جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

الزوجة الأم والزوج الطفل.. مسؤولية مشتركة

د. محمد طه

عند سن ثلاث إلى خمس سنوات من عمر الطفل الذكر، يكتشف أن تلك السيدة التي تربيه وترضعه (حتى سنتين من عمره)، وتحتضنه وتقوم بتنويمه ليلاً، وتهتم بكل صغيرة وكبيرة تخصه هي ليست فقط (أمه).. لكنها أيضاً (امرأة).

وأن هذه المرأة متزوجة من رجل، وأن هذا الرجل يختلي أحياناً بها، ويقترب منها، وأشياء أخرى.. امرأة لها كامل الحقوق في أن تكون (أنثى) إلى جانب كونها (أماً).. من حقها أن تشعر بنفسها وبجمالها وبأنوثتها.. من حقها أن تستمتع وتضحك وتنشغل عنه قليلا.. من حقها أن يكون لديها حياة شخصية خاصة منفصلة عنه وعن وظائفها اليومية المرتبطة به.. من حقها أن يكون لديها كيان واستقلالية ووجود.. من حقها أن تكون نفسها، دون الدوران الدائم فى فلك خدمته وإرضائه.

ومن علامات النضج والنمو النفسي الطبيعي لدى الذكور، هو أن يقبلوا أن تلك السيدة التي كانت تمثل في حياتهم دور الأم الحنون المعطاء المضحية، هي قبل ذلك وبعده وأثناءه (امرأة) وإنسانة وأنثى، وأن الدورين لا يتعارضان مع بعضهما، وليسا أضدادا، وليسا منفصلين عن بعضهما.

ومن علامات توقف النمو النفسي وأحياناً نكوصه وارتداده هى أن عقل الذكر ومخيلته وتوقعاته تفصل دائماً بين المرأة الأم.. والمرأة الأنثى.. وأن علاقة الاثنتين ببعضهما بالنسبة له (إما – أو) وليس (هذه – وتلك).

هناك رجال كثيرون (أفضل تسميتهم هنا ذكوراً)، ما زالوا واقفين فى نموهم النفسي عند هذه المرحلة.. حينما يتزوج أحدهم، فإنه يبحث عن (أم).. وحينما يريد ممارسة علاقة جنسية مشبعة، فإنه يبحث عن (أنثى).. لأن الصورتين فى ذهنه منفصلتان عن بعضهما تماماً..
يبحث صاحبنا عن زوجة/أم تعطي بلا حدود، تضحي بنفسها في سبيله، تسخر نفسها لخدمته، ليس لها أي حقوق في الحياة غير ما يمنحه لها.. تجهز له الطعام والشراب، تنظف وتكوي له ملابسه، توقظه وتنيمه كالأطفال.. لا تكل ولا تمل ولا تشتكي، لأنها تقوم بمهمة مقدسة.. هي رعايته والسهر على راحته.. وإلا فالغضب الشديد.. والانتقام الأشد.. وكأنه نصف إله.

نفس هذا الزوج حينما يحب أن يستمتع بحياته الجنسية، فإنه يبحث عن صورة أخرى مختلفة تماماً (وغالباً لا تكون زوجته/أمه).. صورة الأنثى.. الجريئة.. الواثقة من نفسها.. التي تستطيع نظرتها أن تخرقه خرقاً دون أن ينبس ببنت شفه.. تشعر بجمالها وبجسدها.. تعطي نفسها الحق في التعبير عن احتياجاتها وإشباعها.. تستمتع وتمنح المتعة في نفس الوقت.. تستطيع أن تقول (لا) عند اللزوم.

وهناك كثير من الرجال يقول بمنتهى الوضوح أنه يريدها (زوجة) نهاراً.. و(امرأة لعوبا) ليلاً.. وهذا في الحقيقة ألعن وأضل سبيلاً.. لأنه يقصد بالزوجة (الأم).. ولا يكتفي بأن يكون هو مقسوماً من الداخل إلى اثنين.. بل يريد أيضاً أن يقسم شريكة حياته لاثنين أيضاً.. لكل منهما (شيفت) على خدمته، بشكل مختلف عن الأخرى.

عزيزي الذكر ذا الثلاث سنوات من عمرك النفسي.. زوجتك ليست أمك.. زوجتك إنسانة.. زوجتك كائن آدمي.. أنثى.. امرأة.. والمفاجأة الأكبر أن لها حقوقاً.

ليست مهنة زوجتك هي تدليلك ورضاعتك والسهر على راحتك فقط.. بل من حقها أن تعيش، وتفرح، وترتاح، ويكون لها وجود منفصل عن الحبل السري الممدود إليك من أمك العالقة في ذهنك.

من حقها أن تعترض.. وترفض.. وتقول (لا).. من حقها أن تشعر بكيانها واستقلالها وإنجازاتها الشخصية بعيداً عن الذوبان في بحور رضاك وأنهار شبعك.. من حقها أن تكون نفسها وتحقق ذاتها مثلك تماماً.

بالمناسبة.. يرى الطفل نفسه في الشهور الأولى من عمره على أنه قوي وقادر ومسيطر ومتحكم في كل شيء، ذلك لأنه يجد من يحس باحتياجاته ويفهمها ويلبيها من قبل أن يطلبها في بعض الأحيان.. يرى نفسه طاووساً ضخماً يأمر فيطاع، ويغضب فيتزلزل العالم من حوله.. يملأه الغرور والنرجسية والانتفاخ النفسي الكاذب، لدرجة أنهم يسمونه Omnipotent Child.

بالمناسبة أيضاً.. كثير جداً من الأسباب النفسية العميقة (للضعف الجنسي) لدى الرجال/الذكور، هي تلك الصورة العقلية القابعة في أعمق مستويات عقلهم الباطنة عن الزوجة التي هي (أم).. ويؤكد ذلك حدوث (الضعف الجنسي) داخل المنزل، وممارسة الفحولة الجنسية خارج المنزل.

أخيراً.. ومن قبيل الإنصاف.. ليس الرجال فقط هم المسؤولون عن هذا الوضع النفسي، السيدات أيضاً مسؤولات عنه بدرجة أو بأخرى.. كل سيدة انسحقت تحت أقدام رجل.. كل امرأة أعجبها دور الأم المرضعة لزوجها.. كل أنثى أذابت نفسها في سبيل إرضاء طفل كبير، هي أيضاً مساهمة ومشاركة ومسؤولة عن هذه الجريمة المتوارثة عبر الأجيال.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend