الثورات بين وهم الانتهاء وحقبة الانحطاط

خاص|| فرات الشامي –
تحيط المخاطر ثورات الربيع العربي من كل جانب، أمرٌ بديهي عرفه الناس مبكراً، وإن كان التعامل مع “الثورات المضادة” اختلف بين مكانٍ وآخر، لكن ثمة مبدأ يدركه الداخل السوري تحديداً فالمطلوب هو التغيير الجذري الشامل، ورفض كل ما من شأنه ترقيع النظام أو غيره ممن تلوثت يده بالدم والفساد.
مبادئ الشعوب الثائرة متوافقة مع البدايات الأولى للثورة ما تغير فقط هو الأداة -السلاح- الذي أُجبرت على حمله بفعل تخاذل العالم عن نصرتها، واكتفاءه بالتنديد في أحسن الحالات.
إن من بين الأخطار المحدقة اليوم الكثير مما لا يعد ولا يحصى مثل “ازدياد وتيرة التصعيد والإجرام” وهذا سيكون خلال الأيام القادمة وهو الوقت الذي سوف تفتح فيه الجبهات مجدداً واحتمال اتساع رقعة الاشتباكات ما يعني ضرباتٍ مؤلمة للمدنيين، الذين عقدوا العزم على احتمال أي خطر دموي مقابل تحقيق بناء دولة “سورية” وفق النموذج الأسمى في المنطقة، لأنهم أدركوا تماماً أن خطر توقف الجبهات واستمرار نظام الأسد في قضم المناطق منفردة لن تكون عاقبته إلا ترسيخ حقبة استبدادية همجية، بالمقابل يدرك الثوار أن العالم يتآمر لفرض أحد حلين:
إما صراعاً طويلاً برعاية أجنبية داعمة لأدواتها في الداخل، والثاني تسويق نظامٍ بديل يوافق مصالح الدول الكبرى ويبتعد تماماً عن الهدف الوطني، وهذا الأخير ما يزال بعيداً، بالتالي فإن خطر الصراعات الداخلية قائم بسبب الارتباط بأجندات خارجية.
إنّ صناعة التغيير الحضاري وبناء مجتمع إنساني يحتاج إلى مفاتيح لمواجهة الأخطار لاسيما وأن القوى العالمية تحاول فرض هيمنتها على عملية المخاض الذي تعيشه البلاد في الطور الأول من الولادة.
ما أكدته الحالة السورية أنّ الثورة امتدت بعيداً وهي قابلة لمزيد من التمدد ولعل “الجار التركي” سوف يكون “الشريك” الجديد الذي يمد يده للتعاون، فقط في حال أدرك خطر الإطاحة بحكمه كما فعل الغرب وسكت أمام الانقلاب على الشرعية في “مصر”، وفقط حين تعلم شعوب المنطقة أن “الإسلام” لن يُقبل بوجوده نداً حتى وإن قيل بأنه “معتدل”.
ما سبق من أحداث تؤكد أن الخطر على مسيرة التغيير هي حالة صحية تحتاج إلى وعي جماهيري، وهي أيضاً انتقال من “مرحلة احتضار حقبة القهر والانحطاط” إلى “ولادة حضارة شاملة ومستدامة”، لكن المطلوب سوف يتحقق وعلى الجماهير المناصرة للثورة أن تعي ذلك، وما يملكه النظام العالمي الواقف إلى جانب “الطاغية” لن يكون إلا “إطالة مرحلة احتضاره” والمشهد على هذا يعني مزيداً من آلام “المخاض” ما يؤكد أن التغيير قادم.
ثمة بالمقابل جهود خبيثة داخلية وخارجية “محبطة بالأساس” مالت حيث توقعت رجحان كفة الميزان لتعمد إلى نشر مقولة “سقوط هدف التغيير” بصورةٍ نهائية بمعنى “انتهاء الثورة”، والعودة لمطالبة الشعب الثائر بالعودة إلى الوراء قليلاً والرضا بالأمر الواقع مع بعض الامتيازات، وهي أصواتٌ لم ولن تلقى القبول لاعتبارات كثيرة يعرفها “الداخل وحده” ولعل ما تجهله هذه الأصوات أن مسيرة ثورات التغيير لا تتوقف أو تنقطع حتى تصل إلى خط النهاية الذي رسمته، وما نعيشه من وعيٍّ داخلي هو الضامن للنصر حتى لا يتقوّل علينا أحد أو يسألنا “الدليل”.
وإن تعجل علينا أحد بالقول “فما العمل؟” هتف الداخل بأنها “الإرادة مع العمل والثبات”، والأيام حُبلى بالمفاجآت.
مع أننا لا ننكر وجود قوى تسعى لخلق الـ”فوضى الهدامة” للحيلولة دون إكمال المشروع السوري، وصنّاع هذه الفوضى يشاركون “الواهمين” بأنّ “الثورة انتهت” ويروجان سويةً لذلك عمداً أو عن غير قصد.
المشكلة أن تلك الأصوات “الهدامة” تتغافل عن مظهر “احتضار” النظام أمام صمود “السوريين” في الوقت الذي يركّزون فيه على مشاهد “الدمار والألم”، وهم بطبيعة الحال لديهم من الاعتقاد ما يدفعهم للقول بأنه “يمكن للقوة العسكرية التي يمتلكها الأسد أن تقهر القوة الناشئة والمقارنة تتضمن الدعم العالمي لهذا النظام” بالمقابل فهي تُغفِل أن القهر المادي لا يمكن أن يقهر “الإرادة” المصحوبة بعمل “عسكري” حقيقي على الأرض.
المتخاذلون في الداخل والخارج يركزون نظرهم على نتائج حصلت في:
تونس: التي قيل لشعبها مهما تمسكت بسياسة الاعتدال لن تحكم إرادتك الشعبية المستقلة.
وفي مصر: سوف لن يتوقف دعم الانقلاب العسكري، مهما غرقت “رابعة” بالدماء، ومهما “أنّت السجون” واكتظت بالنشطاء الرافضين للانقلاب.
كذلك اليمن: ساحته تحولت إلى دمار وضحايا، لكن الأصوات تعامت عن الداعم الإقليمي والدولي المرتدي ثوب “الطائفية” البغيض.
الأمر مشابه تماماً في “ليبيا”…. وما ينطبق على تلك الدول ينطبق تماماً على “تركيا أدوغان” التي أبرزت للعالم حضارة جديدة تقول بأن “الإسلام يمكن أن يتعايش ويفرض احترامه سياسياً وميدانياً بصورةٍ راقية” ونذكر بالدور “الأمريكي” في دعم الانقلاب على “أردوغان” وكيف نزل الناس معلنين رفضهم، لكنها لن تتعدى كونها “جس نبضٍ للشارع”.
“انتهت الثورة” والسبب هو سيل الدماء والمعاناة والنزوح والتشرد، عبارةٌ أقل ما يقال عنها أنها “ساذجة”، إذ إن جوهر المعركة اليوم مرتبط بوعي الجماهير بحقيقة المعركة وأنها صدامٌ بين “إرادة الشعب الثائر وفجور قوى همجية مضادة”، ومهما قيل بأن المستهدف هو “جماعةٌ بعينها” فهي الستار الوحيد للقول بأنّ المستهدف هو “الشعب ذاته” بغرض إعادة “تطويعه”.
ومن أعتقد أن “الشعوب ماتت” فقد نسي أنّ “المارد” خرج من زنزانته وأطلق صرخت ثورته، ونفض عنه غبار عقود القهر، وغسيل الدماغ الجماعي، وهذه الشعوب قادرة على متابعة الطريق وصنع النهاية، والثورات لا تدفن في المقابر ومن يدفن هو طغاة العالم… هذا تاريخٌ وجب فهمه.
عالمٌ مات ضميره وتعفن يطالبنا بوقف ثوراتنا على امتداد المساحة العربية بحجة “الفوضى الهدامة” ويستعرض علينا الوثائق وأرقام الجرائم، لكن الحبر الأسود لا يمحوه إلا حبرٌ أحمر ينهي المهزلة ويرفض العودة إلى دائرة الذل والخنوع.
الثبات بعد هذه السنوات التي مضت على جسرٍ من الدماء هو طريق صناعة المستقبل السوري والعربي في بلدان عاشت الثورة، فهو مفتاح “التغيير”.
استبدادٌ يواجه بثورة، معادلةٌ أزلية ومواجهةٌ حتمية، ثابتها أن “الإرادة الشعبية منتصرة” لأنها قوة “حق في مواجهة باطل”، ولعل سورية حالة خاصة سوف لن تنته ثورتها عند الحدود الجغرافية بل إن انتصارها بعد أن خرجت من تحت رماد الموات المصطنع منذ عقود، وإثباتها أن الاستبداد مهما تمادى فولادة حقبةٍ تاريخية تقتل الاستبداد بيده هي حقيقة لا تتبدل، بالتالي ينتظر المستبدون والأنظمة الهشة أياماً حالكة السواد، والتاريخ لا يعود إلى الوراء حقيقة ثابتة أيضاً، توازي بالمقام الثاني أن محاولة اغتيال الإرادة الشعبية عملٌ فاشل لأنها متجذرة في شبابه ومتجددة في عجائزه الرافض للقهر.
ثمة دولٌ اليوم من مصلحتها بقاء الحالة السورية على الوضع الراهن وإلا فإن الانتصار هنا سوف يكون من نتائجه “إسقاط الدمى الخشبية المسندة” في تلك الدول تباعاً.
مسيرة التغيير بدأت والقطار لا يمكنه التوقف مهما ارتفعت أصواتٌ ناشزه بأنه انحرف عن السكة، ولم تعد الحيل تنطلي على عاقلٍ آمن بحريته بل عايشها حقاً يقيناً، حتى وإن شابها بعض الشوائب، إذ إن الحكم على نتائج الثورة لم يأتِ أوانه حتى تكمل مراحلها التي تسير ضمن إطارها.
الدماء أسقطت مقولة أن الطريق طويل، وأسقطت من ينادي بالتوقف فقد أدركت وعايشت بنفسها زمن الخنوع للديكتاتور وانكشفت جرائمه في “حماة وتدمر وصيدنايا… والقائمة أكبر بكثير ومقابر نجهى وغيرها” وتحويل البلاد إلى “مزارع لآل الأسد ومبارك وبن علي والقذافي وصالح”، كلها سقطت ولن يكون مستقبل غيرهم أفضل حالاً.
الثورات العربية لم تخرج بإذن المجتمع الدولي فهي لن تصغي للمقولة التي تدّعي أنه لن يسمح ببناء دولتها وحضاراتها.
إنها السنة السابعة التي تنادي “درعا” مجدداً لتمتد شرارة لهبها إلى كل مكانٍ يعيش “القهر”… إنها سورية بين حقبتي “الانحطاط” و”الحضارة” وهذا هدفٌ قادم لا يشك فيه إلا جاهل.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend