جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

أفق الضربة العسكرية الأمريكية سياسياً وشعبياً

فرات الشامي
موضوع بقاء “نظام الأسد” وليس “الأسد” كشخص فقط مسألة وطنية ذات أبعاد شعبية، تختلف تماماً اليوم عما يدور في “زواريب” و”دهاليز” الغرف السياسية “المعتمة”، ولعل الغرب قد فهم هذه الرسالة أكثر مما فهمها “العرب” بل وحتى “المعارضة السياسية السورية” في الخارج.
لغة التصعيد السياسية بين موسكو وواشنطن يمكن أن يفهمها البعض أنها مرحلة جديدة من التوتر في العلاقات الدبلوماسية قد تنتهي بتصعيد عسكري قريب، لكن هذا يقف على عاملٍ مهم وسؤال يحل لغز العلاقة بين الطرفين، إذ إن المصالح المشتركة بين هاتين الدولتين تكاد تكون واحدة، متمثلة في “إنهاء الحالة الثورية السورية” لا سيما وقد بدأت الأمور بالانفلات وتحول المشهد على الأرض إلى حالة “جهادية” تعيد الذاكرة إلى “تنظيم القاعدة” والقضية الأفغانية في أواخر القرن الماضي، وهذا ما تخشاه الدول الإقليمية والمجتمع الدولي عموماً.
فزاعة “داعش” أو “القاعدة” إحدى أولويات السياسة الأمريكية والروسية اليوم، ولا يمكن أن يقطع رأس الأفعى قبل الانتهاء من هذه العقدة وإيجاد مخرج سريع من الوضع الراهن، ومع هذه الصورة تلوح أيضاً في الأفق فكرة الخلاص من التغلغل “الإيراني” في المنطقة، ما يعني أن هناك “مساومة” بين موسكو وواشنطن حول دور “المشروع الإيراني” وخطره على “المدلل إسرائيل”.
جميع التصريحات الروسية كانت تفيد بأنها “غير متمسكة بالأسد” وهذا صحيح، لكنها سياسياً كانت على قدر من الوعي؛ وهي تحاول القول في الاجتماعات السياسية واللقاءات الدبلوماسية “إننا نبحث عن البديل والضامن لوجود مصالحنا كروس في سورية”، لكن الإدارة الأمريكية السابقة لم تقرأ المعنى بوضوح.
التحول اليوم في الإدارة الأمريكية لا يمكن أن يفهم أنه تصعيد من قبل الرئيس “ترامب” الذي بدا – لدى بعض المحللين- متهوراً طائشاً منذ وصوله إلى البيت الأبيض، كما أنه لا يتحمل “أخطاء” سلفه “أوباما” في تحجيم الدور الأمريكي داخل الأرض السورية، وما رسالته هذه إلا نوع من التطمين لحلفائه بعودة خيوط اللعبة إلى يد “واشنطن” وتحريك العملية السياسية مجدداً لكن وفق مبدأ “القوة” و”استعراض العضلات”.
أراد “ترامب” إعطاء مصداقية لنفسه بعد ضربته “الفارغة” في المنطقة، وإبان انتقاده سياسة سلفه وخطوطه الحمراء، كما تشير تحليلات عسكرية أن الضربة الصاروخية تدخل في مضمار “التدريبات العسكرية الأمريكية” في المنطقة، بدليل أنها بدت عديمة التأثير على قدرات الأسد العسكرية؛ وهذا ما تعرفه “موسكو” تماماً والتي كانت على علمٍ مسبق بها.
موسكو تدرك تماماً أن واشنطن غير جادة في “إنهاء” النظام السوري، إذ إن الضربة الهزيلة والمسرحية السخيفة التي قدمتها الإدارة الأمريكية لم تخرج عن كونها رسالة إلى داعمي الأسد بأن يدها “غير مغلولة”، وهي في جانبٍ آخر نوع من تطمين حلفاء واشنطن في المنطقة مثل: “تركيا والسعودية على رأس دول الخليج، والأردن” وبأنها جادة في التحرك وفرض تغيير سياسي ينهي الأسد لكن بعد الانتهاء من الخطر الأكبر “داعش” ومن ثم “القاعدة”، فالضربة لم تكن “قاصمة لنظام الأسد”، مع الأخذ بعين الاعتبار القدرة العسكرية لأمريكا لتوجيه ضربة تنهي الحالة المستعصية على الأرض فعلياً.
أما الاجتماعات الدبلوماسية التي تبعت وسوف تتبع الضربة الأمريكية فلن تخرج عن كونها إعادة تشكيل حلف جديد حيث مال ميزان القوة، إذ إن العالم يتفرج اليوم على ضعف “الروس” أمام صمود “الشعب السوري”، وهذا الأخير هو صاحب القرار اليوم بعد أن أربك العالم في تحديه لقوىً تحاول سلب “إرادته” وانتزاع “سيادته” على “أرضه”، بعد أن تناسى العالم ألمه وتناسى أن داخل سورية يوجد “جيش حر” لو تم تقديم الدعم الكافي له منذ البداية لما وصلنا إلى فكر “داعش”، والذي يمكن التأكيد عليه بأن معظم الشباب السوري الذي انخرط في العمل تحت رايته دخل كـ”رد فعلٍ” على سياسات الغرب اتجاه عدالة القضية السورية، بل هذا ينطبق حتى على “المهاجرين الأجانب” الذين وصلت لهم قناعة تامة بتمسك المجتمع الدولي بـ”نظام لأسد”.
الأطراف الدولية لا يبدو أنها ترغب في “التورط” بحرب مباشرة في “سورية، ولا يوجد مؤشرات تدل على اقتراب حالة احتكاك عسكري، إنما تصعيدات “سياسية” لن تخرج عن كونها إعطاء مزيد من الوقت للأسد، كما أنّ ما يعزز هذه الفرضية وجود تقارير من “البنتاغون” تحذر من احتمالات الحرب، وتؤكد أن التدخل الأمريكي المباشر سوف ينتج عنه خسائر تفوق بشكلٍ كبير ما يمكن أن يحققه من إيجابيات.
إن ردود الأفعال اليوم تعني مزيداً من الاصطفاف والتكتل للتعجيل بحل العقدة السورية التي لم تعد تتمثل بالأسد ونظامه بقدر ما تعني في المستقبل فوضى خطرها الأول سوف يضرب “روسيا” عبر “الجهاديين الشيشان” وكذلك “إسرائيل” عبر “المجاهدين العرب” وإحياء القضية الفلسطينية من هذا الجانب، وهذا وحده كافٍ لتبرير ضربة أمريكية ناعمة تصفع “موسكو” المحتل للأرض السورية مطالبةً إياها بالوصول إلى صيغة وشكل توافقي لحكومة جديدة في سورية.
عملياً الأسد في غرفة الانعاش، بانتظار تشكيل شخصية يُجْمِع عليها أصحاب النفوذ في المنطقة، ونعني في المقام الأول “إسرائيل” ومن ثم “أمريكا وروسيا”، ولا يمكن فهم التصعيد في المواقف السياسية على أنها “إعلان حرب” بين الأطراف التي تؤيد أو تعارض النظام السوري، والجميع يعلم أن الإدارة الأمريكية لم تتخذ قراراً بعد بإسقاط الأسد أو حتى إضعافه.
بعيداً عن هذا كله يغيب عن المجتمع الدولي وجود موقف شعبي سوري واعي، يمتلك “جيشاً ثورياً وطنياً” يمثل إرادته ورغبته، قد لا يكون قادراً على تحدي الرغبات الدولية، لكنه قادر على خوض معركة “السيادة الوطنية” لأنه صاحب الشرعية على الأرض، وعلى هذا الأخير أن يفهم التوازنات الدولية الجديدة اليوم في المنطقة ويلعب اللعبة السياسية بتحصيل مزيد من التأييد الدولي لوجوده، بل عليه أن يسحب البساط من تحت الأسد نفسه، ويتحاور مع الجانب “الروسي” بقوة، والإدراك بأن مصالح مشتركة دولية يجب تحقيقها والتوافق عليها، بعد رفض التدخل الروسي كقوة احتلال بل كشريك ينهي أزمة عالقة، قد تعني ذات يوم تمدد شبح الفكر الجهادي الذي لا يبحث عن أرض لتحريرها بقدر ما يلعب بقوة حرب العصابات.
المجتمع الدولي اليوم أمام منعطف مهم سياسياً وتاريخياً، فإما العودة إلى الوراء وإما البقاء على المشهد ذاته مع مزيد من الدماء والفوضى، وهذا ما لا يسعى إليه أي طرفٍ اليوم فالجميع منهك بفعل الحرب.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend