الثورة السورية بين الهزيمة والانتصار

خاص || فرات الشامي
«المستقبل “بالمعنى العميق للكلمة” لا يأتي إلا عندما تترسخ قناعات المنادين بالحرية، وأيضاً عندما ينقص عدد الخائفين منها». عمر قدور كاتب سوري.
«لكلِّ بدايةٍ نهاية»، مقولةٌ نرددها بشكلٍ شبه يومي، على أنها “أملٌ” و”مأساة”، فهي حمّالة أوجه، وليس بعيداً عنها فإن الواقفين في الساحة السورية “سياسياً وعسكرياً” يرددها ويجيرها لحسابه، لكن ماذا بعد نهاية هذا الشيء؟ وهل أنجز الطرفان أهدافهما؟ الأسئلة في هذا السياق للوقوف على تقييم “مرحلةٍ تاريخية من حياة سورية” عموماً، ومآلات المشهد وتأثيراته على المستقبل بعد نهاية ست سنواتٍ عجاف.
فبينما يروّج “الأسد” لانتصاراته التي كان فيها المتفرج، لا يكّلُ “الثوار” من ترداد الحديث عن اقترابهم من لحظة الحسم وكسب المعركة بعد أنّ أسقطوا “الأقنعة” جميعها، باختصار هذا المشهد الذي تفرضه الأحداث الميدانية والسياسية.
عملياً، الهزائم خلال السنوات الثلاثة الأخيرة مترعة بالألم والمرارة، والخاسر الوحيد في كل ما حصل وسوف يحدث هو “سورية”. إنْ استمر الحال وفق هذا النموذج، وسار في هذه الحلقة المفرغة بعيداً عن “الحوار” الداخلي بين أبناء الوطن، هذا لو صدق الأسد في انتمائه لـ”سورية”، وتلك قضيةٌ باتت محسومة لصالح “الدخيل الأجنبي” الذي لا يعترف إلا بمصالحه، لكن ماذا عن الدور الشعبي المتفرج؟
خسارة الأسد بدت واضحةً حين أدار ظهره للمصلحة “الوطنية” وركع أمام “طهران وموسكو” لتثبيت حكمه المنهار، فكان بقاء نظامه مدفوع الثمن. ويبدو أن مرحلة تسديد الثمن تظهر في الأفق.
وفي كل الأحوال فمن سدد الثمن بدايةً هي تلك الدماء التي أريقت على الأرض السورية لضمان حكم الأسد وزمرته، دون التفكير بما سيجره هذا الدم على مستقبل البلاد وما سوف يلاقيه أحفادنا بذريعة حمايتهم من “التطرف”، وهذا استحقاقٌ لن نعيشه نحن لكننا نرى أثر تشكله المتزايد وملامحه، ومن يعيش بين الناس في الداخل يشاهد بعينيه “زيادة عدد الإعاقات” و”الدمار” الذي يعني مزيداً من الفقر والارتهان للخارج في حال حسمت المعركة لصالح الأسد.
ليس نظام الأسد هو الخاسر الوحيد، بل حتى “المشروع الإسلامي” دفع الثمن باهظاً، نتيجة “طيش فكري” و”غياب المشروع الحقيقي” باعتبار وجود مشاريع كثيرة تحاول فرض رؤيتها بعيداً عن التوافق، بل غالباً ما تتنازع وهي أساساً مشاريع إسلامية غير ناضجة تسعى لاعتلاء منصة الحكم من خلال الديمقراطية التي لا تؤمن بها.
من ناحية أخرى فشل “الإسلاميون” في التصالح الداخلي نتيجة التباينات الفكرية، معتبرين أن بإمكانهم ملأ الفراغ السوري وكأنه فرصة للتكسب، فغابت بالمقابل القراءة الواقعية لدى هؤلاء بسبب قصر النظر في فهم “جيوسياسية الإرادة الدولية”.
في مقابل ضياع واضح ورؤية لدى بعض الفصائل الإسلامية “المتناحرة” والتي عاشت من قبل ذات التجربة باسم “الإخوان” وانحسرت لذات السبب في مطلع الثمانينات وانهزم فكرهم لصالح “حافظ الأسد” الذي أسس لـ” يوتوبيا الأسد المستبد” بعد أن أطلق شعار “الأسد إلى الأبد” ولعل “الإسلاميين” لم يقرءوا جيداً تلك التجربة بعمق، وإن كان من يحاول إعادة القراءة لذلك المشهد فالزمن تأخر وهو يمر سريعاً.
بعد تلك الاستنتاجات ثمة من يتحدث بأن الثورة في طور الهزيمة التدريجية، وهذا التحليل منفصل تماماً عن الواقع، وإنْ كان فيه بعض الصواب، إذ إنّ وجهة النظر هذه التي رأت انحسار المدّ الثوري اعتمدت في تحليلها على خسارة الثوار للأرض، لكنها تجاهلت أن “الثورة” بحدّ ذاتها مجموعة من “القيم الفكرية” التي لا تموت، فكانت تحليلاتهم نوعٌ من “إحباط الشارع” المحبط أساساً، بدل أن تركز على إعادة نشر القيم القديمة كـ”الحرية والكرامة” وطبعاً الانتماء الوطني، حجتهم امتلاك الشجاعة في قول الحقيقية.
كابوس الهزائم العسكرية يعكس فشل مشروع “الكفاح المسلح” وإدارة المعركة مع النظام، كما يعكس ضعف الرؤية لدى من يقود الدفة السياسية في المعارضة التي فشلت أيضاً بتشكيل حلفٍ قوي يجد فيها البديل الحقيقي عن الأسد، فكانت الركاكة في الأداء على المستويين السياسي والعسكري أبرز صور المشهد الذي أدى للقول بـ”هزيمة الثورة” بحسب منظور البعض.
عسكرياً، الجبهات الثورية مفككة، فإذا ما أضفنا لها الارتهان لمشاريع وأجندات خارجية أدركنا تماماً سر الخسائر على الأرض، في مقابل هذا جبهة الأسد تبدو متماسكة، استطاع من خلالها الانفراد بما تفكك من “جبهات الثورة” وقضمها، مما سمح له من استعادة تموضعه فوق تراب المناطق التي فقدها لوقتٍ طويل.
سياسياً وعسكرياً لم يكن هناك أيُّ تنسيق بين الطرفين و”الكل يغني على ليلاه” ما أدى للتراجع والقطيعة بين الجانبين، بدل أن يكون لهما الدور المكمّل للآخر وضمن أولوياته “حماية الشعب السوري وأرضه”.
بالتأكيد هناك تواطؤ دولي وليس تراجعاً بالاهتمام بالثورة السورية، وهذا عائدٌ لتمزق النسيج السوري والرغبة في التفرد بالنفوذ داخل سورية لصالح مشاريع “عابرة للقارات”، وهذا بدا واضحاً منذ البدايات.
الحل لا يبدو أنه يلوح في الأفق، بل أعتقد أنّ الصورة سوف تبقى عسكرية بامتياز، والمرحلة القادمة سوف تحمل في طياتها مشهداً دموياً للنظام السوري وحلفائه الذين سوف يجبرون للنزول على الأرض لتحصيل المكاسب في السيطرة، ولعل رسالة “هيئة تحرير الشام” واضحة، وهي “حرب استنزاف طويلة الأمد”، وخسارة الأرض سوف تكون لصالح الـ”هيئة” التي سوف تعمل على ضرب مناطق عمق النظام والروس وغيرهم بحركة سريعة، حتى وإن لم يكن لها قاعدة أو أرض تنطلق منها.
أما تفكك سورية فهو ما يحرص عليه المشروع الاستعماري الجديد وسبق أنْ تمّ تقديم دراسة نشرت في موقع Global Research قدمته مؤسسة “راند البحثية” العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية والمقربة من وزارة الدفاع الأمريكية، والدراسة تحدثت عن نموذج مشابه لما حصل في البوسنة.
ثمة احتمالين في النهاية للمشهد، التفكك والوقوع تحت “الوصاية” أو “وصايات عديدة”، والحل الثاني خروج سورية من أزمتها في حال عودة الحراك الثوري لمراحله الأولى واستعادة الثقة من الشارع الذي “ملّ الطرفين”، ومن يسبق من المشروعين يكسب ويكتب التاريخ للدولة السورية وفق النموذج الذي يريد.
مع كل هذا لابد من إرسال رسالة بعيد الثورة مفادها أنّ “الأفكار لا تموت بالرصاص” وأن “الشعب أراد الحياة”؛ يبقى أن ندير المعركة النهائية لنصل في المستقبل إلى الضفة التي تجمع السوريين تحت سقف دولة العدالة وراية السيادة، وهذا يحتاج لإرادة وصدق فأين الصادقين؟

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend