جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

جنيــــف ” رحنا وجينا بالسلامة “

 
بقلم:  عقاب يحيى
     لم تكن مجريات الجولة الأولى من جنيف 4 مفاجئة لأحد، فجميع المعطيات المتوفرة تؤكد حقيقة أن زمن الحل السياسي الفعلي لم يحن أوانه بالنظر لجملة عوامل ترتبط بالمجتمع الدولي واستعداده، وبالنظام وجوهر موقفه .
     الولايات المتحدة الأمريكية اللاعب الرئيس، أو المشارك الأساس ما زالت لم تسفر عن تفاصيل ما تريد، ولم تشارك بوزنها في عملية شديدة التعقيد، ولا ندري إن كان الأمر يرتبط بقصة الرئيس الجديد وإدارته، حيث مازال لم يفصح عن تصوراته وسط زحمة قراراته واهتماماته، أم أن الأمر له علاقة بتصورات أمريكية صهيونية عن عدم نضج الوضع السوري وقابلياته للحل السياسي الشامل . أي : استمرار النزيف الحالي وما يموضعه على الأرض في جميع المجالات إلى زمن ما ؟؟؟…
    والاتحاد الأوربي بدا لا حول ولا قوة، وكأنه اقتنع بهامشية دوره وتأثيره فركن إلى الظلال، إلا من بعض التصريحات والمحاولات الجزئية التي تحاول الدفع باتجاه الحل السياسي  .
     وفي حين اعتقدت روسيا أنها قادرة على استثمار الفراغ، وما حققته على الأرض بقوة قصفها الشامل لأجل تكريس حالة ما تطور وقف إطلاق النار إلى ولوج الحل السياسي، واستبدال الهيئات السياسية بالفصائل العسكرية.. تبين أن الأمور اشدّ صعوبة وتعقيداً، وأن الفصائل العسكرية ترفض الوقوع في الفخ عبر رفضها تلك المحاولات، وتمسكها بالهيئة العليا للمفاوضات  جهة شرعية وحيدة لقيادة عملية المفاوضات، وهذا ما أدخل الأستانة فرعاً، أو ملحقاً بجنيف .
     النظام السوري، ومن خلفه وأمامه إيران، يرفض في الجوهر أي حل سياسي، وأية عملية انتقالية تفضي إلى تغييره، في النهاية، وما زال يراهن على الحل العسكري الأمني، محاولاً توظيف وقف إطلاق النار، وأوضاع الفصائل العسكرية ـ بعد حلب ـ لمزيد من التقدم في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، وخرق وقف إطلاق النار يومياً رغم التعهدات الشفهية الروسية بوضع حدّ لها، بينما ما يزال التنافس، والصراع كبيرين حول المناطق التي تتواجد فيها ” داعش”، ومنبج وريفها مثال .
                                                                      *****
مع ذلك يمكن القول أن بعض الإشارات، أو البقع الضوئية تسجّل لصالح جولة جنيف 4 الأولى، ومنها :
1 ـ قبول النظام بالعملية التفاوضية على المرحلة الانتقالية بعد أن أعلن رفضه مراراً، وذلك نتيجة ضغط روسي كبير، وتهديدات المبعوث الأممي بتحميل النظام مسؤولية فشل هذه الجولة في حال إصراره على مواقف المتعنتة .
      لقد حاول الجعفري التملّص من الموافقة التي ألزم بها بعديد التصريحات الممتلئة بالمناورة، ومحاولات وضع قصة الإرهاب غلافاً واحتواء وتمييعاً للجوهر، لكن الأكيد أن الوثائق تسجل قبوله الرسمي وهو ما يرتب عليه التزامات لا يمكنه الهروب منها.
2 ـ ورغم وجود عديد التباينات، وبعض نقاط الضعف إلا أنه يمكن القول أن وفد المعارضة بدا متماسكاً بالرئيس من المهام، موحد الموقف والتكتيك، ومرناً حيث يجب المرونة التي لا تخلّ بالثوابت، والتي تقطع على النظام مناوراته، إن كان في القبول بالجلوس المباشر، أو في التعامل المرن مع قصة المنصات، أو في موضوع محاربة الإرهاب .
3 ـ ويجب الإشارة إلى الأداء الإعلامي المقبول الذي خفّت فيه، ولدرجة كبيرة، تعدد الآراء، والناطقين، والتناقضات. وبدا الوفد الإعلامي عارفاً بمهمته الرئيس، منظماً، ويعمل ببرمجة جيدة .
4 ولعل الأهم في كل ذلك إدخال عملية الحل السياسي بنداً رئيساً، ومدخلاً لبقية النقاط، حيث غاب بيان جنيف في التمهيدات السابقة لعقد جولة جنيف حين كان الوسيط الدولي يتحدث عن بندين لا غير : الدستور والانتخابات، وكلمات غامضة عن الجانب السياسي، وبتعابير تبدو أنها تبتلع جوهر بيان جنيف 1 لجهة تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، واعتبارها الإطار لإنجاز بقية المهام، بما فيها صياغة الدستور والتحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية .
                                                       
إن مسائل مهمة مطروحة اليوم على الهيئة العليا والائتلاف والوفد المفاوض تتمحور حول :
1 ـ التمسّك ببدء مفاوضات الحل السياسي مدخلاً، وإطاراً لجميع البنود، أو السلال الأخرى، باعتباره الأرضية التي لا يمكن ولوج أي مجال آخر دون إحداث تقدّم فيها، ورفض الانجرار إلى تفاصيل لا علاقة لها، أو القبول بمناقشة متوازية مع بقية السلال، حيث أن الدخول في مناقشة الدستور، أو الانتخابات هما نتيجة ضمن ميدان هيئة الحكم الانتقالي، وبعد إنجاز عدد من الأمور الضرورية التي تتيح المجال للشروع في صياغة الدستور، أو التهيئة للانتخابات .
      إن وثائق المعارضة كثيرة، وناجزة، وتفصيلية فيما يخصّ المرحلة الانتقالية ومهامها، وجدولة العمل، ومجموعة الهيئات التي يجب أن تنبثق عن الهيئة الحاكمة، وقد سلم عديدها للمبعوث الدولي، ولجهات دولية متعددة، ومع ذلك لا بدّ من تقديم مشروع “الإطار التنفيذي” وفق التطورات، والتصورات، وأن يكون ناجزاً عند الشروع في المفاوضات المباشرة .
2 ـ إن قصة ” المنصات” تشبه اللغم القابل للانفجار، ولذلك يجب التعامل معها بكثير المرونة والتفهم، ومحاولة تطويق النوايا المعروفة لبعض الأطراف الدولية والإقليمية في إقحامها بكل السبل، والعمل على التشكيك بمشروعية الهيئة العليا وتمثيلها لمعظم طيف المعارضة والفصائل المسلحة.
إن أسلوب الحوار، والانفتاح، ومحاولة الاستيعاب هو النهج الذي اعتمده الوفد المفاوض، والذي يجب ترسيخه لقطع الطريق على جميع التكتيكات المستخدمة، وامتصاص الضغوط الحثيثة للتلاعب بهذا الأمر، مع منح الوفد المفاوض هوامشاً للتكتيك والمرونة التي تحافظ على جوهر الموقف، وبالوقت نفسه تؤدي إلى حل هذه الإشكالية المصطنعة بأفضل السبل .
3 ـ لقد اراد النظام، كما يعتقد، إرباك المعارضة بإقحام محاربة الإرهاب بنداً رئيساً، أو سلة رابعة، وسط شائعات عن رفض الوفد المفاوض لمحاربة الإرهاب، والعمل على وصمه بأنه متواطؤ، أو شريك له ..ولذلك فقبول الوفد بهذا البند، والعمل على تفصيح محتواه، وإضافة جرائم الحرب إلى ميادينه.. كان خطوة إيجابية يجب الاستمرار فيها .
     الثورة ضد الإرهاب شكلاً ومضموناً، وهي أكثر المتضريين منه، وهي التي واجهته بكل أشكاله وفصوله، لذلك يجب أن يكون الموقف من محاربته، وإنهائه بارزاً لا يقبل أي لبس أو تأويل .
     بالوقت نفسه فالإرهاب لن يقتصر على داعش وفتح الشام وغيرهما، من الموصوفين بمنظمات إرهابية في المنظمة الدولية، بل يجب أن يتسع ليتضمن النظام : راعي الإرهاب وفاعله، والمليشيات الطائفية التي استقدمها، وكافة التنظيمات التي تمارس الإرهاب في بلادنا، بما فيها “الواي ـ بي ـ دي”، والإصرار على أن يكون بنداً ضمن بنود التفاوض وليس مدخلاً، أو بالتوازي مع بدء المرحلة الانتقالية .
      ورغم أن المتوفر من المعطيات لا يشير إلى إمكانية التقدّم الملموس في الحل السياسي، ولا في تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية، إلا أن على الوفد المعارض أن يبذل كل الجهد للدفع بهذا الاتجاه، والتمسك بالرئيس من المهام : روح الحل السياسي وليس التفاصيل، والهوامش..
ورغم معرفتنا بأن جنيف 5 لن يحقق النقلة النوعية، ولن يكون قادراً على ولوج بوابة الحل السياسي الحقيقي، للعوامل التي ذكرناها والتي لم تتبدل شروطها، فإن حضور وفد المعارضة بثقل، والقيام بالدور المناط به بفعالية أمر مهم جداً ليس في تعرية النظام وحلفائه وحسب، بل في توفير الأجواء لتغيير المعادلة والمواقف، وإنجاز بعض المسائل التمهيدية الضرورية التي يمكن أن تكون خطوات أولية على طريق الحل السياسي .

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend