الربيع العربي تحت مجهر البحث

خاص|| فرات الشامي
«إذا فرضت على الإنسان ظروف غير إنسانية ولم يتمرد سيفقد إنسانيته شيئاً فشيئاً»… تشي غيفارا.
مشروعية السؤال والمحاسبة هي خلاصة تجربة سنوات عربية بدأت منذ العام 2011، حيث بدا أن إشعال “البوعزيزي” لـ”جسده” إعلاناً عن ولادة فصلٍ جديد من تاريخ “العرب” مع “الأنظمة الحاكمة”.
“تشي غيفارا” في مقولته السابقة يبرر تصرفات الشباب بدقة تامة، بل ويطرح على الشعوب “إلزاماً” من الواجب “الإنساني” الانقياد خلفه لإنهاء حالة “سوداء” أو “تراجيديا” إلى وضع “الاستقرار” بالنسبة للشعوب والدول على حدٍّ سواء، ومن كافة الجوانب “الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية”.
ليس من مصلحتنا الخوض في سرد تاريخي لمجريات وبدايات “ثورات الربيع العربي”، فلها مضمارٌ آخر، غير أنه من حق “الشارع” أن يسائل «الثورات» العربية عما قدمته، أو لم عجزت عنه، أين وصلت من هدفها في ” إحداث التغيير الثوري” المطلوب.
وإذا لم يكن السؤال السابق “مشروعاً” فالأولى “التكبير أربعاً” فرض كفاية على “ثورات الربيع العربي”.
السوريون في مخيمات اللجوء
هل نعيش ربيعاً أم خريفاً؟
انطلاقاً من “مشروعية السؤال”، يطرح الشارع السياسي وعوام الناس ” هل نعيش ربيعاً أم خريفاً؟”.
في بحث قدمه “محمد كريم بوخصاص” نشر في “جريدة التجديد” بعنوان ”دراسة ترصد تشاؤم الأمريكيين من تحولات الربيع العرب“ يتحدث عن تفسيرات بعض من الأساتذة من قسم العلوم السياسية في جامعة “كورنيل” الذين انتقدوا تسمية سلسلة هذه الثورات بالربيع العربي، وتسميتها بدلاً عن ذلك بـ”الشتاء العربي”، فهي بحسب هؤلاء: «ليست أكثر من انعكاس لعدم رضا الشعوب وانقسامهم على أنفسهم في ظل عدم توفر رؤية مستقبلية موحدة لقيادة البلد إلى الأمام، وغياب آليات التوصل إلى الحلول الفعالة، وبالتالي فإن النتيجة ليست أكثر من الانخراط في متاهات العنف بين أحزاب ومجاميع تسعى لإثبات وجودها لتحقيق نظام معين».
محلياً، وسياسياً، يمكن أن نجد اليوم من يتشارك مع هذه النظرة ولهم مبرراتهم، فالواقع انطلاقاً من “تونس” وصولاً إلى “سورية” وأمام الصدمة بالواقع وما آل له المشهد من “صدامات عسكرية” يبرر هذه الرؤية “التشاؤمية”.
غير أنّ لتلك المبررات معارضيها ممن مازال يحمل “الفكرة الثورية” ويجدون أن هذه التبريرات منطلقة من “عواطف” تبتعد عن “جوهر المشكلة” الأساسي، معتقدين أنّ من تبنى هذا “الموقف” ابتعد نوعاً ما عن تحليل واقع “الثورات” وخلفياتها، وأن “نزول الناس للشارع” كان الخطوة الأولى في مجموعة خطوات متتالية، للإطاحة بـ”الديكتاتوريات” والأهم أنّ ما يحصل حتى اللحظة ليس النتيجة بعد، ويمكن هنا القول أن الثورات لم تنته، سواءً في تونس أو مصر وليبيا، ومن ثم اليمن وسورية.
التركيز على “النتائج” بدلاً من التركيز على “جوهر ما يحصل” يعتبر سبباً في الابتعاد عن تحليل الواقع “العربي” تحليلاً واقعياً، إذ إن مرحلة “الحسم الثوري” لم يتم بلورة شكلها بعد، وما تزال دول “الربيع العربي” تعيش التجاذبات، ما يعني أن الحكم على “الثورات” اليوم بعيد تماماً عن “الصواب”، ويحتاج إلى وقت أطول، سيكون في “مرحلة الاستقرار السياسي” على الأقل، حتى نكون موضوعيين في نظرتنا وتحليلاتنا وإطلاق الأحكام.
من المبكر لأوانه وفقاً لما سبق من استنتاجات أن نخرج بالحكم على “ربيع وشتاء” انتفاضات الشعوب العربية، بل إن النظرة “التفاؤلية” الكبيرة تعتبر خطأً تاريخياً قد ينتهي بحامله إلى “الصدمة” يوماً ما.
إننا أمام صعود وهبوط في المشهد الثوري عموماً، بحسب المعطيات على أرض الواقع، وليست حالة “شتاء” ولا “خريف”، بحسب تلك الفرضيات.
بالتالي لا مبرر لطرح سؤال “هل انتهى الربيع العربي؟”، ولعلنا نستفيد من طرح الكاتب والصحفي المصري فهمي هويدي الذي ذكر في مقالة نشرتها “الجزيرة نت” تحت عنوان ”ليست نهاية الربيع العربي“ ذكر فيها: (( لا أنكر شواهد الفشل والانتكاسات التي حفلت بها مسيرة الربيع العربي، كما أن الانتصارات التي حققتها الثورة المضادة ماثلة تحت أعيننا ولا سبيل لتجاهلها أو إنكارها بدورها، لكنني أزعم أن هذا كله وذاك لا يعني بالضرورة نهاية الربيع العربي إذا احتكمنا إلى تحليل الواقع وخبرة التاريخ، وإذا اعتبرنا ما مررنا به درساً نتعلم منه ما يبصرنا بأخطائنا ومواطن الضعف فينا، وليس نعياً لتطلعات شعوبنا وأحلامها )).
حاملة الطائرات “الأميرال كوزنيتسوف”
البقاء للأقوى:
تختلف حالات التغيير السياسي عن الثوري، فالآلية والأدوات مختلفة، وما يمكن إنجازه “سلمياً” يصعب إنجازه بذات الأدوات إذا كان “الموروث السياسي” رصيداً متراكماً من ألية فرضها “الاحتلال”.
الشارع العربي لديه شبه قناعة أنّ الدول العربية لم تحصل على “الاستقلال التام” ما يؤهلها إلى مستوى قيام “مشروع ديمقراطي” حقيقي ينهي زعامة رئيس وسلطة وينتقل إلى مراحل سياسية جديدة.
بالتالي فالنزول إلى الشارع في حالة ثورية يحتشد ي نطاقها جموع من الجماهير بهدف ممارسة نوع من أنواع “العنف السياسي المدني” هو ضرورة “ضمنية” لإزالة “موروث الاحتلال” الذي لم نشعر به، وإن كانت بعض الكتب كما في “سورية” تدرس التلاميذ أن الكثير من الدول بقيت تعاني وطأة الاحتلال أو ما كان يقال لنا بأنها “التبعية” وهي حقيقة كان لابد من إزالتها عبر الاحتشاد السلمي وتغيير النخبة السياسية الحاكمة.
أمام إحساس هذه النخبة “التابعة” ورد الفعل، مع الشعور بأن البقاء سوف يكون فقط لـ”الأقوى” تبدل المشهد، في دول الربيع العربي، إلى “عنفٍ مسلح”. ومن يقرأ في هذا الباب أن ما يتم إنجازه من تغيير بوسائل “عنيفة” كان يمكن أن يُنجز عبر طبقة سياسية أخرى دون إراقة “دم” فهذا تصورٌ “قاصر” ولا يعترف بأن من يحكم هذه الدول هو نتاج “ديكتاتوري” لا يمثل الحالة “الديمقراطية” التي طمحت لها شعوب المنطقة.
النظرة السابقة للثورة من حيث إمكانية إنتاجها من قبل “فئةٍ سياسيةٍ ما” تسقط سلطة حاكمة بوسائل غير “عنفية” فهذا اختزال سطحي لمفهوم “الثورة”، ولعل هذه الرؤية يفهم أصحابها “الديمقراطية” وفق نظرة خاطئة وتصور “وسائلي” كما يسميها “د. عبد الإله بلقزيز” في كتابه ” ثورات وخيبات – في التغيير الذي لم يكتمل. بيروت منتدى المعارف/ 2012″؛ حيث يقول: (( وهو التصوّر الرّث والمبتذل الذي يختزلها إلى صناديق الاقتراع، وإلى ما سميتُه ب «الداروينية السياسية»: حيث البقاء للأقوى في لعبة (أغلبية/ أقلية)…الخ. وقد تكون ثورةٌ ما – بهذا المعنى الوسائلي السطحي- سبيلاً إلى إنتاج ثورة مضادة، أي عودة بالمجتمع عهوداً سابقةً للحقبة التي ثارت في وجهها «ثورة» )).
حتى اليوم لا يمكن الحكم من هو الأقوى في الساحة لكن لا يختلف اثنان أنّ ما أنتجته الثورات من تطورات لها ارتباط بالواقع الميداني – العسكري أنتج أوضاعاً عادت بالمجتمع سواء في “ليبيا، اليمن، سورية” إلى الوراء عشرات السنين.
البوعزيزي، وائل غنيم، حمزة الخطيب، تامر الشرعي
الشباب العربي والدور بين الوعي واللاوعي:
“البوعزيزي، وائل غنيم، حمزة الخطيب، تامر الشرعي” أسماء لمعت وساهمت في “تفجير البركان” الخامد وانتفاضة “الشعوب العربية” على “طغاتها”، وإن كانت شرارة “الثورة” توقفت عند الحدود السورية وليبيا ومصر وتونس فهي أكدت على عمق وعي الشباب إلى حدٍّ ما، وإن كانت بعض هذه الدول “سيقت” إلى “حمل السلاح” كرد فعلٍ على “التغول في القتل” من طرف الأنظمة الحاكمة.
يمكن القول هنا أن تجربة “لبنان” في حربها الأهلية عادت لتكرر نفسها بصورةٍ أو أخرى، لكن ذلك نتاج “رد فعل” الشارع على القمع الممارس من قبل السلطة الحاكمة، والنتيجة اليوم “فقدان حال السلم الأهلي” بين مكونات هذه المجتمعات على الأقل حتى فترة زمنية غير معروفة.
علماً أن الشباب اليوم لا تؤمن بأن ما يحدث هو اقتتال “أهلي”، والواقع يؤكد أن وعي الشباب هو صمام الأمان في المستقبل لوأد أي حراك من شأنه تحويل وحرف مسار الثورات في هذه البلاد إلى “صراعات عرقية أو طائفية”.
إن تجربة لبنان بين العام 1975 و1990 تقول بحسب الكثير من آراء المحللين بـ”عبثية السلاح في تسويةِ الخلافات السياسية الداخلية؟” كما يعبر عن ذلك “د.عبدالإله بلقزيز” وهو رأي يستحق التأمل وتؤكده شواهد الواقع، والانقسام الحاصل بين الشباب في الشارع لا سيما من ابتعد في أفكاره عن فكرة “الشراكة في الوطن”، ولا نبالغ إن تحدثنا عن خوف من الوصول إلى نظرية مماثلة لما حصل في العراق تحت مسمى “اجتثاث البعث”.
في العراق كان الغرض اجتثاث “حزب” لكن شخصياً أعتقد بعدم وجود فكرة مطروحة تنادي باجتثاث “عرق أو طائفة” على الأقل في سورية، وإن خرجت بعض الأصوات فلا وزن لها برأي الغالبية من الشباب.
الربيع العربي
الثورات العربية على طاولة البحث السوسيولوجي:
نظرة “السوسيولوجيا” اتجاه  ظواهر وتداعيات الثورات العربية يمكن أن تضعنا أمام ملامح مهمة لفهم التطورات التاريخية وأسباب قيام الثورات وفق هذا المنظور، وتقدم بعض الدراسات نظرة سريعة تحدث فيها مختصون عن رؤيتهم خلال ” فاعليات المؤتمر الثامن عشر للجمعية الدولية لعلم الاجتماع” الذي انعقد في مدينة يوكوهاما اليابانية.
1- المؤتمر كان ركز على محاور هامة في ثورات الربيع العربي على النحو التالي:
2- دراسة الدور الذي قام به الشباب في هذه الثورات.
3- تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام في الربيع العربي.
4- التركيز على العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أفضت إلى انطلاق الموجات الثورية في عام 2011.
والخلاصة بحسب تلك الآراء والتي أخذت صفة “الإجماع” أن المنطقة سوف تمر بمرحلة طويلة من عدم الاستقرار، والسبب من خلال متابعة ما تم تقديمه من دراسات يرجع إلى أن «الانتفاضات العربية تحولت إلى ثورات كلاسيكية، تشهد موجات تلو موجات، في ظل صراعات اجتماعية وسياسية وأيديولوجية خطيرة، وتدخلات خارجية مستمرة».
نلقي هنا نظرة على عجالة حول تلك الأبحاث:
– حبيب اللـه قندهار من جامعة زايد بالإمارات، يقدم بحثاً حول “الفقر واللا مساواة في العالم العربي”، والبحث يكشف عن أبعاد هاتين الظاهرتين وأثرهما في اندلاع الاحتجاجات في تونس، ثم امتدادها إلى بقية بلدان الربيع العربي.

 

– وفي بحث قدمته نتاليا فيتشر من جامعة “جراس” بالنمسا تحت عنوان “فاعلية ثقافة الشباب، وسائل التواصل الاجتماعي والمشاركة السياسية، انعكاسات حديدة في أعقاب الربيع العربي” رصدت فيه دور وسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك، تويتر، يوتيوب) في تنظيم الاحتجاجات والتعبئة والحشد في التظاهرات التي شهدتها بلدان الربيع العربي ، لعبت العديد من الأدوار المتكاملة، وأظهر الربيع العربي، فاعلية ثقافة الشباب، وقدرتهم على فرض أسلوبهم على مجريات الأحداث.

 

– جورج لاوسن، من كلية الاقتصاد في “لندن”، قدّم في بحثه الذي حمل عنوان ” الثورات التفاوضية: الثورات العربية من منظور مقارن”، حيث ذهب تصنيف هذه الثورات، ضمن  إطار الثورات التي اندلعت في أعقاب نهاية الحرب الباردة في عدة مناطق من العالم، ولكنها تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالثورات التفاوضية، والتي تختلف عن الثورات الحديثة في خمسة اختلافات بينها على النحو التالي:(1)  أنها ناتجة عن أزمة جزئية داخل نظام الدولة، وليست ناتجة عن أزمة تستلزم تغييرًا شاملا في نظم الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية،(2): أن بداية انطلاق هذه الثورات هو التظاهر من أجل تحقيق مطالب، بمعنى أنها تعتمد التفاوض وسيلة للتعامل مع النظام القائم، ولم تعتمد على المواجهات العسكرية مباشرة.(3): القوى الثورية الجديدة ترفض وصاية الثورات المحلية السابقة. (4): لا يعارض الثوار بل يرحبون بدور خارجي ودولي قائد. (5): أن هذه الثورات أدت إلى زيادة ضعف الدولة، ولم تؤد إلى زيادة قوتها. ويختم “لاوسن” بالقول أن «التركيز على المسألة السياسية في الثورات العربية دون المسألة الاجتماعية، يعني أنها ثورات محدودة النطاق، تشبه مثيلاتها التي اندلعت من 1989، بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي، ولكنها تختلف في نتائجها حتى الآن». 
جندي روسي في سوريا بجانب صورة بشار الأسد
الموقف العسكري من ثورات الربيع العربي:
«لا يمكن نجاح ثورة ما في العصر الحديث من دون معرفة موقف الجيش منها» حنة أرنت.
الكلام السابق يدفع جدياً للبحث في الدور العسكري وأثره إيجاباً أو سلباً بالنسبة لثورات الربيع العربي لا سيما وأننا نشهد اليوم احتكاكاً عسكرياً كما هو الحال في “مصر، ليبيا، سورية”.
إن الانطلاق من تجربة “تونس” مروراً بباقي دول الربيع العربي تؤكد أن “الجيوش العربية” كان لها الدور المؤثر في “الحراك” الثوري لدى شعوب هذه المنطقة، وإن أخذ الشكل يختلف من دولة إلى أخرى، فما حدث في “مصر” بداية ثورة 25 يناير كان نموذجاً للدور الإيجابي للجيش الوطني، بالمقابل كان المشهد مختلف جذرياً في “سورية”، و كذلك “ليبيا” على سبيل المثال.
نرصد هنا ملمحاً هاماً:
في “مصر” انقلب الجيش على “الشرعية” وتحول من دور الحياد إلى حال “الطامع” في “الحكم” بتاريخ “الثلاثين من يونيو”.
نخبة من المثقفين “المصريين” كانوا يجدون أن “المجلس العسكري” يمارس منذ ثورة 25 يناير “السلطة الأبوية والوصاية على الشعب”، سرعان ما تغيرت نظرة هذه النخبة أو جزء لا بأس به منها.
الشارع بدا في البدايات مسايراً لهذه اللغة إلى أن اعتلى “السيسي” السلطة بفضل “الانقلاب”.
ميدانياً، المشهد المصري يختلف عن مجريات الواقع في “الداخل السوري” الذي يمكن أن نصفه بـ”المشهد المعقد”.
التحول من “الحراك السلمي” إلى “الصدام العسكري” وبعيداً عن البحث وراء من دفع باتجاه هذا الاحتكاك العسكري المسلح، أدى إلى نشوء حالة من “الفتور” على مستوى الحراك السياسي والثوري السلمي لصالح “آلة الحرب”، بالتالي رجحان كفة “النظام السوري” على سبيل المثال.
تثير الكثير من الدراسات والتحليلات السياسية تساؤلاتٍ حول “وطنية الجيش السوري”، وأخرى تحاول أن تبحث في دور “المؤسسة العسكرية” في إدارة البلاد على غرار “الدول المتقدمة”، وحتى على غرار الكثير من الثورات التي قامت في تاريخ العالم.
لو حاولنا جدلاً القبول في “سورية” بدور “العسكر” في التدخل بالحراك السلمي منذ البدايات، لخلصنا إلى نتيجة حتمية مشابهة لما نعيشه اليوم، فالتاريخ يرصد صور من الانقلابات العسكرية في سورية أودت بالحياة السياسية بصورة نهائية.
هذه الحالة ولّدت قناعة لدى المثقفين أن “تدخل العسكر” في الشأن الداخلي واحتكاكه مع الشارع أورث “مصائب”، وتجربة “مصر – عبد الناصر” خير مثال، ثم “العراق – صدام حسين” مروراً بالعقيد “معمر القذافي” في ليبيا، إلى “حافظ الأسد” والانقلابات التي سبقته في “سورية”.
الدكتور عماد عبد اللطيف، أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب من “مصر” يمكن أن يختصر الإجابة عن دور العسكر في تحركات الشارع بالقول: «الفكرة كامنة في رفض الشباب للسلطة المهيمنة ذات الخطابات المتكلفة والجامدة غير المتنوعة، لذلك أنتج الشباب خطابات ناقدة لخطابات “العواجيز” ومميزة عنها».
إذاً، حتى لو قدّر للخطاب “العسكري” أن يكون بصيغة “أبوية” فهو “مرفوض” لدى الشارع، في دولة يعتقد غالبية من فيها أن “العسكري” يفكر بطريقة فرض إرادته بواسطة “الحذاء” الجاثم فوق الرؤوس، فكيف بالخطاب “الأبوي” وقد انحرف إلى استخدام العنف؟
إذا كان للإعلام كما قدمت العديد من الدراسات الدور الهام في “استمرار الحراك السلمي” في البدايات فإن الدور العسكري استطاع حرف المسار وإنشاء شرخ كبير داخل البيت الثوري ذاته، فالواقع السوري على سبيل المثال يؤكد انقسام داخل صفوف المعارضة المسلحة، وفقاً لأهداف وأجندات خاصة، أثر السلاح إلى حدٍّ كبير فيها.
هذا يدفعنا لطرح سؤال جديد، هل كان للمال والداعم دوراً في حرف مسار الربيع العربي، وتحديداً في سورية؟
الإجابة تحتاج إلى تفصيلٍ كبير، والساحة اليوم غير قابلة للنقاش في هذا الباب، لكن لعلنا نكون أول من طرح هذا التساؤل ودعا للبحث في أثره.
مكاسب أم خسائر: 
يقود الكلام السابق للبحث في نتائج “ثورات الربيع العربي”، وهو ما يرفضه “شباب الثورة” سواء في “سورية” أو غيرها، فالغالبية من هؤلاء لا تؤمن بأن الزمن مناسب لمحاكمة “الثورات” فهي ما تزال في طور التصاعد والهبوط، كما هو الحال في سورية، واليمن، وليبيا، ومصر التي دخلت مرحلة مختلفة بدا فيها “وجود نوع من الاستقرار” من الجانب “العسكري” على نقيض تلك الدول.
لكن يمكن على سبيل الاستئناس أن نأخذ بما يقوله تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، جاء فيه: (( إن الدول التي مر بها إعصار الربيع العربي منيت «بخسارة اقتصادية هائلة بلغت 613.8 مليار دولار من صافي النشاط الاقتصادي، أو ما يقرب من 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لدول المنطقة في الفترة بين عام 2011 وحتى عام 2015((.
المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة كان أعلن تقييم الرأي العام العربي لثورات الربيع العربي وهي آخر دراسة صدرت في هذا الجانب بتاريخ 12/ فبراير / شباط 2015.
والصورة توضح هذه النتائج:
رسم بياني
عملياً، الشعوب لا تزال مستمرة وإن كان بصمت في ثورتها كما هو الحال في “مصر”، بالتالي من المبكر الحكم على ما قدمته لشعوبها، وتشير المعطيات على الأرض بوجود مطالبات “شبابية” لإعادة “إحياء روح ثورات الربيع العربي” مجدداً، لكن ضمن مشاركة النخب المثقفة القادرة فعلاً على سد الثغرات، فهل تنجح الدعوات هذه على الأقل في “سورية، واليمن، ومصر”؟
إن تحليل نتائج “الربيع العربي” منوط بنهايته، وذلك عند تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها شعوب هذه البلاد، وهو ما لم تصل إليه “دول الربيع” بعد، وبذلك يمكن دراسة تطورات الحراك على المستويين السياسي والعسكري، وإجراء المقارنات بين السنوات وفق هذه الجوانب، أين أخفقت، أين نجحت؟ ولماذا؟
وتبقى فكرة “شتاء” و”ربيع” دائرة في فلك الانتظار، وهذا ما أكدته التحليلات السابقة ما اتفق منها وما اختلف.
أما الشعوب فقد قالت كلمتها، لكن هل تستمر إلى أن تفرض رؤيتها؟
أهم المراجع:
1-المركز العربي للبحوث والدراسات
2-مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية.
3-محمد كريم بوخصاصصحيفة “التجديد” 
4-Hanafi S. 2011. “University Systems in the Arab East: Publish Globally and Perish locally vs Publish locally and Perish Globally”. Current Sociology. 59 (3): 291-309.
5-موقع المؤتمر على الرابط التالي:
https://isaconf.confex.com/isaconf/wc2014/webprogram/start.html
6-صحيفة اليوم السابع “وائل فتحي”

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend