جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

حمامات دمشق… تاريخ اجتماعي وحضاري عريق

 

خاص|| فرات الشامي

جسّد المجتمع السوري حالةً ثقافية نادرة عاشها على مدى فترةٍ طويلةٍ من الزمن، جمعت بين الفن الهندسي المعماري والثقافة الإسلامية، والصحية، مع ما حملته من طابع اجتماعي يميل إلى الألفة والمحبة والتخلص من أعباء الحياة بالنكتة والموسيقا والفرح داخل مكانٍ يحتاج لتسليط الضوء عليه في مثل هذه الأيام بالذات.

ذاكرة دمشق تشهد بقيام “حضارةٍ عريقة” و”تراث” امتزج بسماتٍ لا تخلو من فلسفة وفهم الدمشقيين للحياة، ولقد لعب “حمام السوق” هذا الدور الرائد في تعميق ثقافة المجتمع السوري على مر عقودٍ طويلة.

تقاليد وعادات اجتماعية سادت الحياة خلال تلك الفترة وغابت عن أبناء المجتمع السوري ليس بحكم الحرب في سورية بل بفعل عوامل كثيرة، يطول شرحها في هذه السطور.

أساليب قديمة في حفظ المياه والتعامل معها إضافةً لمعالجتها تشير إليه الدراسات التي أفردت للحديث عن “حمامات دمشق”، والتي تؤكد أنها “ضاربة في عمق التاريخ” تصل إلى مرحلة الدولة “الآرامية” الأولى، مروراً بعهد ” الحمامات الشرقية” ذات الهيئة “الهلنستية والرومانية” وما تبع التمازج الحضاري من تطور لأدوات الاستحمام التي انتقلت بدورها لتصبح تقاليد راسخة حتى في قلب عاصمة الدول “العثمانية” لاحقاً، وإلى عهدٍ قريب في الدولة السورية.

كما تتحدث الدراسات عن استمرار تطور “حمام السوق” من جوانب عدة: “عمارةً ومفهوماً”، منذ العهد البيزنطي إلى الإسلامي مع بداية عهد “المماليك” والدولة “العثمانية”، في هذه الفترة اكتسب هذا “الصرح الحضاري” دوره “الاجتماعي” وترسيخ “شبكة علاقات اجتماعية مدنية” قوية.

الباحثة الفرنسية “ب. مارينو” قدمت بحثاً طويلاً في العام 2009 حول حمامات السوق في دمشق ما بين القرن 16 و 17 ميلادي _عصر الدولة العثمانية_ تقول في بحثها:

«إن أول حاكم في عائلة العظم في دمشق كان إسماعيل باشا (في القرن الثامن عشر)، وقد بنى حمامين أحدهما في سوق الخياطين، واستمر البناء من شباط عام 1727م إلى أيلول من نفس العام، وبذلك يكون قد انتهى من بنائه خلال بضعة أشهر حسب المؤرخ ابن كنان. كما تظهر السجلات القانونية أن إسماعيل باشا اشترى قطعة أرض جنوب الخان وقام ببناء حمام في سوق الخراب أيضاً، بالإضافة إلى أعمال إنشائية في المدينة وخارج الأسوار».

الباحثة “ماريان بوكفيس” تناولت جانباً آخر من “الحمامات” في القرن السادس عشر في “دمشق” حيث قدمت وصفاً نقلته عن “سجل الوقف” في تلك الفترة قائلةً: (( هناك مؤشرات على وجود مقاعد وقبة كانت تغطي التجمع، حيث يتم الولوج إليه عبر بوابة وساحة، ويظهر وجود مقصورات لتغيير الملابس، وغرفة للماء الحار مسقوفة بنوافذ زجاجية ))، واصفةً الجزء الغربي من أحد الحمامات، ثم تنتقل لتقول: (( أما في الجزء الجنوبي فهناك قناطر وأقواس، ويبدو أن الماء كان يجر من بئر قريب )).

ورد في مذكرات الباحث والعلامة “محمد كرد علي” فصلاً تطرق فيه إلى ذكر “حمام القيشاني”، وما يترافق من طقوسٍ اجتماعية بين جدران ذاك الحمام.

مؤرخون مثل “ابن الشلبي والنابلسي” تحدثوا عن وجود أكثر من ثلاثين حماماً في ريف دمشق، وهو ما تؤكده سجلات الدولة العثمانية في القرن 18 ميلادي.

وتشير بعض المخطوطات التاريخية في “دائرة الآثار والمتاحف” إلى وجود حمامات في ريف دمشق وتحديداً مناطق: داريا، حمورية، زملكا، التل، الربوة، المزة.

أما المخطوطات والوثائق المكتوبة فتتحدث عن مزايا الفن الهندسي المعماري في تلك الفترات على النحو التالي، تحت مسمى “الجزاء الوظيفية”:

((غرف الانتقال، غرف التسخين، غرف الغسيل، السخانات،  الأجران أو المغاطس، المراجل )).

لدى المجتمع السوري مفاهيم خاصة ألقت بظلالها تلك الفترة الزمنية ليس فقط على المستوى الصحي ونظافة البدن، بل تعدته إلى مفاهيم “الراحة، والمتعة، والالتقاء بالأصدقاء والجيران” بالتالي تقارب فكري بين أبناء الحي الواحد، الأمر الذي ساهم ببروز شكل من أشكال التفاعل الثقافي بين الناس بطريقةٍ حضارية.

العديد من الدراسات والمسلسلات الدرامية “السورية” أضاءت على هذا الجانب وتحدثت أنّ من بين الطقوس الدمشقية عشية عيد الفطر ارتياد الحمامات والازدحام الشديد على أبوابها، حيث يستمر توافد الناس إلى ما بعد صلاة الفجر.
 
تعتبر فترة الثمانينات بحسب شهادة أرباب هذه المهنة فترة ركود عصفت بالمهنة، ولا تزال هذه الحمامات تفتح أبوابها للناس على الرغم من ظروف الحرب، بحسب شهادة الكثير من أبناء دمشق لـ”الأيام” والذين يجدون في تلك “الرقعة” متنفساً بعيداً عن صخب الحياة.

تغيرت طبعاً تكلفة الدخول من 300 ل.س إلى 800 ل.س، ويعزا هذا الارتفاع إلى أسباب من بينها ” غلاء الوقود”.

وهذه التكلفة تمثل معدات الحمام اللازمة للزبون: (( صابون غار، الليف ))، إضافة إلى أجور “المسّاج”، “تقشير البشرة”، “كأس شاي” أو غيره من المشروبات الساخنة )).

بلغ عدد حمّامات السوق قيد التشغيل بدمشق 18 حمّاماً، معظمها تم ترميمه، وإدخال التحسينات على شكل الخدمة، بحسب إحدى الدراسات.

طقوس “حمّام السوق” اختلفت عن السابق في هذه الأيام، لكنها حافظت على جمالها وبعض التقاليد، حيث تبدأ الرحلة من القسم ” البرّاني” _وهو يمثل قاعة الاستقبال  الواقعة في مدخل الحمّام_، في هذا القسم تجد: (( النافورة، والأريكة، إضافةً لعدّة الشاي والقهوة، والنرجيلة )).

يدخل الزبون إلى القسم “الوسطاني” وهي المرحلة الثانية من الرحلة، حيث يتعين على الزبون خلع الملابس ثم يأتزر بفوطة “منشفة طويلة”.

المرحلة الثالثة ” الجوّاني”، والذي يقسم إلى مقصورات خاصّة، يجمع بينها رواقٌ كبير تتوزّع على جوانبه أجران الماء الرخاميّة، ويسمّى جزءٌ من أرضيته بـ (بلاط النار) حيث يمر نظام تسخين الماء تحت البلاط الرخامي، هذا يمنحه درجة حرارة عالية، تمنح “زوار الحمّام” الدفء في فصل الشتاء.

تنتهي الرحلة مجدداً من حيث بدأت _ البرّاني _ يستبدل الزبون “الفوطة” في “الوسطاني” ويدخل إلى “البرّاني” ليصل إلى حالة “الاسترخاء”، وتقام في هذا القسم “الأعراس”، “اجتماعات الأصدقاء”، “حفلات غنائية” تترافق مع تقديم “المشروبات الساخنة”، مع “النرجيلة”.

قائمة تتضمن أسماء “حمامات دمشق” حسب توزعها الجغرافي جميعها ضمن سور دمشق:

  1. حمام القيشاني بالقرب من سوق البريد.
  2. حمام النيرب في محلة باب توما.
  3. حمام الملك الظاهر.
  4. حمام منجك بمحلة القباقبية.
  5. حمام سامي بمحلة القباقبية
  6. حمام القاعة بمحلة القباقبية.
  7. حمام عيسى القاري.
  8. حمام بني أسامة.
  9. حمام الناصري بالشاغور الجواني.
  10. حمام الركاب بمحلة الشاغور الجواني
  11. حمام الخراب شرق خان إسماعيل باشا.
  12. حمام البابين في حي القيمرية.
  13. حمام الملك.
  14. حمام السراجي.
  15. حمام الحاجب.
  16. حمام آمونة، لصيق البيمارستان النوري بالقرب من المدرسة الشامية من ناحية القبلة.
  17. حمام الأمير علي في محلة سوق القطن بزقاق المدرسة الخضيرية
  18. حمام المسك “السلسلة” في محلة طالع القبة.
  19. حمام نور الدين الشهيد.
  20. حمام التيروزي “للنساء”.

إن دخول سورية في مرحلة الاستخراب الفرنسي، وغيرها من المراحلة التاريخية التي سبقتها لم تلغ دور “حمّام السوق” وهذا ينطبق بنسبة ربما لا تتجاوز الـ10% على الحالة في ظروف الحرب الجديدة اليوم التي تمر بها البلاد، لكن بقي للحمّام رواده ومريديه، وهو ما يؤكد على طبيعته “الحضارية” التي تبعتد عن كونه مكان “للنظافة” فقط.

الفنان الكبير “ياسر العظمة” في مرايا 84 جسد باختصار من خلال أغنية “فوتة الحمام” طبيعة هذه الحالة التاريخية الحضارية في دمشق حتى فترة قريبة، ولعل الأغنية تشمل كل ما يلخص هذه الظاهرة:

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend