الانتخابات الفرنسية واحتمالات التغيير في سياساتها الدولية

 

فرات الشامي

السياسة الخارجية “الفرنسية” محط اهتمام دولي اليوم والمشهد يؤكد بأن مراقبة نتائج الانتخابات هناك تستحوذ على تطلعات جميع الأطراف الدولية والمعنية بفوز أحد المرشحين، وما سوف يترتب عليه مستقبلاً من تفاهمات سياسية وعلاقاتٍ دبلوماسية خلال السنوات الخمس المقبلة.

التحول في السياسة الخارجية بدأ على عهد الرئيس “هولاند” منذ العام 2013، حيث  نجح في تعزيز الإمكانيات العسكرية لـ”فرنسا” لتتمكن بذلك “السياسة” من تنفيذ خططها، في وقتٍ ارتفعت فيه أصواتٌ أخرى كانت تطالب بتقليص موازنة وزارة الدفاع وعدد الجنود في الجيش مستندةً إلى فرضية أن العالم يعيش فترة “سلام” وعلى رأس تلك الأصوات رئيس الوزراء السابق “ميشال روكار”، وهذا ما يدفع لمزيد من البحث في “شكل الرئاسة الجديد” اليوم.

كما أنّ التطورات الأخيرة في أوروبا بحاجة لإعادة تقييم بدايةً من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، وما يعنيه ذلك من إعطاء فرصة لـ”فرنسا” لتعزز مكانها ومركزها باعتبارها ستكون المتحدث باسم “الاتحاد” داخل أروقة “مجلس الأمن الدولي”، ما يعني أنه سيكون لمواقفها تأثيراتٍ كبيرة خارجياً وكذلك على الدول الأوربية.

تشير التقارير الإعلامية أن الأوفر حظاً بالفوز في الانتخابات الرئاسية الفرنسية هم المرشح اليساري الوسطي “إيمانويل ماكرون” واليميني “فرنسوا فيون” وكذلك مرشحة اليمين المتطرف “ماري لوبين”.

يؤمن كل من المرشحين ” ماكرون” و”فيون” بسياسة مشابهة إلى حدٍّ ما نهج  السياسة الخارجية التي سار عليها الرئيسين الجنرال “شارل ديغول” و”فرنسوا ميتران”. تلك السياسة النشطة بحسب وصف “جوزيف مايلا” الأستاذ في العلوم السياسية، والتي تعتبر الدافع لدى المرشحين “فيون” و”ماكرون” لتبني الاستمرار بها، وإن كانت مواقف “فيون” غامضة وليست متقلبة فيما يتعلق بقضايا “العالم العربي” كما تشير تصريحاته الإعلامية.

زيارة “فيون” إلى العراق ولبنان تندرج تحت شعار الدعم لـ” مسيحي الشرق” وهذا يعني مواقف سياسية جديدة تمثل موقف فرنسا “الكاثوليكية”، وهي دون شك مختلفة عن السياسة “الأطلسية” التي اتبعها الرئيس “نيكولا ساركوزي”.

بالنسبة للقواسم المشتركة بين المرشحين الثلاثة فهي بداية اجتماعهم حول ملف “إسرائيل – فلسطين” على أساس إمكانية إقامة دولتين تعيشان متجاورتين بسلام.

كذلك مواقف المرشحين اتجاه “حلف الأطلسي” فمن الواضح أن الوضع الحالي سوف يبقى على استمراريته، مع وجود توافق حول أهمية ما يسمى بـ”الدفاع عن أوروبا”.

العلاقة الدبلوماسية الفرنسية مع دول الخليج بدت من خلال تصريحات المرشحين غامضة، فالبعض من المحللين يرى أن المرحلة المقبلة سوف تشهد تراجعاً، فيما تؤكد تحليلات أخرى عكس ذلك، مشيرةً إلى إمكانية “إعادة النظر” في جزئيات بسيطة من العلاقة بين الطرفين.

“الملف السوري” كان حاضراً طبعاً، حيث تبنى المرشح الوسطي “ماكرون” ضرورة الوصول إلى “حل سلمي” والتأكيد على بناء دولة ديمقراطية تقودها حكومة تشارك فيها جميع الأطراف، وهذه السياسة تتوافق مع نهج الرئيس الحالي “هولاند”، وعلى خلاف ذلك كان موقف “فيون ولوبين” المؤيد للنظام السوري والذي يعتبر أقرب إلى “الموقف الروسي” بعد اعتبارهما أن “الأسد” يجب أن يكون شريكاً في الحل، وعلى العكس من السياسة التي تتبناها باريس والاتحاد الأوربي حالياً.

وحول مستقبل العلاقات مع “موسكو” فمن الواضح أن المرشحين “لوبين” و”فيون” يدعوان إلى ضرورة الانفتاح والتقارب مع روسيا. حيث يقول “فيون” في تصريحٍ له عن الروس: ((رغم أنهم خطيرين يجب التحاور معهم، من أجل الاستقرار في أوروبا، ويجب التحاور مع الرئيس فلاديمير بوتين واعتباره شريكاً )).

دعوات “فيون” و” لوبين” لتثبيت الحدود داخل القارة الأوروبية المحاذية لروسيا، وأيضاً إلى رفع العقوبات عن “موسكو” يعني تناقضاً مع موقف “ألمانيا” التي تخشى من التمدد الروسي في دول “البلطيق وبولونيا”، ما قد يؤدي لأزمة بين “فرنسا وألمانيا” مستقبلاً في حال فاز أحد هذين المرشحين، بينما يبدو أن موقف “ماكرون” متوافق مع السياسة الحالية الفرنسية والألمانية، وإن كان دعا إلى حوار مع “بوتين” لكنه اشترط أن يكون على أساس بنود “اتفاق كييف” الذي طلب من القوات الروسية لإنهاء احتلال قسم من أوكرانيا. بالتالي فإن الخلاف حول سياسة فرنسا المستقبلية اتجاه روسيا تتعلق بكيفية التعامل معها.

لا يمكن الجزم حتى اللحظة بفرصة نجاح أحد المرشحين، بل يمكن القول أن نتائج الانتخابات ما تزال غامضة حتى اللحظة، وتجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد خلاف جوهري بين اليمين واليسار فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الفرنسية، ومعظم القضايا التي سوف تواجه الرئيس القادم مرتبطة بالعالم العربي وفي مقدمتها “الملف السوري” والموقف من “اللاجئين” وملف “الإرهاب” وبطبيعة الحال “داعش”، والكل ينتظر موقف باريس بعدها من هذه الأزمات.

 

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend