأوربية آملين بحياة رغدة بعيدة عن أجواء الحرب فذهبوا مجتمعين وعادوا لسوريا أفرادًا مشتتين.

“قبل سفرنا بعنا كل أملاكنا وأثاثنا ظنًا منا أنها روحة بلا رجعة إلا أننا انصدمنا بعالم لا يشبهنا بشيء وحاولنا جاهدين التكيف معه من غير فائدة فعدنا خائبين واستأجرنا غرفة لم نتوقع الجلوس فيها يومًا ما ومن ذاك الوقت حتى الآن وخلافاتي وهمومي كثيرة يومية مع زوجي لأني أنا من أطلقت فكرة سفرنا على حد زعمه” وفق ما ذكرت أم وائل /40/ عامًا من ريف حلب شمالي سوريا.\د

فبعد اندلاع الثورة السورية بوقت قليل بدأت تتضح العديد من علامات الخلل في التعامل بين الوالدان والأطفال أو بين الآباء والأمهات فضلًا عن صعوبة تأقلمهم جميعًا مع ظروف الحياة الصعبة التي أفرزتها الحرب فكان الطلاق السري أو العلني هو السبيل للتخلص منها وبالتالي تشتت نواة المجتمع الأولى (الأسرة).

اسباب تزايد حالات الطلاق في المجتمع السوري

وبعيدًا الجانب الاقتصادي ظهرت العديد من حالات الطلاق ذات أسباب بعضها سخيف ولا تحتمل الشك أبدًا بطرف واحد لكنها في النهاية أفضت إلى ضياع الأسرة.

وحول ما سبق أوضحت سهام /30 عامًا/ من مدينة إدلب أن زوجها بعد اندلاع الثورة السورية بعام واحد طلقها فقط لأن رأيها السياسي يخالف رأيه وعليها أن تؤيده بكل كلمة حتى لو كانت خاطئة وسوف يتعلمها أطفالها من بعده، وأضافت أن عشرات الحالات مثلها تم طلاقهن لنفس السبب حتى في مناطق سيطرة نظام الأسد.

وهذا ما أكده القاضي الشرعي الأول بدمشق “محمود المعرواي” عندما قال لوسائل اعلام خاصة بنظام الأسد: “إن نسبة الطلاق في سورية بعد الحرب السورية ارتفع إلى 143% لتبلغ 7300 حالة خلال عام واحد”.

وفي سياق متصل أفرزت الحرب سببًا آخر للطلاق كان من المفترض أن يكون (لمًا للشمل) فأضحى العامل الأول لانهيار الأسرة وهذا ما تحدثت به ليلى من ريف اللاذقية وهي في العشرين من عمرها.

فبعد أن تزوجت بأشهر قليلة وفتحت أبواب الهجرة إلى ألمانيا غادر زوجها سوريا بغية أن يسحبها لهناك عبر (لم الشمل) وإلى الآن لم يحصل ذلك وباتت تنتظره بأحلامها وقلبها بعدما طلقها والدها منه بشكل قانوني واتهمها بسوء اختيار شريكها فهو وراء تسميتها بالمطلقة بمجتمع شرقي لا يرحمها.

وفي تصريح خاص للــ أيام من المحامي “طارق حاج بكري” شرح أن المادة (109) من قانون الأحوال الشخصية تجيز التفريق للغيبة، وبموجب ذلك، وفق قوله، “يحق للزوجة أن تحصل على طلاقها بعد أن تثبت غياب زوجها لمدة تزيد على السنة بشكل قانون ولو كان ينفق عليها وهذا ما يسمى بالتفريق لعلة الغياب، وفي حال كان سفره بموافقتها يمكنها أيضًا طلب التفريق إذا رفض العودة بموجب القانون لعلة الشقاق إذا لم يكن قد أكمل سنة   باعتبار أن غيابه يضر بها نفسيًا وفيزيولوجيًا”.

الحياة تحتاج الى إقدام وليس الى أقدام

بعيدًا عن ذلك ظهرت حالات محزنة لكل من عاشها وسمع عنها فقبل الثورة السورية كانت موجودة إلا أنها ازدادت وتفاقمت نتيجة أمور معقدة فرضتها الحرب، فعقب انضمام عدد كبير من نساء سوريا لفئة (ذوي الاحتياجات الخاصة) إثر القصف الجوي تخلى كثير من الرجال عن نسائهن بحجة أنهن عاجزات عن كل شيء.

ولطالما كانت المرأة السورية رمزًا للصمود قالت “ياسمين” من ريف إدلب الجنوبي في الخامسة والعشرين من عمرها التي بترت قدمها جراء قصف ببرميل متفجر من مروحيات الأسد “الحياة تحتاج لإقدام وليس أقدام” معربة عن أسفها برأي زوجها الذي طلقها بعد فترة وجيزة من قطع ساقها واستشهاد طفليها، متهمًا إياها أنها السبب بالبلاء وأنها النحس الذي حرمه أطفاله، فقد زاد موتها حزنًا على أطفالها عصة قبر وفق قولها عندما هجرها وهي بقمة الحاجة إليه.

محمود معراوي: إن نسبة طلب الطلاق من طرف الزوج أكثر بكثير من نسبتها من قِبَل الزوجة.

بالانتقال إلى النزوح الداخلي الذي بدوره أدى للتفكك الأسري الغير مباشر تحت ظروف عدة أجبرت آلاف الأسر إلى التحول من الأسرة النووية الصغيرة للأسرة الممتدة الكبيرة التي تضم الآباء والأبناء وزوجاتهن مع أطفالهن بمنزل واحد، فاندلعت خلافات داخلية بين كل أفراد العائلة أدت إلى الصراع الدائم المدمر لعلاقات المودة بين الصغير قبل الكبير.

بهذا الصدد تحدثت رنا المهجرة من ريف دمشق إلى ريف إدلب والقاطنة مع أكثر من عشرة أشخاص من عائلة زوجها أن خلافات كبيرة نشبت بين الكبار بسبب مضايقات أطفالهم الصغار لبعضهم تارة وإثر تدقيق والدة زوجها عليها دائمًا تارة أخرى، وهذا جعل حياتهم مريرة أبشع من الطلاق بذاته.

فصحيح أن النساء كن وقودًا للحرب السورية ودفعن الضريبة الكبرى ومازال معظم الرجال ينسبون خراب منازلهم أسريًا أو ماديًا للنساء بعكس ما أكده القاضي الشرعي الأول في دمشق، “محمود معراوي” أن نسبة طلب الطلاق من طرف الزوج أكثر بكثير من نسبتها من قِبَل الزوجة.

إلا أن خطورة انتشار ظاهرة التفكك الأسري المجتمعية اليوم تكمن في المرتبة الأولى بضياع الأطفال وتشردهم والحصول على جيل يتسم بهوية اجتماعية وذاتية مضطربة لا يتمتع بالأهلية اللازمة لبناء مستقبل أفضل لمجتمعه وبناء وطن قادر على مواجهة التحديات، بغض النظر عن المتسبب سواء كان زوج أو زوجة.

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend