فيروزيات فراتية

بقلم: فرات الشامي

أعطني فؤادك … لامس حروفي بعيني شوق… أدرها في ثغرك كأنما تلامس أنثى… تعطر باسمها … راقصها… ضع يدك اليمنى فوق يدها والأخرى على خصرها… لكن فقط إن كنت “عاشقاً”… إن لم تكن مثلي تحمل إيماناً بالفناء بها فلا ترهق نفسك معي فأنا “ثائرٌ عاشقٌ مجنون”… “أموت حين تحيا تلك السمراء”.

أحب دمشق – فيروز… راقب الكلمات وأصغي معي لفيروز أترك العنان لقلبك.

الحكاية بدأت في تلك الأحياء القديمة حيث تدلت وريقات “الياسمين” فوق رأسي كأنها كفُّ زوجتي تداعب خدي ببراءة واشتياق.

لمسنا الأحجار العتيقة… مشينا فوق الطريق الطويل المرصوف بالأحجار… كنا عشاقاً “ثلاث” ولم نكن “عاشقين”… كانت هي حاضرةً معنا… كأنما تحتضن عشقنا الأبدي… استرحنا بعد تعبٍ طويل… تحت تلك النافذة الخشبية المطلية باللون البني… هنا عطرٌ “نبوي” يفوح بمعانٍ يعجز “قلمي” عن وصفها، لكن بضع دمعاتٍ تركتها في زاويةٍ للصلاة يوم كنا نصلي بخوف، _هكذا علمنا الكبار_ فالصلاة كما العشق وصفتها جدتي بأنها “عار”… فهمت متأخراً أنها “تهمة”، ورددت طويلاً أهتف ضد “عصابة الإخوان المسلمين العميلة”… وأمجد “القائد”… لم أفهم يومها معنى “العلمانية” و”الليبرالية” ولا حتى “الديمقراطية” أو غيرها من تلك العبارات، لم أفهم وقتها معنى “الصوفية” ومعنى “السلفية”… كنت عاشقاً فقط، مأسوراً بالخوف.

مزيفٌ كلّ شيءٍ في تلك اللحظة، أمسكت يد زوجتي بعنف، أنا الذي ما اعتاد “العنف” يوماً… كأس العصير لم يصلنا بعد… المشهد تغير سريعاً… الوجوه “كالحة”… قطعاً ليسوا “دمشقيين”… بل حتماً لا يعرفون “العشق الدمشقي”…!!

أسرعنا نحو المنزل… تركناها هناك … لا بل تركنا أفئدتنا تنبض كأنما كنا نمشي على مسرح… تمد يدها… نمد يدنا… تلوح لنا… ونلوح لها… والأيدي لا تتلاقى.

هتفنا ملأ الحناجر باسمها… ارتفع صوت الرصاص… ودعتُ زوجتي على الباب، أوصتني بها… قالت: ((أريدك شهيداً))… أغلقت الباب على أمل العودة بها… بندقيتي على كتفي… وجهتها على صدر ذاك الغريب القادم من البعيد… أرديته قتيلاً… مالي ومال “الرصاص”؟!، أنا الكاتب الذي ما اعتاد إلا أن يحمل “قلم رصاص”… لكنها كانت هناك “جريحة” بعد أن وضع “القيد” في “معصمها”… عدت دونها، خالفتُ أمنية “حبيبتي”، لم أزف إلى “ترابها”.

في الباص الأخضر، عانقت زوجتي، وبندقيتي، وقلم الرصاص، _أحضرت القلم معي_ وقطعةً من “الصوف” كانت حاكتها لي “أمي” شالاً ألفُّ به عنقي “علم ثورتنا”.

تركت البندقية ترتاح … تأملتُ المشهد طويلاً… وجدتني أصوغ الحروف عشقاً… أهيم نحوها فوق “غيمات السماء”… أستمع إلى “فيروز” خلسةً… حين تكف الطائرات عن زيارتنا.

الجمعة الماضية كدت أفقد الأمل… خرجنا من المسجد القريب وبدأت الهتافات ترتفع… وجدتني وجاري الجديد نمسك يداً بيد ونهتف… كأنما نقفز في السماء… “عاشت سورية ويسقط بشار الأسد”… !!

لم تمت… لا ولن تموت… إن ماتت سوف تنعيني “الأيام” شهيداً في تربة “دمشق”… “الأفكار لا تموت” هكذا علمتني “أمي الفراتية”… و “من يؤمن بفكرته يقاتل من أجلها”… تلك آخر كلمات “جدتي” على “فراش الموت” يوم فرحت بسقوط “القذافي” وقبلها “مبارك” و “بن علي”… لكنها رحلت قبل أن تشهد “سقوط بشار”… مسكينةٌ جدتي… ليتها كانت اليوم معي، كانت بألف رجل، “أخت رجال” كما يصفها “جدي”… “ثائرة” لم تقرأ ولم تكتب يوماً، لكنها أحبت مثلي وذاقت معاني “العشق”… !!

كلّ الأشياء فانية… أما “ثورة دمشق” فعطرها لن يموت… عن أيّ تفاؤلٍ تتحدث أيها “الخرف”؟

في كل عتمةٍ ضياء… أبصره بقلبك… أمسك به… تعلق بفكرك وحلّق ثم مارس فعل الكتابة والتوعية… أصرخ ملأ حنجرتك “سورية وبس”.

مررت على قول البحتري وأنا أصغي إلى “فيروز”… مزيجٌ من الشعر والموسيقا “أجبرتني” على البكاء… إن خذلها الرصاص فلن يخذلها “القلم”.

أما دمشق فقد أبدت محاسنها     وقد وفى لك مطربها بما وعدا

إذا أردت ملأت العين من بلد    مستحسن وزمان يشبه البلد

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend